الفصل 29: الصرخة [3]
"هاا… هاا…"
ارتد صدى الأنفاس الثقيلة الجماعية في أرجاء الغرفة، متجمعًا بالقرب من إحدى الحجيرات حيث جلس عدد من الأشخاص بلا حراك، وعيونهم مثبتة على شاشة سوداء قاتمة.
لم يكن هناك شيء ظاهر على الشاشة.
ومع ذلك…
لم يستطع أيٌّ منهم أن يصرف نظره.
بدت كل الأصوات أكثر حدَّة. الطنين الخافت للمروحة، الذي كان بالكاد يُلاحظ، صار الآن يهدر في آذانهم، مضيفًا إلى التوتر المتزايد في أجواء اللعبة.
استمر هذا لعدة ثوانٍ حتى—
وميض!
انقلب المفتاح، وأضيئت الأنوار، فعاد الضوء.
وكأن الجميع استطاع أخيرًا أن يتنفس، فأخذوا نفسًا عميقًا.
ولم يكن تيرانس استثناء، إذ تلاشت تعابير وجهه السابقة. أغمض عينيه للحظة ليجمع شتات نفسه.
كان يبدو أفضل حالًا من المجندين الجدد.
"لا تفكروا كثيرًا. ابقوا هادئين. أنتم خرجتم للتو من المحاكمة البارحة، لذا من الطبيعي أن تشعروا ببعض التوتر بعد رؤية شيء مشابه جدًا."
بدت كلماته مطمئنة للمجندين الجدد، إذ انطلقت ضحكات خفيفة بينهم.
"أعتقد أنك محق."
"…إنه أشبه بصورة طبق الأصل عن المحاكمة. يبدو أنني تذكرت البارحة أكثر من اللازم."
وحين بدا أن الجميع قد هدأ من جديد، أومأ تيرانس برأسه قليلًا وضغط على الزر 'W'، موجهًا الشخصية نحو الأمام.
وعندما استدار في أحد الممرات خافتة الإضاءة، ظهرت له بوابة مصطفة على جانب الجدار. عند أسفل الباب تكدست بعض الأزهار والرسائل.
"همم؟"
لم تغب هذه التغيرات عن أعين المجندين الجدد ولا عن تيرانس، وهو يوجه الشخصية نحو الأزهار.
وما إن وصل تيرانس إلى الأزهار، حتى انزلقت السيطرة من بين أصابعه. تحركت الشاشة من تلقاء نفسها، وانتقلت بسلاسة إلى مشهد قصير.
"مشهد سينمائي؟"
بدأ المشهد حين شغلت الشخصية جهاز MP3 وعادت الموسيقى التي سمعوها من قبل.
تسلل لحن ناعم عبر مكبرات الصوت، وتسلل شيئًا فشيئًا إلى عقول كل من كان حاضرًا.
على الشاشة، توقفت الشخصية أمام الأزهار، ثم انحنت ببطء لالتقاط واحدة من الرسائل المبعثرة.
[في ذكرى راميل نيل]
"لابد أن هذه الموظفة التي تم الحديث عنها في بداية اللعبة. التي أنهت حياتها بنفسها"، علّق أحد المجندين الجدد، ناطقًا بما يدور في أذهان الجميع.
"هي كذلك."
أومأ تيرانس برأسه بينما رأى الشخصية تعيد الرسالة إلى مكانها، قبل أن تظهر كلمات جديدة على الشاشة.
'…هل سأصبح مثله؟'
انتهى المشهد، ووجد تيرانس نفسه في المكان ذاته الذي كان فيه قبل العرض.
"مثير للاهتمام."
تمتم تيرانس لنفسه وهو يحدق في المشهد. كان يستطيع أن يرى ما يحاول سيث فعله—لا يزال متمسكًا بحيله النفسية، محاولًا أن يربط بين "الخطوات" وموظف قسم تكنولوجيا المعلومات الذي أنهى حياته.
ابتسم بسخرية.
'ليست محاولة سيئة، لكن بما أنني أعلم بالفعل—'
وميض!
انطفأت الأنوار فجأة، وخفتت الموسيقى. وتلاشت ابتسامة تيرانس من شفتيه، وتشنج جسده لا إراديًا.
'ما الذي يحدث لي؟'
شعر بالتغير، فقطّب حاجبيه ونظر نحو يمينه.
وكاد قلبه أن يقفز من بين ضلوعه حين رأى المجندين الجدد واقفين إلى جواره، رؤوسهم تنظر داخل الكمبيوتر المحمول بتعابير خالية من الحياة.
تغيرت ملامح تيرانس عند هذا المشهد. كان هناك شيء غير طبيعي في الموقف!
وكان على وشك أن يتحرك عندما—
خطوة!
ارتد صدى خطوة خافتة من مكبرات الصوت، وشعر تيرانس بقشعريرة تسري في جسده كله.
ضغط خنصره لا إراديًا على زر 'الإنتقال (shift)'، فبدأت الشخصية تركض بسرعة أكبر.
تاتاتاتا—!
ازداد صوت الخطوات علوًا، وامتزج مع أنفاس الشخصية الثقيلة.
سحب تيرانس يده بسرعة من على الفأرة(الماوس)، ومسح كفه المتعرق على قميصه قبل أن يعيد وضع يده، وأصابعه تقبض عليها بإحكام وهو يواصل التقدم.
وقبل أن يدرك، بدأ يغوص في أعماق اللعبة.
بدأت محيطاته تتلاشى، وانزلق الواقع من حوله، حتى وجد نفسه متوحدًا مع الشخصية. كل صوت حوله—أنفاس، صرير، خطوات—تصاعد في أذنيه، مشدودًا كوتر على وشك أن ينقطع.
وميض!
أضيئت الأنوار وانطفأت في نمط متكرر، وكل مرة تعود فيها الموسيقى، تتسارع الخطوات مع كل عودة للظلام.
كان الأمر تمامًا كما في المحاكمة.
ومع ذلك…
خطوة!
ترددت خطوة أخرى عبر مكبرات الصوت، فارتجف تيرانس—وتخيل في ذهنه صورة أحد زملائه الذين ماتوا في الماضي، يمدّ يديه المرتعشتين ليمسك بكتفه.
اهتز جسده، وضغط على الزر مرة أخرى.
'إنه مجرد خيال. هذا غير حقيقي. لا تنخدع بهذه الخدعة البسيطة.'
"هاا… هاا…"
صوت أنفاس الشخصية الثقيلة أصبح أكثر استعجالًا وهو يتردد من مكبرات الصوت، وتيرانس، وكأن الأمر خارج عن إرادته، بدأ يطابق نمط أنفاسه مع الشخصية.
ولم يكن الوحيد.
فالمجندون الجدد لم يكونوا مختلفين، وقد اقتربت رؤوسهم أكثر نحو الشاشة.
واصل تيرانس الركض مع الشخصية، أصابعه متوترة وقبضته على الفأرة مُحْكَمَة.
الخطوات كانت تلاحق بلا هوادة، لا تتوقف، والظلام يبتلع كل شيء.
وبشق الأنفس، استطاع تيرانس أن يسبق الخطوات.
'المزيد، فقط القليل…!'
كان يشعر أنه يقترب من نقطة التحول في اللعبة. عليه فقط أن يصمد حتى—
توقفت الشخصية تمامًا.
ثم ظهر إشعار بعد لحظات.
[لقد نفدت طاقتك]
احتل الإشعار الجزء السفلي من الشاشة، مكتوبًا بالأحمر القاني، فعجز عقل تيرانس عن الاستيعاب. وتمامًا حين فقد القدرة على التفكير، تسارعت الخطوات من الخلف، تركض باتجاههم.
استدار تيرانس لا إراديًا بالشخصية، وأصابعه ترتجف.
ثم—
وجه.
وجه فارغ، بلا ملامح.
ملأ الشاشة، يحدق به مباشرة. عيون خاوية، سوداء كالليل، تطل على روحه.
"آآآآآاااااااه—!"
شق الصراخ أجواء المكتب. انزلقت الفأرة من يد تيرانس وهو يرتد مرتعبًا.
وتبعه المجندون الجدد بعد لحظة، وقد شحبت وجوههم وتراجعوا إلى الخلف، أجسادهم ترتجف.
ومضت الشاشة، وظهر بعدها حرفان قانيان بلون الدم.
[النهاية]
—
بعيدًا عن الفوضى التي كانت تتصاعد في المكتب، كان سيث يتقلب في فراشه، والملاءات تتشابك حول ساقيه وهو يحاول يائسًا أن يغرق في نوم عميق متواصل.
كان يظن سابقًا أنه سيغفو بمجرد أن يلامس السرير، لكن لسببٍ ما، لم ينم حتى الآن.
تقلب من جديد، وتبعته أغطية السرير.
ومع ذلك، لم يستطع النوم إطلاقًا. كان هناك شيء ما يزعجه في أعماق ذهنه.
"…ما اللعنة التي تحدث لي؟"
وفي النهاية، انفتحت عينا سيث، وحدق ببصر شارد في السقف. لم تفعل إضاءة الغرفة الخافتة شيئًا لتخفيف الإرهاق في عينيه، إذ كانت الهالات السوداء تحتها أوضح من أي وقت مضى.
"لا تخبرني أنني لُعِنت بعدم القدرة على النوم؟"
تمتم سيث وهو يدلك وجهه.
تنهد، ثم أغلق عينيه من جديد، محاولًا النوم وهو يستدير إلى الجانب.
'أوه، أعتقد أنّ هذه ستكون المناسبة.'
شعر بعقله يغوص ببطء في حالة من النعاس.
كان قريبًا.
وقبل أن يصل أخيرًا إلى نومه المنشود…
تينغ!
ومض إشعار، وانفتحت عيناه في الحال.
[تهانينا، لقد أنهيت أول مهمة!]
"….."
حدق سيث بالإشعار بعينين خاويتين قبل أن يئن.
"فلتقتلوني وحسب."