▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 3: هويةُ المُرسِل
…
كان ذلك يوم الجمعة بعد المدرسة، بعد يومٍ واحد من الإعلان عن الامتحان الخاص.
وبعد مناقشة فصلنا خلال استراحة الغداء بالأمس، لم تُعقَد أي اجتماعاتٍ شاملة للفصل، ولم يُتَّخَذ أي إجراءٍ يتعلق بالامتحان.
وبوصفي أحمل مسؤولية قيادة الفصل، كنتُ آمل أن تكون هوريكيتا قد أحرزت تقدمًا في استراتيجياتها وأفكارها خلال الليل. لم أعرف التفاصيل، لكنها لم تحاول التواصل.
لا يزال أمامنا أسبوع كامل، ولا حاجة للعجلة. أُفَضِّل أن تُفكِّر بتروٍّ.
"أيانوكوجي-كون… أُمم، هل لديك لحظة؟"
نادَتني مي-تشان بينما كنتُ أستعد لمغادرة الفصل وحدي.
كانت كاي قد خططت للخروج مع صديقاتها حتى وقتٍ متأخر من نهاية الأسبوع، لذا كانت قد غادرت بالفعل.
ولذلك كنتُ حرًّا تمامًا هذه اللحظة، ويمكنني أن أُفرِغ وقتًا لها.
"ما الأمر؟"
"أُفضّل الحديث في مكانٍ آخر إن أمكن… ليس في هذا الفصل."
ورغم أنّ أحدًا من الطلاب حولنا لم يُبدِ انزعاجًا، إلا أنّ مي-تشان لم تبدُ مرتاحة هنا.
ومن تصرفاتها، بدا أنّ الأمر يتعلق بشيء مهم.
"أفهم. ما رأيك أن نتحدث في طريق العودة إلى المهاجع؟"
"بالطبع!"
لم يكن هناك سبب للبقاء داخل الفصل، فأخذتُ حقيبتي وخرجنا.
ولم تكن هناك حاجة للبحث عن مكانٍ فارغ؛ فالممر والمدخل يعُجّان بالطلاب بعد المدرسة، يغمرهما الضجيج.
"إذًا، ما الأمر؟"
وبعد أن حثثتها على الكلام، نظرت مي-تشان حولها كمن يتأكد من الأمان، ثم بدأت الحديث.
"هل تتذكر غيابي عن المدرسة لفترة؟ هذا… من المحرج قوله، لكنه كان بخصوص هيراتا-كون… حسنًا…"
كان ذلك في أواخر سبتمبر، بعد أن كشفت كوشيدا في امتحان التصويت بالإجماع أنّ مي-تشان تحمل مشاعر تجاه هيراتا.
"هل حدث شيء يتعلق بذلك؟"
"سمعت أن أحدهم كان يوصِل لي الطعام عندما لم أكن أستطيع الخروج…"
"أتذكّر. شخص ما كان يرسل لك الوجبات، صحيح؟"
تذكّرتُ عندما سُئلتُ إن كنت أنا من كان يضع الطعام لمي-تشان.
"لقد حدثتك عن ذلك من قبل يا أيانوكوجي-كون، وأردت أن أطلب مساعدتك…"
"أفهم…"
لقد مرّ وقت طويل، لكن لطرحها الموضوع الآن معنى واضح—
"هل اكتشفتِ من كان الشخص؟"
"أه، ليس بعد، لكن أظن أننا نستطيع اكتشافه إذا حاولنا…"
"يمكننا اكتشافه إذا حاولنا؟"
وعندما كررتُ كلامها، أومأت مي-تشان وبدأت تتحدث ببطء.
وبعد أن استجمعت شجاعتها للعودة إلى المدرسة، يبدو أنها ما زالت منشغلة بمن قدّم لها الدعم. ظننت أنها تخلّت عن الأمر، لكنها كانت مصرّة على معرفة الحقيقة لتقدّم شكرها.
كان هناك دليلان. الأول ورقة وُضِعت في كيس الطعام تحوي رقم الغرفة فقط؛ وتشير إلى أنها هدية موجهة لمي-تشان.
ولو كانت الكتابة مميزة، لكان ذلك دليلًا حاسمًا، لكن للأسف…
كانت الورقة مكتوبة عمدًا بطريقة تمنع معرفة صاحب الخط.
"الشخص الذي قدّم لك هذه الهدايا ماكرٌ فعلًا."
"بالفعل."
لم يتبقَّ سوى طريقة واحدة لملاحقة الدليل.
كان صحيحًا أن الطعام كلّه تم شراؤه من متجر المدرسة.
وقد دوّنت مي-تشان كل صنف استلمته.
وهذا يعني أنّ بوسعنا وصف هذه المشتريات للموظف هناك، لمعرفة إن كان أحد الطلاب قد اشترى الأشياء نفسها.
سؤال الموظفين طريقة كلاسيكية لاكتشاف مُرسل الهدية. لكن بمرور الوقت يتلاشى الحفظ، ولذلك يجب التحرّك بسرعة.
ظننت أنّ مي-تشان لا تعرف هذا، لكنني فوجئت بجوابها—
"حاولتُ التحدث مع موظف المتجر فور عودتي للمدرسة."
لكن الإجابة لم تكن جيدة.
فالموظف الذي سألته كان جديدًا، لم يعمل خلال الفترة التي تم فيها شراء الطعام. والمدير الذي كان يعمل وقتها قد نُقِل إلى متجر آخر.
لو كنا محققين، لأمكننا النظر في كاميرات المراقبة، لكن بالطبع… هذا غير ممكن.
"حاولتُ أيضًا سؤال الفتيات في طابقي، لكنهن لم يعرفن شيئًا. عندها قررت الاستسلام لفترة."
عندما لا توجد أدلة، لا يملك الطالب العادي حيلة.
"أعتقد أنه لم يكن أمامك خيار آنذاك."
"نعم…"
ومضى الوقت، مع بقاء التفاصيل مجهولة.
لكن بعض المعلومات غير المتوقعة وصلت إلى مي-تشان، التي وصلت لطريق مسدود.
فقد صادفت مؤخرًا أحد موظفي المتجر أثناء تسوّقها، فناداها.
لقد التقى المشرف السابق—الذي نُقِل من المتجر—بالصدفة بالموظف الحالي، وتذكّر أن مي-تشان كانت تبحث عن موضوع معيّن، فأخبره بالأمر.
ولأنه لم يَمضِ وقت طويل على تحويله، فقد تذكّر الطالب الذي قد يكون له علاقة بالقضية.
وبناءً على ذلك، حاول الموظف إخبار مي-تشان باسم الطالب الذي ذكره له المشرف.
لكن—
"تفاجأتُ… أو بالأحرى، صدمتني المعلومة غير المتوقعة، فقلت لهم إنني سأعود لاحقًا لسماع المزيد… وهربت."
"هربتِ؟"
"لقد… هربت…"
لا أحد يعرف سبب ذلك إلا مي-تشان نفسها.
"بالمناسبة، متى سمعتِ هذا الكلام؟"
"أم… هذا…"
وصعوبة جوابها كانت واضحة… فهو ليس حديث اليوم.
"…اليوم هو اليوم السادس."
"لقد ظللتِ تهربين لفترة طويلة."
"لقد… ظللت أهرب…"
واحمرّ وجهها خجلًا، أو ربما خزيًا من تصرفها.
"أظن أنّ عليّ الذهاب قريبًا، لكن… أشعر بالتوتر… إن لم أعرف من هو، يمكنني تجاهُل الأمر، لكن عندما أعرف… لن أستطيع التظاهر بالجهل. والأهم… أن الشخص الذي أرسل الطعام لم يُظهِر نفسه، ربما لا يريد أن يُعرَف، صحيح؟"
لقد أرادت دائمًا شكر ذلك الشخص… حتى وإن لم تعرف هويته.
لكن ما دام مجهولًا، ظلّت مقتنعة بأنها لا تستطيع فعل شيء.
"هذا صحيح."
لقد دعمها من الظلال دون أن يكشف نفسه.
وعدم الرغبة في الظهور أمر محتمل.
"ما الأسباب التي قد تدفعه لإخفاء هويته؟"
"الأسباب كثيرة."
ولا يمكن تضييق الاحتمالات بالمعلومات المتاحة.
"مع ذلك… أنا متأكدة أنه زميلٌ لنا… ليست لديّ صديقات كثيرات، لكني لا أظن أن إحداهن ستخفي الأمر عني. لا أستطيع فهم السبب…"
يبدو أن مي-تشان تحاول تخمين أي صديقاتها قد يكون الفاعل.
لكن من غير المتوقع أصلًا أن يرسل شخص غريب هدية كهذه.
"هذا مجرد احتمال… لا، لا بأس."
"ما هو؟ أخبرني، أرجوك."
ترددتُ قليلًا، خشية أن يكون ثقيلًا عليها، لكن مي-تشان كانت تترجاني.
"أرجوك، أخبرني."
وحين طلبت ثانيةً، قررت المتابعة.
"اعذريني… لكن ليس شرطًا أن يكون من فصلنا. صحيح أن سبب غيابك لم يكن معروفًا، لكن معرفة غيابك لم تكن صعبة."
"لكنني لا أتعامل مع طلاب الفصول الأخرى أصلًا…"
"ليس الأمر متعلقًا بمدى قربك منهم. فليس ضروريًا أن تكون لديكم علاقة. وليس شرطًا أن تكون فتاة."
"إه؟ ماذا؟"
وقد بدت مذهولة، فتعاملها مع الذكور أقل بكثير.
"لأكن صريحًا… قد يكون مثلًا فتى يُكنّ لك الإعجاب سرًا. وقد قلق عندما غبتِ، فأرسل لك الطعام."
"إييييييه!؟ م-ماذا!؟"
كدتُ أظن أنها ستسقط من وقع الصدمة. حاولت ضبط نفسها، لكنها لفتت الأنظار.
ولمّا أدركت ذلك، أخذت نفسًا بطيئًا، لكنها بقيت متوترة تمامًا.
"هذا مجرد احتمال، لا حاجة للذعر."
فقد لا يكون الأمر كذلك أبدًا. كنتُ فقط أضرب مثالًا غير متوقّع.
"ن-ن-نعم، صحيح!؟"
لكنها كانت بعيدة كل البعد عن الهدوء.
وأعتقد أنّ افتراضي هذا لم يكن ضروريًا.
"لنعد للموضوع. من الأفضل أن تتخذي قرارك الآن، أليس كذلك؟"
ورغم أني كنتُ أعرف أغلب دوافعها، إلا أنّ من الأفضل أن يأتي القرار منها.
"لا أعلم ماذا أفعل الآن. هل أبحث عن هويته؟ هل أشكره؟"
"من الأفضل أن تتخذي قرارًا."
وأومأت مي-تشان قليلًا، دون كثير ثقة.
"ماذا كنت ستفعل لو كنتَ مكاني يا أيانوكوجي-كون؟"
"ماذا كنت سأفعل، هاه…؟"
فكّرت قليلًا، وقررت الإجابة بصدق.
"لا أعلم إن كان هذا سيفيدك، لكن لو كنتُ مكانك، لأردت معرفة هويته أولًا. وبعد ذلك أقرر ما إذا كنت سأقترب منه أو لا."
"إذًا هناك احتمال أن لا تشكره حتى لو عرفت هويته؟"
"ذلك لو كنتُ أنا. فمثلًا، لو كانت لا تربطني به علاقة، فسأتردد. وهناك حالات يكون من الأفضل فيها ألا يعلم أنكِ كنتِ تبحثين عنه."
"هذا منطقي."
لقد ساعد شخصٌ ما من يحبّ سرًا.
وإن جاءت تشكره بعد أن عرفت هويته من المتجر… ستكون صدمة.
وهذا بعيد عن مشاعر الحب أصلًا.
"وعندما يريد الطرف الآخر الحفاظ على سريته، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا."
"…صحيح."
"وفوق ذلك… السؤال الأهم… هل تستطيعين أن تبقي الأمر سرًا بعد أن تعرفي هويته؟ من نظرتي إليك… لا أظن أن هذا يناسبك يا مي-تشان."
"ذلك… صحيح…"
فلو عرفت الجواب، ستفشل في إخفاء مشاعرها.
"ليس سيئًا أن تتخلي عن الأمر."
"ومع ذلك…"
لكن مي-تشان تشعر بالذنب لأنها لم تتمكن من شكر من ساعدها.
وقد عاد هذا الشعور الآن ليُثقل قلبها من جديد.
حتى لو تجاهلت الأمر، فسيستغرق وقتًا طويلًا حتى يهدأ داخلها.
"بمجرد أن تفتحي صندوق باندورا… لن تستطيعي إغلاقه."
ومع هشاشة مشاعرها، فلا غرابة أنها هربت.
وفوق ذلك، فإن قرار تجاهل معرفة الهوية يحمل فائدة بحد ذاته.
فعندما تُعرَف هوية «الظل الذي دعمها»، تتغير نظرتها إليه مهما كان هو.
"أنا…"
وبعد وقتٍ كافٍ للتفكير، قالت—
"أنا… أريد أن أعرف…"
"حتى لو أدى ذلك إلى الندم؟"
"…نعم."
وبعد أن اتخذت قرارها، لم يعد لي أن أقول شيئًا آخر.
"إذن عليك الذهاب إلى متجر المدرسة."
ومع ذلك، بقي على وجه مي-تشان ذاك التردد… وكانت تنظر إليّ.
“…”
“…”
ساد توتر غريب، لكن كان واضحًا ما ترغب فيه.
"هل نذهب معًا إلى المتجر؟"
"ه-هل يمكن؟"
ورغم أنها هي من قررت، لكنها لم تستطع الذهاب وحدها.
"يمكنني مرافقتك. إن كان ذلك سيمنحك قليلًا من الشجاعة، فهو يستحق."
"ش-شكرًا لك، أيانوكوجي-كون!"
وبأقوى إيماءة رأيتها منها اليوم، سارت مي-تشان معي نحو متجر المدرسة.
❃ ◈ ❃
(1)
وصلتُ أنا ومي-تشان إلى متجر البقالة بسرعة بالغة.
كنتُ على وشك دخول المتجر أولًا، لكن مي-تشان أمسكتْ طرف كمّي.
"هل يمكنك الانتظار قليلًا…؟ يبدو أنّ هناك طلابًا آخرين أيضًا."
"أترغبين بالانتظار حتى لا يكون أحد موجودًا؟"
"هذا غير مرجّح، لكن… الشخص الذي ساعدني قد يكون هنا."
"أفهم."
كانت كلمات رقيقة، معتادة من مي-تشان. وكان من الواجب أخذها بعين الاعتبار.
مع أنّ الكثير من الطلاب يزورون المتجر في عطلة نهاية الأسبوع، إلا أنّهم عادةً لا يمكثون طويلًا.
وبعد انتظارٍ قصير، صار المتجر فارغًا تمامًا.
"هل ندخل؟"
"ن-نعم!"
إن بقينا نتردّد فسيصل زبونٌ آخر.
دخلنا المتجر بسرعة.
"مرحبًا— آه."
كانت الموظّفة امرأة في العشرينيات من عمرها، رأيتها كثيرًا في الآونة الأخيرة.
عندما أبصرت مي-تشان، توقّفت منتصف الجملة ثم أكملتْ بابتسامة.
"مرحبًا."
"مرحبًا. أ-أعتذر لأنني هربتُ في ذلك اليوم!"
انحنتْ بسرعة، فابتسمت الموظّفة بلطف.
"لا بأس، لا بأس، لستُ منزعجة على الإطلاق. لا بدّ أنّ الأمر كان مخيفًا، أليس كذلك؟"
يبدو أنها فهمت الاضطراب الداخلي الذي مرت به، فأومأت مي-تشان عدة مرات.
"هل شجّعكِ حبيبكِ على المجيء إلى هنا؟"
"هـه؟"
رفعت مي-تشان رأسها في حيرة.
"يا له من حبيب وسيم، أشعر بالغيرة."
"هـه، هـه، هـه؟ ح-حبيبي؟"
"إنه أيانوكوجي-كون… أليس كذلك؟"
"كيف تعرفين اسمي؟"
"حسنًا، نحن نستخدم بطاقات الطلاب للدفع في المتجر، لذا انتهى بي الأمر بحفظ أسماء بعض الطلاب."
صحيح أننا نستخدم بطاقة الطالب، التي تحتوي على الاسم والصورة، عند الدفع.
وبما أنني أشتري من هنا عدة مرات، فليس من المستغرب أن يتذكروني.
"وأيضًا— كنت تتسوّق متشابكًا مع طالبة أخرى، أليس كذلك؟ في ذلك اليوم… آه!؟"
"يبدو أنّ ردّة فعلكِ تشير إلى أنكِ لاحظتِ شيئًا ما، لكن افتراضكِ خاطئ. إنها صديقتي."
وعندما أشرت إلى مي-تشان وقلت ذلك، أومأتْ بدورها تأكيدًا.
"آه، هكذا إذن. لكن ربما يوجد احتمال—"
"لا يوجد!!"
للمرة الأولى، أنكرت مي-تشان بقوة.
لم تكن لدي أي مشاعر تجاهها، لكن لسبب ما شعرتُ بخيبة خفيفة.
وبما أن مي-تشان تُكنّ الإعجاب ليوسوكي، فهي بالتأكيد لا تريد أن يساء فهمها.
"إذًا، أمّا عن الشخص الذي كنتُ أبحث عنه…"
"آه، صحيح. هل أخبرك؟ هل هذا مناسب؟"
تحقّقت الموظّفة بلطف مراعاةً لمشاعر مي-تشان.
"نعم. جئتُ لهذا السبب."
"حسنًا، سأخبرك إذًا."
بعد أن أخذت نفسًا، كشفت الموظفة عن هوية الشخص الذي طالما رغبت مي-تشان في معرفته.
"قائد الوردية السابقة لم يتذكر اسمه، لكنه كان مميّزًا للغاية، ولذلك عندما وصفتِهِ، تذكرتُه فورًا. إنه أحد طلاب فصلكما، كوينجي… أم، روكوسوكي-كون، فيما أظن. يبدو أنه هو من اشترى الأشياء التي تطابق ما أحضرتِه."
"هاه…؟"
اسم الشخص الذي قدّم الهدية— الحقيقة التي كانت تتوق لاكتشافها.
وكان… كوينجي؟
لماذا كوينجي؟
كانت مي-تشان بجانبي مصدومة بلا شك، بل مذهولة.
اسمٌ غير متوقّع… بل أكثر من اللازم.
…أو ربما لم يكن مفاجئًا إلى ذلك الحد؟
كان كوينجي ومي-تشان نادرَي الاحتكاك.
لكن كانت هناك لحظات رأيته فيها يتصرّف تجاهها بلطف نسبي.
وحده هذا لا يعني الكثير، غير أن الشخص المعني هو كوينجي.
"هـو… هل كان حقًا كوينجي-كون؟"
أومأت الموظفة بلا أدنى شك.
"تذكّره قائد الوردية بأنه فتى أشقر ذو شعر طويل. كان دائمًا يتصرّف بتعالٍ، يحدّق في انعكاسه على زجاج المتجر، أو يُصلح شعره بمرآة يد. و… القائمة تطول، لكن هذا كوينجي-كون، صحيح؟ لقد رأيته يتصرف هكذا أيضًا."
هذا بلا شك كوينجي.
لا أحد يشبهه في المدرسة، ولن يكون.
"لا يبدو أنّ هناك خطأ."
"نعم، حتى محتوى الهدية يشبه كوينجي. صار الأمر منطقيًا الآن."
"نعم…"
لم تستطع استيعاب الأمر بالكامل، لكنها لم تملك إلا أن تقبل به.
شكرت الموظفة وغادرنا المتجر.
كانت مي-تشان لا تزال شاردة بعد الخروج، غارقة في أفكارها.
"كوينجي-كون…؟ لماذا؟"
"ليس لدي أي فكرة. بطريقة ما، هو الشخص الأقل وضوحًا في الدافع."
"ماذا أفعل…؟"
هل تتساءل عن كيفية شكره، أم أنها متحيرة لأنه… كوينجي؟
"لكن ربما— بما أنه كوينجي، يمكنكِ تجاهله وعدم شكره؟"
"هـه، ماذا!؟ لا، لا يمكنني ذلك!"
"ولماذا؟"
"حسنًا… إنه زميلنا، كما أنه أنفق مبلغًا كبيرًا على الهدايا."
حتى لو كان يملك قدرًا هائلًا من النقاط الخاصة، فالمال يبقى مالًا.
ومثل هذه الفتاة الودودة لا يمكنها تجاهل ذلك.
"أفكّر في شراء هدية شكر. هل يجب أن تكون مساوية تقريبًا للمبلغ الذي أنفقه؟"
"هذا كثير. أظن أن النصف يكفي."
كانت الهدية عمل خير، وكفاية أن يصل شعور الامتنان.
"ح-حسنًا، فهمت. سأفعل ذلك."
"وما عليكِ بعد ذلك إلا تقديم الشكر بطريقة مناسبة."
كنتُ على وشك توديعها والبدء بالمشي وحدي حين—
"هل تأتي معي؟"
"عذرًا؟"
"إلى… منزل كوينجي-كون."
سؤال "لماذا" سيكون مبالغًا فيه، لكن وجودي هناك غريب بالفعل.
وبرغم أنني أريد دعمها، فإن الأمر يبدو غير مناسب.
ثم إن سبب مساعدة كوينجي لها لا يزال لغزًا.
"ماذا لو كان افتراضك صحيحًا؟ مهما قلتَ أنك تواعد كي، فقد تراوده أفكار لو رأى فتى يرافق الفتاة التي يحبها."
"لكن الشخص المعني هو كوينجي-كون، أليس كذلك؟"
"حتى كوينجي فتى ثانوي عادي… لا، ليس عاديًا في الحقيقة…"
لو كان وجودي سيزعجه، فهذا شيء أودّ رؤيته.
"حسنًا، لنذهب معًا الآن. وبناءً على الوضع، قد أرحل بمجرد رؤيتي كوينجي. أتمنى أن تتفهمي ذلك."
احتمال أن يضطرب بسبب وجودي كان واردًا بالفعل.
"أفهم. شكرًا لك."
بدت وكأنها لا تريد المطالبة بأكثر من ذلك، فوافقت بسهولة.
"متى نذهب؟"
أخرجت مي-تشان هاتفها وفتحت التقويم.
يبدو أنها متوترة، إذ كانت تلمس ربطة الشعر بيدها اليسرى من حين لآخر.
"قد يكون الأمر مفاجئًا، لكن… هل يمكننا الذهاب في وقت مبكر غدًا؟ إن انتظرنا طويلًا، فقد أعجز عن النوم…"
سيكون قاسيًا أن تبقى مستيقظة طوال الليل وهي تفكّر في كوينجي.
لدي موعد مع كي صباح الغد، لكن يمكن تعديل الوقت.
"شكرًا لك على اليوم. سنلتقي غدًا مجددًا، لكن الآن… تقبّل مني أسمى عبارات الامتنان."
ثم انحنت بعمق.
كانت ترغب في التعبير عن شكرها مرة أخرى بعد أن تُحلّ الأمور، لكنني كنتُ قد رفضت ذلك مسبقًا.
❃ ◈ ❃
(2)
وصل اليوم التالي. كان ذلك قبل الساعة الحادية عشرة والنصف بقليل من صباح يوم السبت.
كنتُ جالسًا على أريكة الصالة في السكن، أترقّب لقائي مع مي-تشان.
كانت كي، التي تسلّلت وباتت سرًّا في غرفتي ليلة الجمعة وقضت معي الساعات الأولى من الصباح، نائمة بعمق. كنت أنوي تأجيل موعدنا الأصلي الذي خططنا له بعد الظهر.
وحين رأيت مي-تشان تهبط من المصعد عبر شاشة المراقبة المثبّتة، نهضتُ من على الأريكة الغائرة.
"صباح الخير."
"صباح الخير، أيانوكوجي-كون."
كانت تحمل حقيبة ورقية بداخلها هدية شكر، على الأرجح اشترتها في اليوم السابق.
"إذن؟ أين ستلتقين بكوينجي؟"
"إيه؟"
"إيه؟ أنتِ ذاهبة لرؤية كوينجي بعد هذا، صحيح؟"
"نعم."
"إذًا، لديكِ موعدٌ مع كوينجي، صحيح؟"
"…في الحقيقة، لا…"
مع جواب مي-تشان، تجمّد الهواء من حولنا. خيّم الصمت، وانساب الزمن ببطء. لكن لم يكن بإمكاني البقاء صامتًا إلى الأبد، فدفعتُ عجلة الوقت إلى الأمام.
"إذًا… كوينجي لا يعلم شيئًا عمّا سيحدث اليوم."
أومأت مي-تشان موافقة، وبدا وكأن دموعها على وشك الانهمار.
"آه… هذا ما كان ينبغي أن يحدث، أليس كذلك؟ لم أفكر إطلاقًا… كنت متوترة وقلقة، ولم يكن عقلي يعمل. ولا أملك حتى وسيلة للتواصل مع كوينجي-كون. ظننتُ أنك رتبت الأمر مسبقًا… فهمت الأمر خطأ… أنا آسفة جدًّا!"
وأثناء حديثها، لم تستطع مي-تشان حبس دموعها أكثر.
ولحسن الحظ لم يكن في الصالة أحد، وإلا لكان الأمر محرجًا لو رآها أحدهم.
"أولًا، عليك الهدوء. لستُ قريبًا جدًّا من كوينجي، لكنني أعرف أين يمكن أن أجده."
"حقًا؟"
على الرغم من أنني لم أكن واثقًا تمامًا، إلا أنني كنت أعلم بوجود فرصة جيدة للعثور عليه.
"أظن أن كوينجي يكون عادةً في هذا الوقت في الصالة الرياضية."
"…الصالة الرياضية؟ التي في الطابق الثاني من مركز كياكي؟"
"نعم. بدأت الذهاب إليها مؤخرًا. كوينجي يأتي غالبًا صباحي يومي السبت والأحد."
كنت قد رأيته عدة مرات يغادر بعد إنهاء تدريبه عند الظهيرة.
وبعد أن لاح لها بصيص الأمل، استعادت مي-تشان رباطة جأشها، وانطلقنا نحو مركز كياكي.
وأنا في الطريق، نظرت إلى مي-تشان التي ما تزال عينها محمرّتَين قليلًا، وراودتني فكرة: إنها طالبةٌ مجتهدة وهادئة، لكنها هشّة جدًّا في مواجهة المواقف المفاجئة.
لم تكن شخصية نادرة، ولا شائعة تمامًا، بل نموذجٌ يمكن العثور عليه بين طلاب الثانوية في أي مكان.
وهذا ما جعل علاقتها بكوينجي مثيرةً للاهتمام.
ومهما كان الانجذاب أو النفور مسألة أخرى، إلا أنّ مظهر مي-تشان يعدّ أفضل من المتوسط.
ربما كانت قد وافقت هوى كوينجي بلا قصد، وكان يمنحها اهتمامًا سرّيًا.
ومع ذلك، لم يُعطِ كوينجي يومًا انطباع شخصٍ يخفي اهتمامه بامرأة تثير إعجابه.
بل على العكس، لو كان مغرمًا بإحدى فتيات الفصل، لظهر عليه، ولسعى هو نفسه لإبراز اهتمامه.
وعدم مبادرته يتناقض مع شخصية رجلٍ واثقٍ إلى هذا الحد. فإن كان هذا ما يعنيه، فلا بد أنّ كوينجي لا يملك تلك الثقة المطلقة في نفسه… أو لعل الأمر مختلف تمامًا.
لكل إنسانٍ طريقته. ربما سيقول كوينجي إنه يفضّل الابتعاد عن النساء اللواتي يفضلّهن، وإن ذلك في نظره أسلوبه الخاص في التعبير عن المودة. فكرت في ذلك طويلًا، لكن لم أصل إلا إلى نتيجة واحدة:
محاولة فهم ما يدور في رأس كوينجي مضيعةٌ للوقت.
وفي النهاية، لا سبيل لمعرفة نواياه الحقيقية إلا بمقابلته والتحدث إليه مباشرة.
دخلتُ مركز كياكي، الذي كان قد فتح أبوابه بالفعل، ثمّ صعدتُ إلى الطابق الثاني بلا أي التفاف.
وتركت مي-تشان تنتظر أمام باب الصالة بينما ألقيت نظرة داخلها.
"كما توقعت، إنه هنا."
كان كوينجي وسط تدريبه.
يبدو أنه كان يباشر تمرين البنش برس، وعلى الأرجح أوشك على إنهائه.
فهو دائمًا يختم تدريباته بهذا التمرين قبل مغادرة الصالة.
وعلى الرغم من الإرهاق الذي بدا عليه، كان يرفع مئتي كيلوغرام بابتسامة تعلو وجهه وعرقٍ غزير يتصبب منه.
تساءلت لو كان هناك طالبٌ في سنته يستطيع فعل ذلك بسهولة مماثلة.
على أي حال، كان على وشك الانتهاء. ومن المؤكد أنه سيتجه للاستحمام ثم يغادر.
ولتجنب أي موقف محرج، خرجت سريعًا من قاعة التدريب.
وفور خروجي، حيّاني موظف الصالة أكياما-سان، فرددت التحية بإيجاز ثم غادرت.
كنت قد وعدت أيضًا بمقابلة المعلّم ماشيما، لكن بدا أنه يمكنني تأجيل ذلك لهذا اليوم.
"كيف كان الوضع؟"
"أظن أنه سيخرج خلال عشرين أو ثلاثين دقيقة. إن لم يكن لديك مانع، يمكننا الانتظار هنا."
"ن-نعم."
جلسنا بعد ذلك على مقعدٍ قرب مدخل الصالة ننتظر.
“…”
“…”
من دون حديثٍ يذكر، اكتفينا بالاستماع إلى الموسيقى المنبعثة من داخل مركز كياكي.
"بدأت أشعر بالتوتر قليلًا."
كان اقتراب الموعد يشعل في نفسها شيئًا من الترقّب.
"ليس لدي أي فكرة كيف سيتفاعل كوينجي بعد هذا."
"ولا أنا…"
"وعلى ذكر ذلك… ما الهدية التي اشتريتها له؟"
"أم… لم أكن أعرف ماذا أشتري، فاخترت منشفة للوجه وأخرى لليد."
"آه… هذا نوع غريب من الهدايا."
"قد يبدو غريبًا، لكنني ظننت أنه سيعجبه. أراه يستخدمهما دائمًا."
"حقًا؟ كنت أعرف عن المرآة اليدوية، لكن ليس هذا."
"نعم. ظننت أنه قد يقبل منشفة فاخرة مصنوعة من القطن العضوي… آه…"
"يبدو أنها كانت بميزانية كبيرة."
كان واضحًا أن مي-تشان لم تستطع الالتزام بنصيحتي بشأن شراء هدية بسيطة.
"أم… ن-نعم. آسفة…"
"بكم كانت؟"
"حسنًا… حوالي 12 ألف ين."
كانت تساوي تقريبًا نفس سعر المواد التي تركها كوينجي لها أو تزيد قليلًا. وكان هذا متوقعًا جدًّا من مي-تشان.
"لا بأس. أتمنى أن تعجب كوينجي."
"نعم. يجب أن أرد له جميل مساعدته."
وعلى الرغم من التوتر، أجابت مي-تشان بحزم. وربما كان اختيار هديةٍ تفوق الميزانية قرارًا صائبًا.
وحين انتظرنا قرابة أربعين دقيقة — أطول مما توقعنا — ظهر كوينجي خارجًا من الصالة.
"ل-لقد خرج."
ومن زاويتنا، بدا كوينجي وكأنه لاحظ وجودنا فورًا، لكنه لم يغير تعابيره، وتجاوزنا بلا كلمة… وكأننا خارج دائرة اهتمامه. ورؤية تصرّفه هذا جعلت من الصعب تصديق أنه يحمل أي مودة تجاه مي-تشان، أو أنه كان يدعمها سرًّا.
ولكن، وبناءً على شهادة موظفة المتجر، كنا نؤمن بنسبة 99% أنه هو.
ولذا لم يكن أمامنا إلا التأكد مباشرة منه.
نهضت مي-تشان بسرعة من المقعد، ولحقت بكوينجي.
"أم… كوينجي-كون! هل يمكن أن آخذ دقيقة من وقتك!؟!"
نادته من خلفه، فتوقف في مكانه واستدار بأناقة لينظر إليها.
"هل لك حاجةٌ منّي، أيتها الفتاة وانغ؟"
"إه؟ وانغ… ماذا؟"
يبدو أنه كان يشير إلى اسمها الحقيقي: "وانغ (王) مي-يوي"، مستخدمًا لقبًا لا يستعمله سواه، مما سبب ارتباكًا لمي-تشان.
لم تستوعب معنى اللقب، لكنها ابتلعت حيرتها وشدّت قبضتها على كيس الهدايا.
"أردت مناقشة أمر معك. هل يمكن أن تخصّني بلحظة، من فضلك؟"
تحدثت مي-تشان بصوت مهذب، لكنه يحمل إصرارًا داخليًا.
تردد كوينجي قليلًا، ثم لوّح بيده وهزّ رأسه.
"آسف، لكنني مشغول قليلًا الآن. نتحدث في وقت آخر. هاهاها."
قالها ضاحكًا، ثم استدار وغادر.
"أوه… أوه لا…"
كانت مي-تشان، التي تميل عادة إلى التفكير المسبق والتأني، مرتبكة تمامًا من ردّه غير المتوقع. بل حتى أنا شعرت بالدهشة.
"ما الذي يمكننا فعله الآن…؟"
"نجرب مرة أخرى؟"
"أوه… جمعتُ شجاعة كبيرة لأتحدث معه هذه المرة… لا أظنني قادرة على تجربتها مجددًا…"
وبالفعل، كان من الصعب عليها الاقتراب من كوينجي مرة أخرى بنفس الظروف. وهذا يعني أننا مضطرون لإنهاء الأمر اليوم.
"إذن سنلحق به."
"لكن ألا يعتبر هذا إزعاجًا له؟"
"عادةً، نعم. لكن إن لم تكوني قادرة على إعادة المحاولة، فمهما كان الإزعاج، يجب أن نمضي قُدمًا، أليس كذلك؟"
ولأن الأمر مجرد تتبعٍ من بعيد، كنت أعتقد أنه لن يكترث.
"ماذا سنفعل؟ لو فقدنا أثره، فلن يبقى أمامنا سوى الاستسلام."
"ماذا نفعل…"
كانت مترددة بين التقدم والتراجع، لكن من سلوكها كان واضحًا أنها تريد المتابعة.
وهكذا… هل علي متابعة قيادتي لهذا الموقف أيضًا؟
"سأتكفل بالأمر لو اكتشف أننا نتبعه. هيا بنا."
"ن-نعم! إذن… نتبعه خلسة!"
قررنا إذن مراقبة كوينجي وتتبع خطواته عن بُعد.
ولم أرَ داعيًا لجعل الأمر سرًّا، لكن بما أن مي-تشان كانت متحمسة، لم أعارضها.
وبينما هبط كوينجي عبر السلم الكهربائي بخطوات واسعة، كنت أتفقد اتجاه سيره ببطء وأسمح لمي-تشان بأن تبقى خلفي.
"ألا ينبغي أن نتعجل؟ قد نفقده."
"لا بأس إن حدث ذلك."
فالطلاب يزورون المركز يوميًّا وجميعهم يمتلكون خريطة ذهنية له.
وبالطبع، هناك عدة متاجر على طريق كوينجي، لكنها ليست عميقة المساحة، ويمكن رؤية جميع الزبائن فيها بمجرد النظر.
وفي نهاية الممر توجد منطقة مقهى مفتوحة. ما لم يستخدم أحد المخارج الجانبية، فإن احتمال فقدانه ضئيل جدًا.
وعند أسفل الدرج، رأيت ظهر كوينجي وقد ابتعد قليلًا.
"يبدو أنه متجه إلى المقهى. وهذا يسهل الأمر علينا."
"أجل."
وبعد أن تأكدتُ من طلبه لمشروبه وجلوسه، لاحظت وجود فتاة تجلس قبالته على طاولة لشخصين.
"من هذه؟"
"إنها إينوشيما ميدوريكو من الفصل 3-B.”
"هل تعرفها؟"
"رأيتها فقط في تطبيق OAA. لنتقدم قليلاً."
"لكن… ألن يرانا كوينجي-كون لو اقتربنا؟"
"ربما… ومع ذلك، أليس من الأفضل أن ننتظر هنا حتى ينتهي حديثهما؟"
وكان هذا فعلاً الخيار المعقول.
ولم أكن مهتمًا على الإطلاق بمعرفة ما يتحدثان عنه.
"بصراحة… أود أن أعرف نوع الأحاديث التي يجريها كوينجي-كون عادة."
بدا أن مفتاح الفضول قد اشتعل داخل مي-تشان، وصارت مترددة في الاقتراب.
"تقصدين… التنصّت؟"
"أعلم أنه خطأ… لكن… ربما لا يصرّح بما يشعر به، وقد نجد بعض الدلائل من كلامه!"
لم أظن ذلك محتملًا، خاصة أن إينوشيما لا علاقة لها بالأمر…
"لنواصل تتبعه!"
"إن كان هذا يرضيكِ يا مي-تشان، فلا مانع لدي. لنتحرك من هذا الجانب."
وبما أن كوينجي منشغل بالحديث، ففرص ملاحظته لنا ضئيلة. ومع ذلك، لو دخلنا مجال رؤيته، فالأمر مجهول.
خرجنا من باب جانبي، ووصلنا إلى الجهة المقابلة بعد عدة دقائق.
ومع أنه اشترى مشروبه للتو، ما يعني عادة أنه سيجلس طويلاً…
لكن—
حين عدنا إلى المقهى، لم يكن كوينجي موجودًا.
وحدها إينوشيما كانت هناك ترتشف عصيرها وتحدق في هاتفها.
"هل… دخل الحمام؟"
"…لا. مشروبه غير موجود. مستحيل. لا بد أنه أنهى حديثه معها وغادر في تلك الدقائق القليلة."
"يعني… لن نراه اليوم؟"
"هذا ما خطر لي… لكن لا يبدو أننا بحاجة للاستعجال."
فقد رأينا كوينجي، دون خجل، عائدًا في الاتجاه الذي جاء منه.
"كوينجي-كون!"
"أوه؟ يا فتاة وانغ ويا فتى أيانوكوجي. أتيتما تركضان خلفي مجددًا؟ إنه لأمرٌ مرهق أن تكون محبوبًا هكذا. هاهاها."
يا له من سوء فهم… لكنه على الأرجح أنهى مهمته.
"هل لديك وقت؟"
ومرتبكة من العجلة، تحدثت مي-تشان بسلاسة هذه المرة.
ولم يكن يحمل مشروبه، فربما أنهى شربه بسرعة.
"بالطبع. لقد أنهيت أموري أسرع مما توقعت."
كان قد أجرى لقاءً قصيرًا مع إينوشيما-سينباي. ولا فكرة لدي عما قد دار بينهما.
"هل… أنت يا كوينجي-كون… من وضع أغراض المتجر أمام باب غرفتي حين تغيبت عن المدرسة…؟"
ها هو السؤال الذي طال انتظاره. الداعم المجهول. هل سيعترف؟ هل سيتفاجأ؟ هل سينكر؟
"أنا من وضعها. ولكن… ما أهمية ذلك؟"
أجاب كوينجي بثقة، دون ذرة تردد أو حرج.
أسلوب كوينجي المعتاد… لكنّه كان مفاجئًا.
"أو-أم… لِمَ… فعلت ذلك…؟"
"لماذا؟ حين أرى أحدهم في ضيق، أساعده. أليست هذه صفتك أنتِ أيضًا؟"
"…إه؟"
وبعد جواب منطقي، عجزت مي-تشان عن الرد.
"إن كان هذا يجيب سؤالك، فيمكنك الانصراف الآن، أليس كذلك؟"
لم تعرف مي-تشان ما تقول.
"مهلًا. قد لا يخصّني الأمر… لكن شيئًا ما يثير حيرتي. من الطبيعي أن يساعد الإنسان شخصًا محتاجًا. لكن، بصراحة، مما أراه منك… أنت لا تساعد الجميع. ومع ذلك، ساعدت مي-تشان. وتكرر هذا أكثر من مرة. مما يدل على وجود سبب خاص."
وبأسلوبٍ مراقب، حاولت دفعه قليلًا نحو الإيضاح.
"أنت تختار كلماتك جيدًا، يا فتى أيانوكوجي. لن تدعني أقول إنه كان مجرد مزاج طارئ. نعم، لم أساعدها لمجرد نزوة. أنا أمقت الرياء، لكني لا أحتقر النية الطيبة. وحين أشعر بدَينٍ صادق، فمن الطبيعي أن أردّه. هذا كل ما في الأمر."
كان يتحدث بنبرة تبدو راقية، لكن مي-تشان لم تفهم شيئًا. بدت ضائعة تمامًا.
شيء واحد كان واضحًا: لم يكن يملك أي مشاعر رومانسية مفاجئة تجاهها.
"هل انتهينا؟"
وهنا فقط استعادت مي-تشان قدرتها على الحركة من جديد.
"…ل-لا أتذكر أنني فعلت شيئًا لك. لا أظن أنك مدين لي بشيء. ومن كلامك… يبدو وكأنني ساعدتك من قبل…"
وبنبرة مبهمة بين الاعتذار والدهشة، طرحت سؤالها.
ومسح كوينجي شعره بخفة.
"هاهاها!"
ضحك ضحكة عالية.
"وهذا بالضبط سبب عدم حاجتك إلى تذكره. لقد كان أمرًا بسيطًا للغاية. لا يستوجب الامتنان. ولا يزيد ولا ينقص على ذلك."
وكان هذا هو جوهر الأمر. لقد ساعدته مي-تشان مرةً دون أن تدري، وهو يردّ لها المعروف منذ ذلك الحين. وحتى حين تغيبت عن المدرسة، كان يقدم لها المساعدة.
"لا أتذكر شيئًا… لكن… من فضلك… خذ هذه على الأقل."
وقدمت له الحقيبة التي تحتوي على مجموعة المناشف.
"لا أريدها. لا حاجة لشكرك."
"و-وإن لم تعجبك… فلا بأس إن لم تقبلها. ولكن… هل تسمح لي على الأقل بدفع ثمن ما اشتريته لي؟ المبلغ ليس قليلًا…"
"لسوء الحظ، لست بحاجة إلى المال الآن. ولا أريده."
بدت عبارته غريبة.
ولأي طالب عادي، لم يكن فيها شيء ملفت.
لكن بالنسبة لي، كوينجي كان معروفًا بأنه مبذّر.
وكان قد صرّح سابقًا بأنه "لا يبيت المال معه حتى ليلة واحدة".
صحيح أنه قد يقول إنه يدخر الآن، لكن شراءه شاشة تلفاز كبيرة مؤخرًا يوحي بأنه ما يزال ينفق بكثرة.
ولذا ربما كان قوله مجرد حيلة لرفض أخذ النقود.
"و-ولكن هذا يضعني في موقف محرج… أشعر بالذنب… على الأقل… هل تخبرني بما فعلته لك؟"
"آه يا فتاة… أنت معقدة حقًا. ألم أقل؟ إنه أمر بسيط لا يحتاج إلى تذكر. ليس أكثر ولا أقل. ولا يوجد ما يقال بعده."
يبدو أن مي-تشان استنفدت كل ما يمكن قوله.
وبانكسار طفيف، انحنت مجددًا في اعتذار.
"هل يمكنني الذهاب الآن؟"
"ن-نعم."
"أريد سؤالك على انفراد." قلتُ له.
"لا أحب أن يحظى الرجال باهتمامي… لكن يبدو أنك شديد الفضول يا فتى."
"الأمر مهم. لو كنت تشعر بالامتنان، فقد تتعاون مع الفصل مستقبلًا، صحيح؟"
"هذا كلام فارغ يا فتى أيانوكوجي. الفصل يحتاجني لكي يفوز، ولأجل ذلك يجب أن تظهروا حسن النية نحوي. وذلك هو الرياء بعينه."
فهمت الآن… فهو لا يقبل أي عمل فيه نية للحصول على مقابل.
"طالما أننا نعيش وفق قواعد هذه المدرسة، فلن تكون هناك نية طيبة حقيقية. أأنا مخطئ؟"
"ربما."
"وأنت تعلم هذا جيدًا. لا يمكنك كسب ولائي. لا أنت، ولا أي أحد."
"صحيح. حاولت كثيرًا، ولم أجد طريقة مؤكدة لانتزاع تعاونك الكامل."
"هذا طبيعي. لن أتغير حتى أتخرج. وبعدها أيضًا. مهما اجتهدتم، لن تصل حِيَلُكم إلى قلبي، ولا حتى أنت."
"وماذا ستفعل في الامتحان الخاص القادم؟ ماذا لو قررت هوريكيتا ألّا تحميك؟ احتمال نكثها وعدها ليس صفرًا. قد تجد نفسك مهددًا بالطرد في موقف لا يمكنك تفاديه مهما احتججت."
كان بإمكاننا تهديده وإجباره.
"دافعت عن نفسي دائمًا. وببساطة… سأفعل ذلك مجددًا."
بمعنى أنه يثق بأنه قادر على النجاة دون حماية أحد.
"حسنٌ. سأخبر هوريكيتا إذن أنه لا حاجة لحمايتك."
وجود طالب واحد أقل يحتاج للحماية يمنح الفصل أفضلية.
ولم أظن أن هوريكيتا ستخونه.
"افعل ما تشاء. وفي كل الأحوال… لا فائدة من محاولة إلزامي بشيءٍ لا أرغب فيه."
وكان كوينجي، كما هو دائمًا، كالصخرة الثابتة، لا يهتز مهما حاولت.
وإن كان هذا حاله… فقد يكون الأنسب استغلال الوضع واستبعاده.
فقدرات كوينجي الاستثنائية كانت سيفًا ذا حدين.
وحسب تفاصيل الامتحان القادم، قد يشكل عبئًا على هوريكيتا.
ولو كنت أنا قائد الفصل… لكان كوينجي عبئًا زائدًا.
قواعد جزيرة الاختبار لم تشمل إلا هوريكيتا وأنا، ولم يكن لأي طرف ثالث تدخل.
ربما يكون التخلص منه خيارًا… لكن—
"ولكن…"
وهنا تغيرت نبرة كوينجي فجأة، وتصلبت نظرته.
"إن حاول أحدهم عزلي… فمن الأفضل أن يكون مستعدًا."
هل قرأ أفكاري؟ لا… إنه حدسُه الوحشي.
"مستعدًا؟ أتساءل ماذا قد تفعل."
"هذا جزء من المفاجأة."
لم يكن الأمر مجرد تهديد لطالب واحد.
بل تهديد لشيء قد يمسّ وضع الفصل نفسه.
"هل ستفتح ذلك الصندوق؟ قد يجعلك تعيد تقييم مبالغتك بثقتك."
"أنا لا أنوي ذلك. والقائدة هي هوريكيتا."
"كما تشاء. لديّ مواعيد الآن، فيجب أن أذهب."
لم أفهم لماذا استخدم كلمة غريبة للإشارة إلى "مواعيده"، لكن الأرجح أنه لن يتحدث معي قريبًا.
وبعد عامين في نفس الفصل… ما زال كوينجي لغزًا.
كان تحديًا حقيقيًا… لكنه تحدٍ لا بد من حمله حتى النهاية.
"آه، أم… أيانوكوجي-كون."
"آسف. أردت فقط سؤاله عن بعض الأمور الغريبة، وتحمست قليلًا."
اعتذرت بخفة لمي-تشان التي تركتها تنتظر.
"لا بأس، لكن… أم…"
"ماذا هناك؟"
"لا… لا شيء."
أظن نبرتي التي بدت مهددة قليلًا لكوينجي أثارت ارتباكها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
مشاهدات زيادة تعليقات او دعم بالذهب يعني فصول اكثر اعزائي القراء.