غريمغار: الرماد والأوهام الفصل 5 — غريمغار: الرماد والأوهام 1

اقرأ غريمغار: الرماد والأوهام الفصل 5 — غريمغار: الرماد والأوهام 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

المجلد الأول :الفصل الأول : دون أن يعرف أي شي (الجزء الأول)

كانت هناك مناطق تصطف فيها المباني الحجرية على جانبي الشوارع، وأخرى لا تضم سوى بيوت خشبية. وكان الطريق المرصوف بالحجارة كثير الالتواءات حتى يصعب معرفة إلى أين يقود.

على جانبي الطريق الواسع جرت مجارٍ ضيقة تتدفق فيها مياه موحلة، لكنها لم تكن غزيرة. ومن حين لآخر، كانت رائحة كريهة، أشبه برائحة الفضلات البشرية، تملأ الأنوف، إلا أنهم بعد فترة من السير اعتادوا عليها حتى كأنها اختفت.

قادت هِيومو المجموعة المكونة من اثني عشر شخصًا إلى المدينة التي كانوا قد رأوها من أعلى التل.

وبحسب قولها، كان اسم المدينة ألتانا.

ورغم أن الوقت ما زال مبكرًا من الصباح، فقد مروا بعدد كبير من السكان، كما هو متوقع في مدينة كبيرة.

كان الأهالي يحدقون في الوافدين الجدد كما لو أنهم حيوانات نادرة.

لكن الأمر كان متبادلًا.

فملابس سكان المدينة بدت غريبة للغاية بالنسبة لهم أيضًا؛ كانت بسيطة جدًا، خالية تقريبًا من الزينة، وأشد تواضعًا من الملابس التي كانوا يرتدونها.

قال كيكاوا، بابتسامته المعتادة:

"أليس هذا المكان… بلدًا أجنبيًا أو شيء من هذا القبيل؟"

مال صاحب الشعر الأشعث رأسه وقال:

"آه… بلد أجنبي… لحظة، من أي بلد أنا أصلًا؟"

ساد الصمت للحظة.

"…غريب."

ثم أضاف وهو يقطب حاجبيه:

"لا أتذكر."

"حتى عنوان منزلي لا أعرفه…"

"لماذا؟"

قال صاحب الشعر الفضي بصوت منخفض:

"ألم تلاحظوا بعد؟"

ثم أردف:

"الشيء الوحيد الذي يعود إليّ هو اسمي."

توقفت كلماتُه في ذهن هاروهيرو.

"يعود إليّ."

لم يقل: أتذكره.

وكأن الذكريات لا تزال موجودة في مكان ما، لكنه كلما حاول الإمساك بها، أفلتت منه قبل أن تصل إليه.

تمامًا كما يحدث معه.

قال صاحب الشعر الأشعث وهو يضرب صدره بإبهامه:

"اسمي رانتا."

ثم حك رأسه بتوتر.

"لكن… لا أتذكر أي شيء آخر."

"هل فقدت ذاكرتي؟"

"بجدية؟"

كانت طريقته في الكلام تشبه المهرج الذي يؤدي دور الأحمق في عرض كوميدي.

فقال هاروهيرو، دون قصد:

"إذا قلتها بهذه الطريقة… فربما… لديك فقدان ذاكرة… أو شيء من هذا القبيل…"

تنهد رانتا.

"اسمع .إذا كنت ستلعب دور العاقل، فافعلها كما ينبغي."

"قل جملتك بثقة."

"إذا قلتها بهذه الطريقة المترددة، سأبدو أنا أقل غباءً، ولن يضحك أحد."

ثم لوح بيده.

"لا بأس."

"سأتغاضى عنها هذه المرة."

ثم أشار إليه.

"وأنت؟ ما اسمك؟"

ارتبك هاروهيرو.

"…اسمي…"

بحث داخل ذاكرته.

"…هاروهيرو."

ثم قال بتردد:

"أظن."

سقط رانتا أرضًا بحركة مسرحية مبالغ فيها.

"أظن؟!"

"لا تقل لي إنك لا تعرف حتى اسمك!"

"ألم نتحدث عن هذا للتو؟!"

"كل الموضوع أننا لا نتذكر سوى أسمائنا!"

يا لهذا المزعج…

فكر هاروهيرو وهو ينظر إلى صاحب الشعر الفضي الذي كان يسير خلف هِيومو.

ما اسمه يا ترى؟

أراد أن يسأله…

لكنه لم يجرؤ.

لذلك التفت إلى الشاب ذي الشعر الناعم الحريري الذي كان يسير بجواره.

"وأنت؟"

ابتسم الشاب ابتسامة هادئة.

بدا شخصًا متزنًا بصورة لافتة.

"أنا ماناتو."

ثم أضاف بلطف:

"من حسن الحظ أننا جميعًا في العمر نفسه."

"وإلا لاضطررنا إلى استخدام ألقاب الاحترام طوال الوقت."

ضحك هاروهيرو بخفة.

"صحيح…"

"سيكون من الغريب أن أناديك: السيد ماناتو."

ابتسم ماناتو.

"بالضبط."

ورد هاروهيرو الابتسامة تلقائيًا.

إنه يبدو شخصًا طيبًا…

وشخصًا يمكن الوثوق به.

أما رانتا…

فكان مصدر إزعاج متواصل.

وصاحب الشعر الفضي…

لم يزل يثير في نفسه رهبة جعلته يتردد في سؤاله حتى عن اسمه.

أما الفتى ذو الشعر القصير، فكان يبدو عدائيًا منذ النظرة الأولى.

والفتاة ذات الملابس البراقة…

بدت وكأنها تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا.

أما صاحب النظارات، فكان يبدو سهل الحديث، لكن لسبب ما، لم يستطع هاروهيرو أن يبدأ معه أي حديث.

تبقى ثلاث فتيات.

صاحبة الضفيرتين.

والفتاة الخجولة.

والفتاة الصغيرة جدًا.

كانت الفتاة الخجولة أقربهن إليه.

وكان يريد التحدث معها منذ فترة.

ربما يبدأ بسؤالها عن اسمها.

فتح فمه…

لكن التوتر تسلل إليه.

سعل سعالًا خفيفًا.

"عفوًا…"

انتفضت الفتاة قليلًا.

"…نـ… نعم؟"

قال مرتبكًا:

"في الحقيقة… ليس هناك شيء مهم… أعني… لا أقصد التطفل أو…"

وفجأة قاطعه كيكاوا بصوت مرتفع وهو يتخذ وضعية غريبة:

"اسمي كيكاوااا!"

ثم فتح ذراعيه بحماس.

"انسوا الأولاد!"

"لنبدأ بالتعارف مع الفتيات أولًا!"

"هيا! لنتعرف عليهن دفعة واحدة!"

أمالت صاحبة الضفيرتين رأسها وقالت بهدوء:

"أو… لا."

تجمد كيكاوا مكانه.

ثم تهدلت كتفاه في هزيمة مذلة.

شعر هاروهيرو أن كيكاوا نال ما يستحقه، لكن بفضله استطاع هو أيضًا أن يستعيد شيئًا من هدوئه.

التفت إلى الفتاة الخجولة وسألها بأقصر عبارة استطاع إخراجها:

"ما اسمك؟"

ثم أضاف بسرعة:

"أعني… سيكون من الأسهل أن أتحدث معك إذا عرفته."

"أسهل من ألا أعرفه، على الأقل."

خفضت الفتاة نظرها إلى الأرض.

وبينما كانت تشد غرتها بقوة، وكأنها تحاول إخفاء وجهها خلف شعرها، تمتمت:

"…أم…"

كانت ملامحها متواضعة وبسيطة، لكن وجهها امتلك براءة لطيفة للغاية.

لم يكن هناك ما يستحق أن تخفيه.

قالت بصوت خافت:

"…اسمي… شيهورو."

"اسمي الأول… على الأرجح."

ثم انحنت قليلًا.

"آسفة…"

ابتسم هاروهيرو برفق.

"لا داعي للاعتذار."

ازدادت ارتباكًا.

"آسفة… إنها عادة سيئة."

"سأحاول الانتباه أكثر."

كانت ترتجف كما لو أنها ظبي صغير وُلد للتو.

راقبها هاروهيرو بقلق.

هل ستكون بخير حقًا؟

كانت من النوع الذي يجعلك ترغب في حمايته غريزيًا.

التفت بعدها إلى الرجل العملاق الهادئ.

"أنت طويل جدًا."

"كم يبلغ طولك؟"

رمش العملاق بعينيه ببطء، وكأنه احتاج إلى وقت ليستوعب السؤال.

"طولي؟"

"…مئة وخمسة وسبعون سنتيمترًا."

قفز رانتا فورًا.

"ماذا؟!"

"يعني هذا أن طولي… مئة وسبعون فقط؟!"

هز العملاق رأسه.

"لا… أظنني أخطأت."

"ربما… مئة وخمسة وثمانون تقريبًا."

ثم قال:

"اسمي موغزو…"

"…على الأغلب."

صرخ رانتا وهو يطعن ذراع موغزو بإصبعه:

"أعطني خمسة عشر سنتيمترًا حالًا!"

"إذا أخذتها منك سأصبح بطول مئة وخمسة وثمانين، وأنت ستصبح مئة وسبعين!"

"سنتبادل الأماكن!"

"أليس هذا رائعًا؟!"

ابتسم موغزو ابتسامة معتذرة.

"لو استطعت… لفعلت."

تنهد هاروهيرو.

مرة أخرى، استولى رانتا على الحديث بالكامل.

فقال:

"على فكرة… أنت لست بطول مئة وسبعين."

"بل أقرب إلى مئة وثمانية وستين."

استدار رانتا نحوه بعينين متسعتين.

"اصمت!"

"وما المشكلة في ذلك؟!"

"أنت بطولي تقريبًا!"

ابتسم هاروهيرو ابتسامة ساخرة.

"أنا أطول منك بقليل."

صرخ رانتا:

"يا لك من حقير!"

"هل تميز بين الناس بسبب سنتيمترين فقط؟!"

رد هاروهيرو:

"وأنت طفل مزعج بحق."

اقترب رانتا منه واضعًا يده خلف أذنه.

"هاه؟"

"لم أسمع."

"ماذا قلت؟"

"لا شيء."

"كاذب!"

"لقد شتمتني للتو!"

"قلت عني: أيها الشيطان المنحرف المجعد!"

"أذناي الشيطانيتان لا تخطئان!"

"سمعتك جيدًا!"

تنهد هاروهيرو.

"لم أقل شيئًا من هذا."

أشار رانتا إلى شعره.

"وأيضًا…"

"قلت إن شعري مجعد!هذه الكلمة ممنوعة لا يحق لأحد استخدامها!"

"قلت لك إنني لم أقلها.لا تضع كلمات في فمي."

"بل قلتها!"

"أذناي تسمعان أكثر مما ينبغي!"

"اسمع هذا جيدًا!"

"لن أسامح أي شخص يناديني بـ(المجعد)!"

"عقوبة من يفعل ذلك…"

"…الإعدام!"

عندها استدار صاحب الشعر الفضي لأول مرة.

وقال ببرود:

"أيها المجعد."

"…أنت تثير الضجيج."

"اصمت."

تجمد رانتا فورًا.

"…حاضر."

ثم انكمش على نفسه.

"أعتذر."

"سأتوقف عن الكلام."

نظر إليه هاروهيرو باستغراب.

"ألم تقل إنك ستعدم كل من يناديك بالمجعد؟"

همس رانتا:

"أيها الأحمق."

"أنا رجل يعرف متى يتكلم ومتى يصمت."

"لهذا يسمونني…"

"سيد الاختيار."

"وسأصبح يومًا…"

"…ملك القرارات!"

ضحك هاروهيرو.

"حسنًا."

"أتمنى لك التوفيق يا ملك القرارات."

لوح رانتا بيده معترضًا.

"ليس ملك القرارات…"

"بل ملك القرار!"

"وعندما أصبح ملكًا سأريك…"

قاطعه الصوت البارد مرة أخرى.

"أيها المجعد."

استدار صاحب الشعر الفضي إليه.

"اصمت."

وفي اللحظة نفسها…

هوى رانتا على ركبتيه.

ووضع جبهته على الطريق الحجري.

"أرجوك سامحني!"

"أنا آسف جدًا!"

"أرجوك!"

قال هاروهيرو وهو ينظر إليه:

"بدلًا من أن تصبح ملك القرار…"

"…لماذا لا تصبح ملك السجود؟"

رفع رانتا رأسه مذعورًا.

"ملك السجود؟!"

"مستحيل!"

"حتى لو كنت بارعًا فيه…"

"…فهذا لقب غير رائع إطلاقًا!"

قال صاحب الشعر الفضي، وقد ازدادت نبرته برودة:

"أيها المجعد."

"هذه هي المرة الثالثة."

دون تردد…

عاد رانتا إلى السجود من جديد، حتى التصقت جبهته بالأرض.

"أعتذر!"

"أعتذر بشدة!"

"أرجوكم سامحوني…"

فكر هاروهيرو في نفسه:

بل أنت بالفعل ملك السجود.

لكنه فضل الاحتفاظ بالفكرة لنفسه.

فلو نطق بها…

لوجد رانتا ردًا جديدًا، ولما انتهى هذا الحوار أبدًا.

وهكذا…

تابعت المجموعة سيرها في صمت، حتى توقفت هِيومو أخيرًا أمام مبنى حجري مكوّن من طابقين.

كان يعلو المبنى علمٌ أبيض تتوسطه هلالة حمراء، بينما حملت اللافتة المثبتة عند المدخل الرمز نفسه.

كُتبت عليها عبارة بدت غريبة للوهلة الأولى:

لكن عندما دقق هاروهيرو النظر، لاحظ أن بعض الحروف قد تلاشت، بينما سقط بعضها الآخر، مما جعل الكلمات ناقصة.

صفقت هِيومو بكفيها بحماس.

"تا دااا!"

ثم أشارت إلى اللافتة.

"لقد وصلنا أخيرًا!"

"هذا هو المكان الشهير!"

"مقر قوة الاحتياط التابعة لجيش حدود ألتانا – القمر القرمزي!"

تمتم هاروهيرو وهو يعيد قراءة اللافتة:

"القمر القرمزي…"

وبمجرد أن تخيل الحروف المفقودة في أماكنها، أصبحت العبارة واضحة:

قوة الاحتياط التابعة لجيش حدود ألتانا – القمر القرمزي.

ابتسمت هِيومو وقالت:

"هيا، ادخلوا!"

دخل الجميع خلفها.

كان الداخل يشبه حانةً أكثر من كونه مقرًا عسكريًا.

قاعة واسعة تضم طاولات وكراسٍ عديدة، وفي آخرها منضدة تقديم طويلة.

وخلف المنضدة وقف رجل يعقد ذراعيه أمام صدره.

لم يكن هناك أي شخص آخر.

انحنت هِيومو له باحترام.

"بريييي!"

"هل تتكرم بشرح الأمور لهم كعادتك؟"

أجاب الرجل باقتضاب، ولوّح بيده وكأنه يصرفها.

"حسنًا."

كانت بطنه الكبيرة تهتز مع حركة يده.

قفزت هِيومو مبتسمة.

"إذن أستودعكم!"

"إلى اللقاء!"

خرجت من الباب، وما إن أغلق خلفها حتى تغير جو الغرفة بالكامل.

ساد صمت ثقيل.

شعر الجميع بالتوتر.

لم يكن السبب المكان…

بل الرجل الواقف خلف المنضدة.

كان يراقبهم كما لو كان يفحص بضاعةً جديدة.

بل لم يكن الأمر مجرد شعور…

لقد كان ينظر إليهم بهذه الطريقة فعلًا.

انحنى الرجل إلى الأمام، وأسند مرفقيه فوق المنضدة، ثم شبك أصابعه ووضع ذقنه فوقهما.

عندها لاحظ هاروهيرو شيئًا.

كانت ذقنه مشقوقة.

لكن…

ذلك لم يكن أغرب ما فيه.

شعره… كان أخضر.

أما شفاهه…

فبدت مطليةً بالأسود.

وحاجباه الكثيفان الطويلان أحاطا بعينين زرقاوين صافيتين بلون السماء.

وكان وجهه مغطى بطبقة كثيفة من مساحيق التجميل، بينما غطى أحمر خدودٍ صارخ وجنتيه.

ومع ذلك…

مهما نظر إليه هاروهيرو…

فهو بلا شك…

رجل.

أومأ الرجل برأسه.

"هممم…"

"ممتاز جدًا."

ثم اعتدل في وقفته وقال:

"مرحبًا بكم… أيها القطط الصغيرة."

"اسمي بريتاني."

"أنا القائد، أو إن شئتم…"

"…الزعيم."

"المسؤول عن قوة الاحتياط التابعة لجيش حدود ألتانا."

"القمر القرمزي."

ثم ابتسم ابتسامة غريبة.

"يمكنكم مناداتي بـ(القائد)… أو (بري)."

"لكن أيًا كان الاسم الذي ستختارونه…"

"…فنادوني به بحنان."

"كما ينادي الطفل أمه."

"اتفقنا؟"

تقدم صاحب الشعر الفضي مباشرة إلى المنضدة.

ثم قال دون تردد:

"أيها القائد."

"أجبني."

"فهمت أن اسم هذه المدينة ألتانا."

"لكن ما هو جيش الحدود؟"

"وما هي قوة الاحتياط؟"

"ولماذا نحن هنا؟"

"أنت تعرف الإجابة… أليس كذلك؟"

ضحك بري بخفة.

"تعجبني جرأتك."

"أحب أمثالك."

ثم سأله:

"ما اسمك؟"

أجاب بلا تردد:

"رينجي."

ثم أضاف ببرود:

"ولا أحب الشواذ أمثالك."

ساد الصمت.

ولم يستوعب هاروهيرو ما حدث بعد ذلك.

كانت حركة بري…

سريعة إلى درجة لم تستطع عيناه ملاحقتها.

بل بدت طبيعية تمامًا.

وفي اللحظة التالية…

كان نصل خنجرٍ يلامس أسفل ذقن رينجي مباشرة.

قال بري وعيناه تضيقان:

"رينجي…"

"دعني أقدم لك نصيحة."

"كل من وصفني بالشاذ…"

"…لم يعش طويلًا بعد ذلك."

"ويبدو أنك فتى ذكي."

"لذلك لا بد أنك تفهم ما أعنيه."

اقترب أكثر.

"هل تنوي الاستمرار؟"

أجاب رينجي بهدوء:

"حقًا؟"

ثم…

أمسك نصل الخنجر بيده العارية.

ضغط عليه بقوة حتى ثبت في مكانه.

وفي الحال اندفع الدم بغزارة من راحة يده، حيث شق النصل اللحم أسفل إبهامه.

قال دون أن يرمش:

"لم أخطط يومًا لأعيش حياة طويلة."

"كما أنني لا أتراجع أمام التهديد."

"إذا كنت تريد قتلي…"

"…فاقتلني."

"أيها القائد الشاذ."

لعق بري شفتيه المطليتين بالسواد ببطء، ثم مرر أصابعه برفق على خد رينجي.

وقال بابتسامة مريبة:

"في يومٍ ما…"

"…سأهتم بك كما ينبغي."

"مرةً بعد مرة."

"بطريقة… لن تنساها ما حييت."

اقترب رانتا من هاروهيرو وهمس:

"كما تعلم…"

"عندما يقول: سأهتم بك…"

"…فهو لا يقصد المعنى المعتاد على الأرجح."

"على الأغلب."

مالت الفتاة ذات الضفيرتين رأسها وسألت ببراءة:

"وماذا يقصد إذن؟"

ارتبك رانتا فجأة.

"أم… أقصد…"

"يعني… سيُدخل شيئًا في مكانٍ لا يُفترض أن يُدخله فيه."

ثم أخذ يلوح بيديه محاولًا الشرح.

"كما تعرفين… المكان الذي… يخرج منه عادةً."

ثم التفت إلى هاروهيرو طالبًا النجدة.

"أليس كذلك يا هاروهيرو؟"

أشاح هاروهيرو بنظره عنه.

"لا تُدخلني في هذا."

"أنت من بدأ هذا الحديث، فتحمّل مسؤوليته."

نفخ رانتا خديه بضيق.

"يا لك من بارد."

"هل أنت انطوائي أم ماذا؟"

"مهاراتك الاجتماعية تحت الصفر."

في تلك اللحظة، اندفع كيكاوا بين رينجي وبري رافعًا يديه.

"مهلًا، مهلًا!"

"ألستما قد التقيتما للتو؟"

"لا داعي للشجار بسبب سوء فهم!"

"فلنتسامح جميعًا وننسَ الأمر!"

"كونوا سعداء وتعايشوا بسلام!"

ثم ابتسم ابتسامة عريضة.

"من أجلي!"

نظر إليه رينجي بازدراء.

"من أجلك؟"

ومع ذلك…

أفلت الخنجر.

وفي المقابل، سحب بري خنجره، ثم أخذ يمسح الدم العالق على نصله بقطعة قماش.

وقال وهو يتنهد:

"لا يخلو أي فوج جديد من بضعة متهورين."

ثم نظر إليهم جميعًا.

"ثمانية فتيان…"

"…وأربع فتيات."

"عدد الفتيات قليل بعض الشيء."

"لكنني أفضل ذلك."

"فالرجال، في العادة، أصلح للقتال."

قطب ماناتو حاجبيه.

"القتال؟"

ابتسم بري ابتسامة خفيفة أثارت قشعريرة هاروهيرو.

"نعم."

"القتال."

قال ماناتو بعد لحظة من التفكير:

"إذًا…"

"بما أن هذا مقر قوة الاحتياط…"

"…فنحن سنصبح جنودًا متطوعين؟"

صفق بري ببطء.

"ممتاز."

"أنت أيضًا تبدو واعدًا."

"بالضبط."

"يمكنكم جميعًا أن تصبحوا جنودًا متطوعين."

ثم رفع إصبعه.

"لكن…"

"لديكم حرية الرفض."

ربت هاروهيرو على ظهر رانتا.

"يا سيد الاختيار."

"حان دورك."

رمش رانتا.

"هاه؟"

"آه…"

"صحيح."

"حان دوري…"

ابتسم بري وهو يشير إليهم جميعًا.

"الاختيار بأيديكم."

"إما أن تقبلوا عرضي…"

"…أو ترفضوه."

ثم تابع:

"وعرضي هو…"

"الانضمام إلى قوة الاحتياط التابعة لجيش حدود ألتانا – القمر القرمزي."

"في البداية ستكونون متدربين."

"أي ستتعلمون كيف تصبحون جنودًا قادرين على الاعتماد على أنفسهم."

رفعت الفتاة ذات الملابس البراقة يدها بتردد.

وقد بدا الخوف واضحًا على وجهها.

"وماذا يفعل أفراد قوة الاحتياط… تحديدًا؟"

أجاب بري وكأن الأمر بديهي.

"يقاتلون."

ثم لوح بيده بضجر.

"هنا، على الحدود…"

"…تعيش أجناس عديدة غير البشر."

"كما توجد كائنات كثيرة نسميها الوحوش."

"ومهمة جيش الحدود…"

"…قتل تلك الوحوش."

"…وحماية حدودنا."

ثم تنهد.

"لكن الحقيقة…"

"أن الأمر ليس سهلًا."

"فالجيش النظامي مشغول أصلًا بالحفاظ على ألتانا باعتبارها قاعدةً أمامية."

ثم ابتسم.

"ولهذا السبب…"

"…نحن موجودون."

رفع صاحب النظارات يده قليلًا، ثم عدّل نظارته.

"بمعنى آخر…"

"يبقى الجيش النظامي هنا لحماية المدينة."

"بينما تتولى قوة الاحتياط الخروج للقضاء على الوحوش وتقليل أعدادها."

"هل هذا صحيح؟"

ضم بري كفيه أمام صدره، ثم فتحهما بحركة متكلفة وكأنه زهرة تتفتح.

كان يحاول أن يبدو لطيفًا…

لكن المشهد كان أقرب إلى الرعب.

"يمكنك أن تقول ذلك."

"لكن في الحقيقة…"

"نحن جزء من الجيش النظامي."

"وحماية الحدود لا تعني الاكتفاء بالدفاع."

"بل نخرج أيضًا في حملات لمهاجمة أعدائنا في أوكارهم."

"غير أن العمليات الصغيرة كهذه…"

"…لا تناسب جيشًا ضخمًا."

"فتحريك جيش كامل يتطلب تخطيطًا وإمدادات وخطوط تموين."

"وهنا يأتي دورنا."

كان كيكاوا يومئ بحماس مبالغ فيه مع كل كلمة يقولها بري.

ثم سأل:

"وما الذي يميزنا إذن؟"

شبك بري أصابعه.

"قوة الاحتياط…"

"…سريعة الحركة."

"…وقابلة للتكيف."

"نستطلع."

"نتسلل."

"نهاجم."

"ثم ننسحب."

"نستنزف قوة العدو."

"وحتى عندما نتعاون مع الجيش النظامي…"

"…فإننا لا نقاتل بالطريقة نفسها."

ثم أكمل:

"نعمل في مجموعات صغيرة."

"من ثلاثة إلى ستة أفراد."

"وتعتمد كل مجموعة على ذكائها…"

"…وقدرتها على جمع المعلومات…"

"…وحسن تقديرها للموقف."

"هكذا نقاتل."

"وهذه هي طبيعة عمل القمر القرمزي."

حرّك رينجي أصابع يده اليمنى ببطء.

كان النزيف قد توقف تقريبًا.

ثم سأل بنبرة هادئة:

"وماذا لو رفضنا عرضك؟"

مال بري رأسه إلى الجانب، ثم أخذ يحرك وركيه بحركة ساخرة، حتى بدا من الصعب معرفة إن كان يمزح أم يهددهم.

ابتسم ابتسامة غامضة وقال:

"لا شيء."

"لقد قلتها من قبل."

"الخيار لكم."

"إن قررتم عدم الانضمام إلى القمر القرمزي…"

"…فاخرجوا من هنا."

"…ولا تعودوا أبدًا."

رفع رانتا يده فورًا.

"إذًا… أنا أرفض."

ومرر أصابعه بين شعره الأشعث.

"لا أفهم ما يجري حتى الآن، لكنني مسالم بطبعي."

أومأ بري ببساطة.

"حسنًا."

"إلى اللقاء."

"اعتنِ بنفسك."

تجمد رانتا في مكانه.

كان قد وصل تقريبًا إلى الباب، لكنه استدار بسرعة.

"هاه؟!"

"بهذه البساطة؟!"

"أنت قاسٍ مثل هاروهيرو!"

ثم رفع إصبعه.

"لحظة!"

"إذا خرجت الآن…"

"…فماذا سأفعل؟"

ضحك بري.

"ذلك ليس من مسؤوليتي."

"إذا لم ترغب في الانضمام إلى القمر القرمزي…"

"…فأنت حر."

ثم أشار إلى المنضدة.

"أما إذا التحقت متدربًا…"

"…فسأمنحك عشرة عملات فضية."

"تكفيك لتعيش في الوقت الحالي."

اتسعت عينا ماناتو.

"عملات فضية…؟"

ثم بدأ يفتش جيوبه.

"نسيت…"

"…النقود."

فتش هاروهيرو جيوبه أيضًا.

الأمامية…

ثم الخلفية.

لا شيء.

لم يكن يملك فلسًا واحدًا.

أطلق رانتا أنينًا طويلًا.

"إذًا…"

"…يجب أن أبحث عن عمل مؤقت."

"على الأقل مؤقتًا…"

رفع بري كتفيه بلا مبالاة.

"أتمنى لك التوفيق."

"لكن اعلم أن معظم الأعمال الأخرى…"

"…أصعب بكثير من الانضمام إلى قوة الاحتياط."

"وحتى إن وجد من يوظفك…"

"…فأجرك سيكون ضئيلًا للغاية."

"وفي الغالب…"

"…ستبدأ كخادمٍ ذليل لسيدك."

صفع كيكاوا جبهته.

"يا للهول."

"أنا سيئ جدًا في لعب دور الخادم."

ثم تنهد.

"أظن أنه لا مفر من أن أصبح متدربًا."

قال بري وهو يشير إليهم واحدًا تلو الآخر:

"قلت لكم."

"القرار قراركم."

تنهد رينجي طويلًا.

"إذًا أخبرني."

"بشكل عملي…"

"…ماذا علينا أن نفعل؟"

أظهر بري تعبيرًا خائبًا.

"رينجي…"

"لقد خيبت أملي."

"ألم تكن تستمع؟"

"ستقاتلون."

"معتمدين على ذكائكم…"

"…وقدرتكم على جمع المعلومات…"

"…وحسن تقديركم."

قطب رينجي حاجبيه.

"إذًا…"

"…حتى بصفتنا متدربين…"

"…علينا أن نكتشف بأنفسنا ما يجب علينا فعله؟"

أومأ بري.

"باختصار…"

"…نعم."

ثم بدأ يرتب فوق المنضدة اثنتي عشرة مجموعة.

كل مجموعة احتوت على:

قطعة نقدية حمراء.

وكيس جلدي صغير.

رفع إحدى القطع النقدية.

كان منقوشًا عليها هلال بارز.

وقال:

"ستكون هذه بمثابة بطاقة تعريفكم."

"ورمزًا يدل على أنكم متدربو القمر القرمزي."

ثم لوح بها أمامهم.

"إنها الدليل الوحيد على عضويتكم."

"لذا…"

"…لا تضيعوها."

ثم ابتسم.

"مع أن حملها معكم طوال الوقت ليس فكرة جيدة أيضًا."

وأعاد القطعة إلى مكانها.

"وعندما تجمعون عشرين عملة فضية…"

"…ستتمكنون من شراء عقد الخدمة."

"وعندها…"

"…ستصبحون أعضاءً كاملين في القمر القرمزي."

"…وتحصلون على جميع الحقوق والامتيازات."

رفع الفتى ذو الشعر القصير جدًا حاجبه باستياء.

"لحظة."

"هل تطلب منا…"

"…أن ندفع المال كي نصبح متطوعين؟"

ابتسم بري.

"نعم."

"وهل في ذلك مشكلة؟"

قطب الفتى حاجبيه.

"هذا غير مقبول."

اختفت الابتسامة من وجه بري.

"وهل تستطيع شراء الطعام…"

"…أو الملابس…"

"…أو أي شيء آخر…"

"…دون مال؟"

ثم قال ببرود:

"لا تتذمر من عملٍ يمنحك المال."

"وإن لم يعجبك…"

"…فاذهب ومت في أحد الحقول."

ابتسم رينجي ابتسامة ساخرة.

"حتى الجحيم…"

"…يحتاج إلى المال كي تعيش فيه، أليس كذلك؟"

مال بري رأسه باستغراب.

"الجحيم؟"

"لا أعرف هذه الكلمة."

"لكن…"

"…ربما."

ثم أكمل:

"في النهاية…"

"…أنتم من سيقرر ما ستفعلونه من الآن فصاعدًا."

"لكنني أنصحكم…"

"…أن تجعلوا شراء عقد القمر القرمزي أول أهدافكم."

قال رينجي وهو يلتقط قطعة القمر القرمزي الحمراء والكيس الجلدي:

"حسنًا."

"سأصبح متدربًا في قوة الاحتياط."

"وسأقرر ما سأفعله بعد ذلك."

تبعه مباشرةً الفتى ذو الشعر القصير (رون)، ثم صاحب النظارات، ثم ماناتو، ثم الفتاة ذات الملابس البراقة.

أما كيكاوا فقال وهو يلتقط حصته:

"وأنا أيضًا، شكرًا جزيلًا!"

ثم حاول مد يده لالتقاط كيسٍ ثانٍ.

صفعة!

ضرب بري يده بسرعة.

"واحد فقط."

لم يرَ هاروهيرو أي خيار آخر.

هل ينضم لأنه يريد أن يصبح جنديًا؟

لا.

بل لأنه يحتاج إلى المال.

ولأنه إن لم يفعل، فلن يعرف كيف سيعيش في هذا العالم.

ورغم ذلك…

ظل جزءٌ منه يشعر بالنفور من الأمر.

كانت شيهورو، ويومي، والفتاة الصغيرة جدًا مترددات.

وكذلك رانتا وموغزو.

وقعت عينا بري الزرقاوان عليهم.

"وأنتم؟"

تمتم رانتا:

"لدي شعور سيئ…"

"كأنني أسير طوعًا نحو فخ."

ومع ذلك…

تقدم إلى المنضدة.

وأثناء سيرها خلفه أخذت يومي تدندن:

"حيث توجد الإرادة… توجد الطريييقة…"

ثم أضافت بإيقاع طفولي مضحك:

"…وحيث لا توجد الإرادة، لا توجد الطريييقة."

التفت إليها هاروهيرو.

"لا أظن أن أحدًا يقولها بهذه الطريقة."

التفتت إليه وهي تلتقط عملتها الحمراء.

"حقًا؟"

"لكن يومي تحفظها هكذا."

ابتسم هاروهيرو.

"المثل الصحيح هو:

حيث توجد الإرادة، توجد الطريقة."

هزت رأسها.

"لكن نسخة يومي ألطف."

"…والأشياء اللطيفة مهمة أيضًا."

ضحك هاروهيرو.

"لا بأس…"

"هذا يجعلها ألطف فعلًا."

ابتسمت يومي ابتسامة مشرقة.

"أجل!"

وفي تلك الأثناء كانت الفتاة الصغيرة جدًا قد أخذت حصتها بصمت.

لم يبقَ سوى:

موغزو.

شيهورو.

هاروهيرو.

ولسبب لا يعرفه…

لم يرد هاروهيرو أن يكون آخر من يقرر.

فتقدم بسرعة وأخذ عملته وكيسه.

وبعده بقليل أخذ موغزو حصته.

أما شيهورو…

فكانت آخر من فعل ذلك.

صفق بري مبتسمًا.

"مبارك لكم."

"أصبحتم الآن جميعًا متدربي القمر القرمزي."

"اعملوا بجد."

"واعتمدوا على أنفسكم بأسرع ما يمكن."

"وعندما تصبحون أعضاءً كاملين…"

"…يمكنكم العودة للتحدث معي متى شئتم."

وفجأة…

دوم!

دوى صوت ارتطام مكتوم.

التفت هاروهيرو بسرعة.

كان رون قد سقط جالسًا على الأرض.

ولم يرَ كيف حدث ذلك.

لكن…

بدا أن رينجي قد ركل ساقيه عمدًا وأسقطه.

قال رينجي بلا أي تعبير:

"انهض."

صرخ رون:

"ما الذي تفعله؟!"

وما إن حاول الوقوف…

حتى دفعه رينجي بقوة فسقط مرة أخرى على أطرافه الأربعة.

قال رينجي:

"ما الأمر؟"

"قلت لك انهض."

زمجر رون:

"أيها الوغد!"

"ما الذي تفعله؟!"

أجاب رينجي بهدوء:

"منذ أن رأيتني…"

"…كنت تقارن بين قوتك وقوتي."

"وتساءلت…"

"هل هو أقوى مني أم أضعف؟"

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

"وسأريك الجواب."

حاول رون النهوض مرة أخرى.

وكان واضحًا للجميع أن رينجي ينتظر تلك اللحظة.

كان يكفي رون أن يصد الهجوم.

لكنه حاول المراوغة.

بووم!

وصلت لكمة رينجي إلى وجهه قبل أن يبتعد.

ثم أردفه بركلة أخرى.

أمسكه من أذنيه.

وجذبه نحوه.

ثم وجه إليه ضربة ركبة قوية في صدره.

مرة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

وأخيرًا…

أمسك رأسه بكلتا يديه.

وضربه برأسه بقوة.

طاااخ!

دوى صوت قوي.

وسقط رون على ركبة واحدة.