الفصل 328: العشاء [2]
"….."
كان توتّر غريب يخيّم على القاعة.
كلينك! كلينك—!
تردّد صوت ارتطام أدوات الطعام بخفوتٍ داخل جوٍّ مشحون بالقلق.
قطع الرجل العجوز شريحته من اللحم ببطءٍ وحذرٍ بالغَين، كأنّ الفعل نفسه أهمّ من الأكل.
لم يتكلّم. لم يرفع رأسه.
فقط ابتسم وهو يأكل.
ومع كلّ قضمة، كان فكه يتحرّك ببطءٍ كما لو أنّه غارقٌ في تفكيرٍ عميق، أو كأنّه يصغي إلى شيءٍ لا يسمعه سواه. أحيانًا كان يتوقّف، يمضغ بعينين نصف مغمضتين، وصوت المضغ يملأ المكان كصدى خافتٍ مريب.
كلّ الأنظار كانت موجهة إليه.
لم يجرؤ أحد على إصدار صوتٍ أو مقاطعته؛ وكان الجميع يتواصلون فيما بينهم عبر الرسائل أو الوسائل الأخرى.
’…لا أشعر بشيءٍ مريح تجاه هذا.’ همست ميا بهدوء، ناظرةً نحو الرجل العجوز.
كنت أشاطرها الإحساس ذاته.
كان في الوضع الراهن شيءٌ مقلق. على الرغم من أنّ العجوز يأكل ويشرب مبتسمًا، فإنّ سكونه وحده كان كفيلًا بجعل قلبي يخفق بعنف.
ما الذي كان يخطّط له؟
هل كان حقًّا سيتركنا وشأننا إن لم نأكل؟
راودتني شكوكٌ جدّية حيال ذلك.
ومع هذا، لم أستطع أن أبقى جامدًا. كان عليّ أن أجد حلًّا ما.
أنا—
"….!؟"
كلانك!
ارتدّ صوتٌ منخفض مكتومٌ من جانبي، حادٌّ ومفاجئ. انتفضتُ، ورأسي يستدير نحو مصدره، وقلبي يخفق كطبول الحرب.
توقّف بصري عند سارة.
كانت جالسةً في جمودٍ تامّ، تحدّق مباشرة في المائدة. عيناها الداكنتان مفتوحتان على اتّساعهما، مرتجفتان، شاخصتان إلى شيءٍ لم أستطع رؤيته.
اتّجهت عدّة أنظار نحونا.
وشعرتُ بالتوتّر يتعاظم.
ثمّ—
أشارت سارة ببطء نحو طبقي.
"ديدان"، تمتمت بصوتٍ خافتٍ شارد. "…هناك ديدان."
ماذا؟
خفضتُ رأسي لأنظر إلى طبقي.
ولم أرَ شيئًا من تلك الديدان التي تحدّثت عنها.
كلّ ما رأيته كان شريحة لحمٍ مثالية، مشويّة بإتقان، يغمرها بريق الصلصة وهي تلتقط الضوء، وتفوح منها رائحة دافئة غنيّة تملأ المكان.
"آه…؟"
رمشت سارة ببطء، وكأنّها استيقظت من غيبوبةٍ قصيرة.
تحدّق في شريحتي، رأسها مائل بخفوت.
"ماذا؟ لكن… كانت هناك…"
راقبت ارتباكها عن كثب، وأنا أتابع بعنايةٍ تصرّفها بينما أوجّه نظري نحو الرجل العجوز الذي كان يأكل شريحته بلا مبالاة. في غضون دقائق قليلة فقط، كان قد أوشك على إنهاء طبقه، ومع كلّ قطعٍ بطيء لسكّينه في اللحم، كان ضغطٌ غامض غير مرئيّ ينتشر في القاعة كغلالةٍ خانقة.
با… ثَمب! با… ثَمب!
ابتلعت ريقي بعصبيّة، أراقب المكان بعينيّ في محاولةٍ لاستيعاب ما يجب أن أفعله لتجاوز هذا السيناريو الغامض.
وفي لحظةٍ ما، ولسببٍ لا أدريه، وجدت نفسي أحدّق في هاتفي.
حينها لمحْت صدفةً بثّ المحادثة المباشرة.
—ماذا يفعلون؟ لماذا لا يأكلون…؟
—…قد يكون هذا الطعام سامًّا. من الطبيعي أنهم لا يأكلون.
—لكنهم لا يفعلون شيئًا.
—هل ننتقل لمشاهدة زاويةٍ أخرى؟ هذا الفريق مملّ.
المشاهدات المباشرة — [653]
هل كانت الدردشة لا تزال تعمل؟
شعرت ببعض الدهشة، لكنّ الأمر بدا منطقيًا أيضًا. فطالما كان بإمكاننا التواصل مع الخارج، فربما يُسمح بهذا.
’نعم، التواصل مسموحٌ مع الخارج. إن ساءت الأمور حقًّا، وعمّت الفوضى، فربّما يتدخّل أفراد النقابة.’
تماسكتُ واستعدتُ هدوئي، ثمّ نظرت نحو الرجل العجوز مجدّدًا.
قطع آخر قطعة من شريحته، وغرز الشوكة فيها، ثمّ رفعها إلى فمه وأكلها.
اشتدّ التوتّر في القاعة.
بدأتُ أشعر بالانقباض، وعضلاتي تتصلّب مع أنفاسي. دون وعيٍ منّي، وجدت نفسي أميل إلى الأمام في مقعدي.
ثمّ—
كلينك!
وضع أدوات الطعام جانبًا.
"كم هو لذيذ."
رفع نظره نحونا مرّة أخرى.
وبالابتسامة ذاتها، شبك أصابعه، ومسحنا بنظره واحدًا واحدًا.
"…ألا يأكل أحد غيري؟"
قوبلت كلماته بصمتٍ مطبق.
باستثناء النغمة الهادئة التي داعبت الهواء، وخطوات الخدم الخافتة، لم يُسمَع أيّ صوتٍ آخر.
"حسنًا."
وضع الرجل العجوز كفّيه على الطاولة، ونهض واقفًا.
اشتدّ توتّري أكثر، مستعدًّا للحركة في أيّ لحظة. وكان الأمر ذاته ينطبق على الجميع الحاضرين.
"…."
ببطءٍ، أدار الرجل العجوز رأسه.
تركّز بصره على الفرقة الموسيقية بينما صَفَقَ بيديه.
تصفيق! تصفيق!
"بما أنّ ضيوفنا هنا ليسوا جائعين، ما رأيكم أن نعزف لهم بعض الموسيقى؟ لنجرّب المقطوعة التقليدية التي نعزفها عادةً."
تجمّد أعضاء الفرقة في أماكنهم، كأنّهم آلاتٌ بلا روح. وبعد لحظاتٍ قصيرة، بدأ عازفو الكمان بعزف لحنٍ جديد. ارتفعت أنغام الكمان ببطء، وانتشرت في القاعة حتى لم يعد يُسمع سواها.
لم يكن لحنًا سيئًا، بل كان مفعمًا بالحيوية.
لكنّ النوتات كانت تتلوّى بشكلٍ غير طبيعي، تنحني بزوايا غريبة، كما لو أنّ الأوتار تجرّها قسرًا.
ارتفعت النغمات الحادّة المزعجة، ثمّ هوت فجأة إلى أصداءٍ واطئةٍ مرتجفة، ترتطم بالجدران وتطنّ كأنها أنين.
شعرت بوخزٍ غريبٍ مزعجٍ في أذنيّ.
بعد لحظاتٍ، تحرّك الأشخاص الذين يقفون خلف الرجل العجوز نحو الفرقة، وبدؤوا يرقصون في دوائر، تتناغم خطواتهم الخفيفة مع إيقاع الموسيقى.
"…هذا يا سيّداتي وسادتي، تقليدٌ نتّبعه هنا. إنّه رقصٌ يرمز إلى الطهارة والحظّ السعيد. فالرقص يعني أن تكون جزءًا من الحظّ. إن رغب أحدكم بالمشاركة، فلا يتردّد."
وأثناء شرحه، تقدّم الرجل العجوز نحو الأرض حيث كانوا يرقصون.
طع! طع! طع!
انضمّ إليهم بعد لحظاتٍ قليلة.
تسلّل اللحن في الأجواء، وبدأ الجمع يرقص في دوائر بطيئة على أنغامه. كان في حركاتهم شيءٌ غير طبيعي، متناسقٌ إلى حدٍّ مريب.
لم أستطع أن أصفه بالكلمات.
كان مشهدًا غريبًا… يبعث على القلق بصمتٍ ثقيل.
ثمّ—
طع! طع! طع!
تردّد صدى خطواتٍ أخرى.
استدارَت كلّ الرؤوس نحو الباب، حيث دخلت نساءٌ بثيابٍ بيضاء، وجوههنّ مزيّنة بالابتسامات، وشعورهنّ الناعمة تتدلّى فوق ثيابهنّ البيضاء.
وكالرجال، كانت ملابسهنّ نظيفة ناصعة.
غير أنّني، بخلاف الرجال، ما إن رأيتهنّ حتى شعرت بكلّ شعرةٍ في جسدي تقف. إذ كنّ يحملن ما بدا كأنه مطرقةٌ ضخمة.
’ما نوعُ هذا…’
تحرّكت الكراسي، وبعض الفرق الأخرى بدت مستعدة للتدخّل.
"آه، وصلتُنَّ."
رحّب الرجل العجوز بالنساء، واتّسعت ابتسامته وهو يبتعد عن الراقصين متّجهًا إليهنّ.
وبينما فعل ذلك، قدّمهنّ إلينا.
"هؤلاء هنّ خادمات العهد. مختاراتٌ منذ المهد، ينحدرن من سلالةٍ حُفظت نقيةً بالطاعة والإيمان. لم يخطون خارج هذه الجدران قط، ولم يسمعن أصوات العالم. أجسادهنّ وأرواحهنّ مصونةٌ بعناية. مهمّتهنّ مقدّسة، وبدونهنّ، سينهار أساس هذا البيت."
أمسك الرجل العجوز المطرقة من إحدى النساء، وتفرّس فيها.
"حسنًا إذًا…"
توقّف، واختفت الابتسامة عن وجهه بينما لفح القاعةَ بردٌ قارس. ثمّ—
ضربة!
هوى بالمطرقة نحو أقرب شخصٍ إليه، فتناثر الدم عبر القاعة كلّها.
"….!؟"
"…..!"
اتّسعت الأعين ذهولًا، ولم يستطع أحد أن يتحرّك في الوقت المناسب.
رشة دم!
هوى بالمطرقة مجددًا، فتهشّمت الجمجمة ثانيةً، وتناثر الدم في كلّ اتجاه، بينما دوّى الصوت اللزجّ للمطرقة وهي تُنتزع من الوجه داخل القاعة.
توقّف كلّ صوتٍ في تلك اللحظة.
وتوقّف الرقص، إذ تَركّزت أنظار الجميع على الجثّة الملقاة أرضًا.
"هيهيهيهي."
"هاهاهاها."
تلت ذلك سلسلةٌ من الضحكات المريبة انطلقت من الرجال المسنّين والنساء بالثياب البيضاء.
"هاهاها."
رنّت الضحكات جوفاء بينما كانت العيون تتابع الجسد الملقى على الأرض، وحين نظرت ببطءٍ إلى الجثّة، التي تهشّم فكّها تمامًا وانغرس داخل رأسها، رأيت ذلك… الخاتم المثبّت على جسر أنفها.
آه…
ومضت في ذهني صورةٌ فجائية… لجثّةٍ متحلّلةٍ أعرفها. تسارع نبض قلبي، وسرى البرد في عروقي كالسّمّ.
وكأنّ ذلك لم يكن كافيًا…
"هاهاها."
"هي… هيهي."
بدأت مجددًا.
الضحكات.
لم تصدر فقط من الرجال والنساء البيض… بل من حولي أيضًا.
"هيهي… هي…"
لا… لم تكن فقط من حولي.
"هيهيهي."
بل إنّني، أنا أيضًا، بدأت أضحك، واهتزّت عيناي.
وحين رفعت رأسي ببطء، رأيت نظرات الآخرين تهتزّ كذلك… تمامًا كما كانت تفعل عيونُ الخدم.
هبط قلبي.