الفصل 34: ملتوي
[إن إرث ملك السماء ليس بالشيء الذي يسهل نيله. وستكون الفصول القليلة القادمة على القدر نفسه من الصعوبة في القراءة. وأما ما إذا كنت تملك الشجاعة والصبر لتتجاوز ذلك وتشاهد نهوض ريو... خب، ربما أنت وحدك من يملك الإجابة عن ذلك]
صارت أمور عالم الضريح مجرد نقطة عابرة في التاريخ. ومع ذلك، لم يكن هذا لأن ريو كان بلا قيمة، بل كان ببساطة بسبب حقيقة أن الأحداث التي تلت موته كانت مأساوية للغاية. حدث لم يشهد عالم الضريح مثلا له منذ حرب الوحوش القديمة العظمى التي عاثت فيه دمارا...
وأمام مثل هذا الواقع، كان موت رجل من الفناء عاش حتى عيد ميلاده الألف أمرا لا يذكر. وفي حين كان موته مفجعا للغاية لأقلية صغيرة، فإنه في المخطط الأكبر للأمور قد أصبح مجرد بطل آخر طواه النسيان.
وظلت هذه الأمور على حالها دون تغيير لتسع دورات، طول كل منها مائة مليون سنة.
عزف نحيب امرأة أرجاء الحريم الإمبراطوري المزخرف بفخامة. ولم يكن بوسع المرء إلا أن ينذهل من القوة المخبوءة في رئتيها. فمن كان يظن أن امرأة لا تملك زراعة تذكر يمكنها أن تصدر مثل هذا الصوت؟
ركضت ثلاث قابلات من متوسطات العمر بأسرع ما تسعفهن به أرجلهن القصيرة والسمينة، يهرعن جئة وذهابا بجانب سرير المرأة. كانت إحداهن تحمل دلاء الماء، وأخرى تجلب مناشف جديدة وتستبدل بالبالية، بينما الأخيرة تدلك البطن المتبارز للمرأة النائحة، وكانت كفاها تضيئان وهي تتمتم بصوت خفيض.
كان واضحا من تعابير القابلات الثلاث أنهن لم يتعاملن قط مع مخاض بمثل هذه القسوة. لقد مرت ثلاثة أيام كاملة منذ أن اتسع رحم الحظية الأولى ليلاني بالشكل المناسب لتبدأ الدفع الفعلي. ومع ذلك، طوال هذا الوقت، لم يحدث أي تقدم حقيقي.
كان من المفترض أن تكون هذه المناسبة سعيدة. فالحظية المفضلة لدى الملك تلد أخيرا بعد أكثر من عقد من الفشل. ولو كن في الخدمة وأصبحن مسؤولات عن فقدان الملك لابنه، لكان الإعدام أقل ما يقلقهن.
فمن ذا الذي لا يعلم كم يعتز الملك بفرسانه وورثته؟ لقد مرت فترة طويلة من الزمن، بلغت عقودا في الواقع، لم يكن للملك فيها سوى ابنتين فحسب. ورغم أن هذا قد تغير في السنوات الأربع الأخيرة أو نحو ذلك، إلا أن الملك ظل يحتفظ ببعض من ذلك القلق الدفين.
لم يكن بوسعهن أن يفشلن أبدا!
في أكبر باحة من باحات الحريم الإمبراطوري، كانت امرأة شابة جميلة تتكئ براحة وكأن نحيب الحظية الأولى ليلاني ليس سوى موسيقى تطرب أذنيها. وفي تلك اللحظة، أومض ظل داخل الغرفة، وظهر خلف المرأة بصمت.
"لماذا أتيت؟" أومضت عينا المرأة الشابة ببرود.
"لقد حدثت مشكلة."
"مشكلة؟" تضيقت عيناها، وكان عدم رضاها عن هذه الكلمات جليا.
"على الرغم من أن القابلة الإمبراطورية ميريام مخلوق لا قيمة له، إلا أن مهاراتها في توليد النساء وتربية الأطفال لا مثيل لها في مملكتنا تور. وبسبب كبريائها، لو كان الطفل قد مات، حتى لو كان ذلك يعني موتها، لكانت أعلنت عن ذلك."
"هل تحاول أن تقول لي إن مجرد جنين لم يولد بعد يمكنه أن ينجو من مثل هذا السم؟" تهكمت المرأة الشابة. كان ما تلمح إليه واضحا. إذ لم تكن هناك أي فرصة في الجحيم أن يكون مثل هذا الأمر ممكنا. وإذا كان هناك فشل، فهو فشل بشري. مما يعني أن من تولى إعطاء السم هو المسؤول. ولم يكن مكلفا بهذه المهمة سوى الظل الواقف خلف ظهرها.
لم يدرِ الظل كيف يجيب. فحياته وموته يعتمدان على مجرد كلمة من هذه الملكة. ولو قررت حقا إلقاء اللوم عليه، فلن يكون هناك مكان في العالم بأكمله يمكنه أن يختبئ فيه.
ومسح الظل عرقه البارد، ثم سارع يشرح موقفه: "الملكة تور، أرجوكِ تفهمي الأمر. أنا متأكد من أنني قمت بعملي على أكمل وجه. وإذا كان الطفل قد نجا من سم قطع الميريديان وهو لا يزال جنينا، فهذا يعني ببساطة أنه موهبة مذهلة، أو بالأحرى كان كذلك. وسواء ولد أم لم يولد، فإنه لن يشكل أي تهديد بعد الآن."
ظلت المرأة الشابة صامتة لوقت طويل. وبالنسبة للظل، بدا الأمر وكأنه أبدية، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى بضع دقائق.
"عد إلى العشيرة واجلد نفسك عشر جلدات بعصا العقاب. سأغفر هذا الأمر في الوقت الحالي... في الواقع، سيكون رؤيتها تنهار بسبب إنجابها ابنا بلا فائدة أكثر إرضاءً بكثير..." ضحكت المرأة الشابة بينها وبين نفسها بينما انحنى الظل واختفى. لم يلاحظ أحد حقيقة أن رجلا ليس بخصي قد دخل إلى مكان لا ينبغي له أن يدخله.
دفعت الحظية الأولى ليلاني بما تبقى لديهن من قوة. وللأمانة، كانت ترغب في الاستسلام منذ فترة طويلة. لماذا خضعت هي بالذات لابتلاء مثل هذا المخاض العسير؟ لقد كانت مدللة طوال حياتها، ولم يكن أي شيء صعبا عليها قط، ولكن فجأة هبط جبل يستحيل تسلقه أمامها مباشرة.
كانت تريد أن تنام وترتاح. وكانت تريد أن تستحم وتمسح هذا العرق المتجمد عن جسدها. ولكن هذه العجوز الشمطاء استمرت في الضغط على رحمها. لماذا لا تتوقف فحسب؟ دعيني أرقد هنا فحسب! صرخت في عقلتها.
وفي تلك اللحظة، دوى صراخ طفل في أرجاء الحريم الإمبراطوري. ويبدو أن هذا الطفل قد ورث أحباله الصوتية من أمه.
وتلا خواره المرتفع فتح أبواب الباحة بغتة. ورجل ذو هالة وإرادة مهيبتين هرع إلى الغرفة، متجاهلا كل المراسيم والشكليات ليصل إلى جانب سرير الحظية الأولى ليلاني التي أنهكت وانهارت الآن.
"جلالتك، ليس هذا الوقت المناسب لدخولك. فالصبي المسكين لا يزال بحاجة إلى التنظيف والتهيأة." حاولت القابلة الإمبراطورية ميريام أن توضح. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يرزق فيها الملك بطفل، وكان ينبغي له أن يعرف هذه الأمور الآن!
في العادة، كان الملك تور سيحك رأسه بالحرج أمام توبيخ هذه المرأة العجوز متوسطة العمر. ولكن في هذه اللحظة، انقبض وجهه وتلوى ملتويا عند رؤية ابنه.
ذعرت القابلة الإمبراطورية ميريام، ونظرت إلى الطفل بين ذراعيها لترى ما إذا كان به أي عيوب واضحة، لكن استنتاجها الوحيد كان الحيرة والارتباك. لماذا يثير طفل صحيح ومكتمل الصحة مثل هذا التفاعل؟