كل شيء كان ثابتًا، مألوفًا، غير أن شيئًا صغيرًا زاغ عن موضعه، فاختل العالم كله، ولم يلحظ ذلك أحد سوى بياتريكس.
—
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
سحب غائمة تتهادى في العلو، وأشرطة زاهية تنساب مع النسيم، وأصوات متقاطعة من ضجيج وضحكات وموسيقى تُبث في أرجاء المدرسة.
دفء غامض لجّ في عروقها، أحست بقلبها يخفق بعنف ولطف، يضخ الدماء والسرور وشيئًا من حنين مجهول.
ضحكت بلا سبب تعرفه، وشاركتها رين الضحك والإرتباك، ثم أمسكت بيدها وسحبتها بحماس.
تجولتا بين الزوايا، من لعبة إلى أخرى، ومن تحدٍ لآخر، ثم إلى مسرح صغير، فإلى كشك الرسم المزدحم بالأوراق الملونة والأنامل الصغيرة الملطخة.
كما تنساب الرمال من بين الأصابع، مرت الساعات كأنها دقائق.
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
أكمام الفساتين الصغيرة تتطاير، وخيوط شمس المغيب بلون العسل تخترق السحب الغائمة، فيما الموسيقى تخفت شيئًا فشيئًا.
رفعت بياتريكس يدها لتلامس الضوء، فشعرت بحرارة لطيفة على أطراف أصابعها، ثم رفعت بصرها، ورأت من بعيد رين تلوح بعصيرين، بشعرها القصير المرفرف، آخر أثر للضوء يلامسها.
فرفعت يدها بالمثل، مبتسمتين، اقتربتا والضوء يبهت شيئًا فشيئًا، حتى انطفأت الموسيقى.
—
—
قريبًا، ستمسي السنة ذكريات ثمينة أخرى مع رفيقتي رين.
مؤخرًا، حُلّ التنمر عن بياتريكس أخيرًا، سعدت كثيرًا لأجلها، لكن عند سماع رين تقول إن بياتريكس ستنضم لنا، لحلقتنا الثمينة التي لم تدخلها من قبل، شعرت بانقباض خانق.
لكني في النهاية لم أبُد أي اعتراض. رين لم تخطئ، فبينما كانت تمد يدها لبياتريكس دون اهتمام، سعيت باستمرار لمصلحتي بأنانية: أن أسعد بما تسعد به، وأن أبتعد عما يزعجها. هذا هو واجبي كرفيقة رين.
—
شهد الفصل تغيرًا كبيرًا، بياتريكس، كالنبع الذي استرد عافيته بعد جفاف طويل، عادت مشرقة وأكثر مما كانت عليه. وهذا حدث سعيد، عدا أن بياتريكس، لسبب ما، بدأت تتشبث برين كثيرًا.
ذراعها لا تفارق ذراع رين أبدًا، وهي دائمًا بقربها، حتى عندما تذهب رين للمرحاض، تتبعها دون خجل أو أي اهتمام بالأنظار.
ولسبب غريب آخر، هي أيضًا تطيع كل كلمات رين. فعندما أخبرتها رين أن هذا النوع من التشبث المفرط خطأ، ابتعدت عنها بهدوء، حتى مع نظراتها غير الراغبة ولمساتها. مسحت رين على رأسها وشرحت لها متى يمكنها التشبث بها، واستَمعت بياتريكس بعناية.
قلت لها بالفعل إن رين ستنزعج، لكنها اكتفت بالرد بابتسامة مهذبة، وكأنها لا تفهم رين حقًا، وهذا أشعرني بإحباط شديد.
—
كما ظننت، بياتريكس حقًا لم تهتم بشأني، هي تحافظ على نفس الابتسامة المهذبة، ونفس الجو الودي تجاه الجميع، لكنني لاحظت القناع الخفي الذي تخلعه فقط أمام رين لتظهر حقيقتها. أرى الفرق بوضوح، محال أن أخطئ.
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
—
أخذت بياتريكس مكاني كرفيقة رين المفضلة، وكان واضحًا.
ولشدة إحباطي، أول شيء فكرت فيه لم يكن إيجاد حل لمشكلتي، بل كيف أن الوضع ليس منطقيًا. فأنا، على عكس رين وبياتريكس، لازلت تلك الفتاة الخجولة، لا أملك شيئًا يثير الإعجاب، لا براعة في الرياضة، ولا تفوقًا في الدراسة، وصوتي بالكاد يُسمع.
مثاليتان، بلون الأصفر والبني، كأشجار الخريف بأوراقها، أما هي، أسود كالمرض.
من الطبيعي أن تشعر رين بأنها أقرب لبياتريكس مني، وكأنها هي التي انضمت لتوها للمجموعة.
لكن… أنا، رين صديقتي الأولى، ألم يكن يجب علي أن أحافظ عليها؟ هذا غير عادل.
—
تراءى لي الكرنفال كآخر أحداث الفصل.
نزَلت علي حمى شديدة فلم أقدر على الذهاب.
—
لو اختفت بياتريكس، فقط اختفت، ستعود الأمور كما كانت… أليس كذلك؟
—
كان حادثا غريباً..
تذكرت بياتريكس كيف التفتت لآن التي تتصرف وكأن شيئا لم يحدث بعد مضايقتها لأيام.. في البداية حاولت بياتريكس أن تصبر، أن تُقنع نفسها بأن الأمر لا يستحقّ، لكن حين بلغ الألم حدّه، لجأت لرين، لم تكن تريد للمشكلة أن تتضخّم..
فواجهتاها بهدوء، سألتها رين، عمّ إذا كان ما قالته بياتريكس حقيقة، ولم تجب آن، ألحت عليها رين، فبكت آن..
تصلّبت بياتريكس، كادت أن تنقض عليها، فهي ليست فقط تضايقها، بل تلعب كذلك دور الضحية المظلومة..
حنّت رين على آن، فهدّأتها، وأخبرتها أن ما تفعله خطأ، فأومأت الأخيرة، واعتذرت لبياتريكس..
محت بياتريكس الحدث الغريب من ذاكرتها، لكنها تذكرت، بعد أن كانت تمشي في الساحة، حين طارت فجأة في الهواء للأمام، ثم ارتطام،
ألمٌ شديد حلّ بكفّيها وركبتيها، وخطٌّ دافئ من الدم سال على جبينها..
رفعت رأسها ببطء، التقطت أنفاسها المتقطّعة،
ثم التفتت خلفها إلى "آن" الواقفة بأيدي مرفوعة..
______
جلست بياتريكس، تنظر بغضب نحو آن التي بدت مذهولة، كأنها لا تدرك ما فعلته.
نهضت بياتريكس دفعة واحدة، تغلّب الغضب على الألم، وخطت نحو آن، فتراجعت الأخيرة خطوة، ثم أخرى، قبل أن تدير ظهرها وتهرع، ركضت بياتريكس خلفها، وأمسكت بشعرها بقوة، فتهاوت آن أرضًا.
جلست بياتريكس فوقها، تثبت كفيها على يدي آن، وأعينها تقدح شررًا، صاحت بغضب:
"ما خطبك؟! لم تستمرين بإيذائي؟!"
حاولت آن دفعها، تتخبط بارتباك، لكن بياتريكس شدّت قبضتها أكثر وكررت السؤال:
"أجيبي..!"
ارتعدت آن، ذرفت الدموع، ولامت:
"كله بسببك… رين لم تعد تنظر إليّ، سرقتها مني..!"
حيرة ودهشة صدمتا بياتريكس، ارتخت يدها، ونهضت من فوق آن.
حينها تنبهتا للحشد حولهما، مجموعة فتيات متجمهرات، وجوههن مذهولة، وهن يتهامسن بخوف، تناهى صوت خطوات مسرعة، ثم ارتفع صوت مألوف:
"بياتريكس!"
اقتربت رين، وذهبت نحو بياتريكس.
"لماذا… حتى الآن، أول من فكرت بها هي بياتريكس… دائمًا بياتريكس."
اختلط بكاء آن مع صرخات غضبها:
"أنا أكرهك…"
"كفى!!" صرخت رين.
لكن آن واصلت:
"لماذا هي؟ أنا عرفتك أولًا، بقيت معك أطول!"
نظرت رين لآن طويلاً، تنفست بعمق ثم قالت بصوت جاف:
"حسنًا… نحن لم نعد صديقتين."
حولت كلمات قليلة حالة آن من الغضب إلى هدوء، ثم إلى بكاء هستيري:
"أنا آسفة، أنا آسفة، سامحيني رين… لا تتركيني، أنا راضية بأن أكون حلقة ثالثة…"
اقتربت معلمة مذعورة، أمسكت بياتريكس التي كانت تخفض رأسها بصمت خانق، بينما تولّت أخرى آن التي كانت تترجى وتصرخ بين شهقاتها:
"رين! رين! انظري إليّ! رين!"
لكن رين لم تلتفت.
—
يوم دراسي جديد.
جلست بياتريكس في مقعدها، تتأمل رين التي كانت تنظر إلى بقعة ما بنظرة غائمة.
منذ تلك المجادلة في الإدارة، التي انتهت بفصل آن لأسبوع، تغيّرت رين.
في البداية، حاولت التظاهر بأن شيئًا لم يحدث، كانت تبتسم وتطلق النكات نفسها، لكنها كانت تضحك بلا فرح، ثم شيئًا فشيئًا بهتت، وصارت لا تهتم بشيء.
اليوم هو اليوم الذي من المفترض أن تعود فيه آن…
آه…
على الأرجح ستعتذر رين، وستعود هي وآن كما كانتا، وستتخلصان منها… ربما هذا للأفضل.
المكان لم يكن لها منذ البداية.
دخلت بينهما صدفةً أو خطأً. أغمضت عينيها لحظة، كم كانت غافلة… كان واضحًا كل شيء، لكنها لم ترغب في رؤيته، انغمست في سعادتها حتى العمى، ولم تفكر ولو لمرة أن تلك السعادة ربما تحوّل قلبًا آخر إلى رماد.
دخلت المعلمة كعادتها، وعمّ الصمت مع دخولها.
لم تنتظر أحدًا ليسأل، وقالت برتابة:
"نظرًا لانتقالها، لن تحضر آن بعد الآن."
مرت لحظة صمت طويلة، ظلّت رين فيها ساكنة، تنظر إلى تلك البقعة نفسها. أما بياتريكس، شعرت بأن الهواء في الصف أصبح أثقل من أن يُستنشَق