الفصل الثاني - تفعيل النظام
(في مكان آخر في هذه الأثناء)
"يا شبح، هل تسمعني؟"
سمع مايكل صوت فتاة مراهقة عبر سماعة أذنه.
"أسمعك بوضوح تام، يا وردية"
قال مايكل وهو يُعدل ربطة عنقه ناظراً في المرآة. كان شاب وسيم في أواخر العشرينيات يعيد نظراته إليه.
"أنا أبدو وسيمًا حقاً"
ابتسم مايكل لصورته المنعكسة.
"ماذا قلت يا شبح؟"
"لا شيء، هل دخل الهدف المبنى بعد؟"
سأل مايكل ناظراً إلى ساعته من ماركة رولكس.
"ليس بعد، لكنه سيصل خلال دقائق معدودة"
كانت وردية شريكة مايكل في المهمة، هذا إن افترضنا أن وردية لم تكن تستخدم مغير أصوات ليبدو صوتها كفتاة.
في مجال عمل مايكل، كانت السرية المطلقة أمراً بالغ الأهمية. حتى الآن، لم يلتقِ بوردية ولم يكن يعرف شيئاً عنها، تماماً كما لم تكن هي تعرف عنه شيئاً سوى اسممها الحركي. الوجه الذي في المرآة لم يكن سوى تنكر، إذ لم يسبق لمايكل أن كشف عن وجهه الحقيقي لأي شخص كان.
"تذكر، العميل يريد منك القضاء على الهدف قبل أن يبدأ إلقاء خطابه"
"علم"
ألقى مايكل نظرة أخيرة على المرآة وغادر دورة المياه. عندما خرج، استقبله حشد هائل من الأثرياء. بدا أن كل امرأة كانت ترتديه ملابس مصممة خصيصاً لها مع إكسسوارات صنعت من أجلها وحدها، بينما ارتدى غالبية الرجال بدلات رسمية سوداء كلاسيكية مع قمصان بيضاء وربطات عنق أفقية.
كان بإمكان مايكل أن يرى وجوه أغلبهم لو فتح التلفاز أو تجول في الشوارع، فقد كانوا جميعاً من المشاهير والسياسيين والرياضيين المعروفين.
"أيمكنك إحضار توقيع لي من ديكاب؟"
"ليس مجاناً"
وضع مايكل نظارته الشمسية السوداء وتظاهر بأنه حارس الأمن الذي أفقده صوعه وتركه في حاوية النفايات بالخارج.
"يا للهول، هيا يا شبح، ليس لدي أي مال أعطيه لك"
"كان عليك توفير مئتين وخمسين دولاراً من مهمتك الأخيرة"
قال مايكل وهو يتجول في المكان متظاهراً بتفقد محيط المنطقة.
لم تقل وردية شيئاً لأنها كانت تعلم جيداً أنه لا يفعل أي شيء مجاناً.
في عالم القتلة المأجورين، كان مايكل بمثابة نجم ساطع، ووحده عدد ضئيل للغاية من الناس على وجه الأرض من يستطيعون توظيف قاتل مكلف مثله. لقد حقق نسبة نجاح بلغت مئتي بالمئة، ولم يمتلك أي قاتل آخر في العالم سجلاً مماثلاً. وحدها بعض القوات الأمنية من كانت على علم بوجوده، لكنهم لم يملكوا سوى التكهنات نظراً لأنه لم يترك خلفه قط أي أدلة أو ما يمكنهم من فتح ملف ضده.
والشخص الوحيد القادر على إثبات وجوده كان وردية، ولكن لو تجرأت شريكة مثله على خيانة زميلها، لخصص العالم السفلي جائزة مالية لمن يقتلها ولأنتهت حياتها حتماً، لذا فإن شخصاً يمتلك مستوى ذكاء يبلغ مئة وستين لم يكن ليرتكب حماقة كخيانته.
"لقد دخل الهدف المبنى"
قالت وردية، ولاحظ هو دخول القوات الخاصة من مختلف الدول إلى القاعة.
وبعد برهة، مد مايكل عنقه فرأى عجوزاً يبدو طيب المظهر وهو يدخل القاعة بينما أحاط به حراس مسلحون على شكل تشكيل ماسي. نظر الكثيرون في الحفل إلى بساطته بإعجاب شديد. كان الهدف هو رئيس الوزراء المنتخب حديثاً لدولة بروبرا بعد أن حرر شعبه من مخالب الزعيم السابق لبروبرا، وهو ديكتاتور شرير امتلك ما يكفي من الأسلحة النووية لمحو الجنس البشري بأسره من على وجه الأرض.
تلقى الهدف جوائز وأوسمة متنوعة، بما في ذلك جائزة نوبل لاحتجاجه السلمي ضد الديكتاتور. وقد حضر إلى هنا لإلقاء خطاب عن اللاعنف وسلام العالم، وكان مايكل هنا ليضمن أن يرى العالم أجمع نهاية هذا الرجل.
ومع ذلك، بينما كان الجميع ينظرون إليه كما لو كان ملكاً للسلام، سخر مايكل في سرّه لأن الوجه الذي كان يظهره للعالم الخارجي كان مزيفاً تماماً كوجه مايكل المتاصنع. امتلك مايكل مبادئه الأخلاقية الخاصة؛ بغض النظر عن قيمة الأجر، فإنه لن يقتل بريئاً أبداً، وليبور بارنز لم يكن بريئاً.
ظن الجميع أن ليببور بارنز هو أب أمة بروبرا الحرة، لكنهم فشلوا في التساؤل كيف نجى تحت حكم الديكتاتور بينما كان يحتج ضده جهاراً نهاراً وتحت أنفه مباشرة. مهما بلغت سلمية احتجاجاته، فإن ديكتاتوراً مثل بافل كان ليقتله منذ زمن بعيد، لكن ليبور نجى.
باستثناء العالم السفلي، لم يكن أحد يعرف ليبور الحقيقي. كان بافل الديكتاتور الوحيد بالنسبة للعالم الخارجي، لكن العقل المدبر الحقيقي من ورائه لم يكن سوى ليبور. كانت بساطته مجرد عرض تمثيلي، فقد كان أغنى رجل في العالم، وجنى ثروته عبر استنزاف بروبرا وتجارة الرقيق.
وبما أن أحداً لم يستطع إدانته قانونياً، فقد كان هناك شخص ثري ما من مكان ما يدفع لمايكل ليتخلص منه. أما بالنسبة لمايكل، فقد كان يتقاضى أجراً للتخلص من قاذورات مثله نظير مبلغ مغرٍ قدره مليون دولار.
"التانغو الثاني، خذ موقعي، لدي استراحة لقضاء الحاجة"
أخرج دون جهاز الاتلاسلكي وقال ذلك.
"تلقيت الرسالة يا تانغو الأول، أنا في الطريق إليك"
تحدث أحدهم عبر جهاز الاتلاسلكي، لكن الجهاز كان مستقراً بالفعل داخل مزهرية الزهور.
لقد نفذ مايكل عمليات اغتيال أصعب بكثير من هذه، وبالمقارنة مع بعض عملياته السابقة، بدا الأمر له وكأنها نزهة سهلة. والسبب وراء نسبة نجاحه المثالية التي بلغت مئة بالمئة يعود إلى إعداده شديد الحرص. كان يقبل مهمة واحدة أو مهمتين فقط في العام الواحد، حيث كان يستغرق ستة أشهر على الأقل لإعداد وتخطيط اغتياله. لو امتلك القاتل المأجور العادي خطة أ و ب، فإن مايكل كان يمتلك خططاً تبدأ من الحرف أ وحتى حرف ي، وعادة ما كان يختار الخطة الأبسط بدلاً من المعقدة.
"سأصل إلى موقعي خلال مئة ثانية"
أبلغ مايكل وردية وفتح الباب المخصص للموظفين فقط.
"علم بذلك، لا توجد أي علامات لوجود أشخاص حول هذه المنطقة"
كان الحراس ورجال الأمن منشغلين بتفقد الممثلات الجميلات ولم يلاحظوه على الإطلاق.
كانت غرفة الموظفين مخصصة فقط لرجال الأمن للاحتفاظ بممتلكاتهم في الخزائن وتغيير ملابسهم بعد انتهاء العمل.
"الخزانة الخامسة"
كان هناك صف من خزائن الصالة الرياضية أمامه، فنظر إلى الخزانة الخامسة من اليمين وتجه نحوها.
"أهي موجودة هناك؟"
دوى صوت وردية الفضولي في أذنيه.
"لا"
لم يفتح مايكل الخزانة، بل قفز فوقها ودفع السقف المتحرك فوقه فانفتح مثل الباب.
وحده المهندس الذي صمم هذا الفندق ذو الخجوم النجوم وعدد قليل من العمال علموا بهذا الأمر، إلى أن قام مايكل باختراق حاسوبه وسرقة المخططات الأصلية أثناء زيارة المهندس إلى تاهيتي برفقة عائلته. ولم يكن لدى المهندس أدنى فكرة بأن مايكل هو من تلاعب ببيانات وكالة السفر واختاره لبرنامج الرحلات المجانية إلى تاهيتي.
"تباً، أرجو ألا تكون هذه الجرذان قد أكلتها"
تسلق مايكل السقف وأغلق المدخل لكنه عبس عندما رأى الجرذان تركض عبر فتحة التهوية أمامه.
"أكلت ماذا؟"
"سأخبرك لاحقاً، كيف تسير مسيرة الاستقبال؟"
همس مايكل وهو يزحف عبر فتحة التهوية دون إصدار أي صوت.
"إنهم يعبرون الشارع الخامس الآن، خمس دقائق ويفصلهم عن الوصول إلى موقعك"
"علم، سأصمت لاسلكياً، أراك في المهمة القادمة"
"كل هذه الثقة هاه؟ حسناً إذاً، أراك لاحقاً يا شبح"
فصلت وردية الخط بينما ضبط مايكل مؤقتاً مدته ثلاث دقائق في ساعته.
وبعد الزحف عبر فتحة التهوية لمدة دقيقة واحدة بالضبط، رأى مايكل الحقيبة السوداء المألوفة التي تركها في فتحة التهوية قبل ثلاثة أشهر.
وعندما وصل إلى الحقيبة السوداء، نفض الغبار عنها وفتح سحابها ببطء ليكشف عن بندقية القنص كيل تك آر إف بي المجهزة بمنظار حراري. ومع ذلك، لم تكن بندقية القنص مصنوعة من المعدن أو الأجزاء العادية، بل صنعت هذه البندقية خصيصاً له باستخدام البلاستيك وحده، بحيث لا تتمكن الشركة الأمنية من رصدها عندما تفحص المكان بأجهزة كشف المعادن وكل شيء آخر.
وبما أنها صُنعت من البلاستيك، فإن البندقية لم تكن قادرة سوى على إطلاق رصاصة واحدة فقط، لأن الحرارة الناتجة عن إطلاق الرصاصة ستصهر البندقية وتتلفها وتجعلها عديمة الفائدة.
أما الرصاصة فقد صُنعت من نوع خاص من البلاستيك قادر على اختراق الفولاذ دون إصدار أي صوت. وقد كلفته هذه البندقية مع الرصاصة وحدها مئتي ألف.
وإلى جانب التكلفة، امتلك فرصة واحدة فقط للقضاء على ليبور، وإذا أخطأ التسديد فلن تتكرر فرصة كهذه أبداً وستتلطخ سمعته.
"أربع دقائق أخرى"
شغل مايكل المنظار الحراري ووجهه نحو وسط القاعة حيث كان من المقرر أن يبدأ ليبور خطابه.
"لتخيا أمة بروبرا الحرة"
سمع مايكل صوت ليبور عبر مكبرات الصوت في القاعة ووجه تقاطع تسديده نحو رأس الشكل الأحمر في منظاره الحراري.
"دِدل، دِدل، نحن صغار جداً"
وفي اللحظة التي تلفظ فيها بكلمة صغير، ضغط على الزناد، ودوى صوت يشبه انفجار بطيخة في أنحاء القاعة.
ومع ذلك، وقبل أن يتمكن حتى من إبداء ابتسامة فخور بعد إصابته الممتازة في مقتل، تحول عالمه بأسره حوله إلى اللون الأبيض وسمع صوت رنين مفاجئ في رأسه.
"رنين، تم تفعيل نظام الشاق"