إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 2

اقرأ إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

عاد البشر. ولم يكونوا صيادين هذه المرة. وكان بينهن نساء وأطفال، ومعهم رجال. وارتدوا بدل جلود الحيوانات أقمشة منسوجة من النبتات، مصبوغة وملونة. وأخشى أنني كنت مهتمة بملابسهم في ذلك الوقت، فلم أعر سبباً وجودهم اهتماماً يُذكر. وعرفت بعد ذلك بكثير، أنهم طُردوا من وطنهم. فوصل حاكم جديد إلى السلطة بحد السيف، وأخذ يذبح كل من ظل مخلصاً للقيادة السابقة. فرأت عدة أسر رفيعة المقام نذر الهلاك ففرت. غير أن الحاكم الجديد لم يرغب في تركهم يفلتون، فأرسل جيوشه لتعقبهم. ومات كثيرون قبل أن يبلغوا الجبال. وعمَّ كثير من الأسى. وما أبقاهم سائرين هو رؤيتهم ليلاً ضوءاً عظيماً عن بُعد. وكان جميلاً وأزرق، يدعوهم كالنحل إلى الزهور. نعم، لقد أضاءت أشجار زهورِي الجميلة طريقهم. ضوء في أشد ساعاتهم ظلمة. وما زلت أحب تذكر ذلك. راقبتهم في البداية فقط وهم يشقون طريقهم في عمق غابة الجبل. وكانوا حذرين للغاية، لدرجة أنهم لم يجرؤوا حتى على إشعال نار خوفاً من أن يكتشفهم أعداؤهم. ولم أكن أدرك محنتهم، وكل ما عرفته هو أنني أحببتهم كثيراً ولم أرد لهم الرحيل. وكانت خبرتي بالبشر محدودة، لكنني عرفت أنهم يحبون الطعام ويأكلون النباتات كما يأكلون اللحم. فأوعزت إلى أطفالِي الجنيّات، اللائي امتلكن جسداً بخلافِي، أن يشرعن البشر إلى الفواكه والخضروات الطيبة. وكان أطفال البشر هم من قادوا الخطا. ومع أن أطفالِي الجنيّات امتلكن أجساداً مادية، فلم يستطع الكبار رؤيتهن لسبب ما بينما رآهن الأطفال. ولا فكرة لدي عن السبب حتى يومنا هذا. ولعلها طريقة الأطفال في رؤية العالم، لا أدري. وفي مرحلة ما، وصل الجيوش إلى الجبل أيضاً. ونوو الدخول، غير أن أياً من أخي أو أنا لم نسمح بذلك. ولم يكن السبب رغبة أخي في إنقاذ البشر الذين اهتممت بهما. والحق أن هذا لم يكن سبب ردعي لهم أيضاً. فقد تفشت منهم الشرور. وتدفقت منهم على شكل موجات. وحتى تلك اللحظة، لم يقترب أي شر من جبالنا. ولم نعرف ما الشر حتى حطَّ على عتبتنا. وما إن شعورنا به، حتى بلغت كراهيتنا مبلغاً جعلنا نرتجف غضباً ومقتاً. وكانت كراهية فطرية. ولن نسمح للشر بدخول دارنا أبداً. وتلبَّس الصيادون والأسر الفارّة شيئاً من الشر أيضاً. فالبشر كلهم كذلك. يولدون ملطخين بالشر. غير أن الخير يمسُّ البشر أيضاً. وخيرهم قوي للغاية، لدرجة يكفي فيها لطمر الشر. وإن حذر البشر، قادهم الخير إلى الخلاص. وإن حمقوا... ...فإنهم يلقون مصير ذلك الجيش. ومع أنني لم أدرك ذلك حينها، فإن كثيرين من البشر حمقى. ولم يكن الجيش استثناءً حقاً. وكان الصيادون والأسر الفارّة هم الاستثناء. وغالباً ما يهمل البشر الخير لقاء ملذات الشر السريعة والسهلة. لكنني لم أعلم ذلك آنذاك، وظننت أن البشر أخيار بطبيعتهم عموماً. وعلى أي حال، لم ندع الجيش يدخل. فنحن أرواح، ولا جسد مادي لنا، لكن هذا لا يجعلنا ضعفاء. فالجبل جسدنا، وكائنات ما عليه أيدينا وأرجلنا. وحين حاول الجيش الدخول، سعت كل كائنات الجبل حية وميتة لردعهم. ومن أسود الجبال إلى الثعابين، ومن النحل إلى جذور الأشجار، بل وتراب أقدامهم ذاته، أعاقهم. وقاتل أطفال أخي الجنياتُ الجيشَ مباشرة، مستخدمين أيديهم وأسنانهم كالحيوانات لقتلهم. وقاتل بعض أطفالِي الجنياتِ أيضاً، لكنَّ أكثرهم مكث مع الأسر المختبئة في الغابة. فقد أحبوا أطفال البشر الصغار، ورأوهم خائفين فأرادوا تهدئتهم. ومات رجال كثيرون ذلك اليوم، وتخضبت الجبال بدماء البشر للمرة الأولى. وانسحب الجيش في النهاية، صائحين بأن الغابة التي دخلوها ملعونة ومليئة بالشياطين. ولابد أن دمار الجيش كان كافياً لإقناع حاكمهم الجديد بصحة أقوالهم، إذ لم يقترب أحد من ذلك البلد من الجبال قط بعد ذلك. وبلغ رأي أخي في البشر قاعاً جديداً ذلك اليوم. ولم يخفف من مخاوفه لقاؤنا بالعديد من البشر الذين لم يستسلموا لمثل هذا الشر في الماضي. وكفاه أن يكون بمقدورهم، في أي وقت، الاستسلام التام للشر. وأقلقه احتمال ارتكاب مثل تلك الدناءة وطاقتها. ولم يرد حتى احتمال وقوع هذا النوع من الأمور في داره. ووجه عينيه نحو الأسر التي كان أطفالِي الجنيّات يحمونها. وأراد قتلهم، آخر فرد منهم. وحتى الرضع الذين وُلدوا بمعجزة ما ونجوا من المسير الطويل نحو جبالنا. وللمرة الأولى، وقع بيني وبين أخي خلاف جاد. ولم نستطع التوفيق بين وجهتي نظرنا. فقد نظر إلى البشر بخوف، ونظرت إليهم بأمل. وفي النهاية، لم يمنع ذبحهم سوى حبه لي. وتوسلته حقاً، متوسلة لم أعهدها من قبل، أن يعفو عن حياتهم. ومن أجلي، كفَّ يده. ولم يحب ذلك، لكنه لم يستطع الرفض أيضاً. كنا أخاً وأختاً. الروحين الوحيدتين من نوعنا في العالم بأسره. وتداللنا كثيراً بسبب ذلك. وكانت هذه إحدى المرات التي دللني فيها أخي، رغم معارضة منطقه. فبقي البشر إذن. وصرت أنا وأطفالِي الجنيّات الصغار نراقبهم. وليست الجبال مكاناً يسهل العيش فيه في الظروف العادية، وقد زاد الأمر سوءاً بالنسبة إليهم استحالة صيد الحيوانات. ولحل هذه المشكلة، هديتهم إلى الجداول والبرك والأنهار. ولم يُعِر أنا وأخي اهتماماً قط للأسماك وكائنات الماء الزاحفة، لذا لم تكتسب أي ذكاء. وكانت المنفعة الوحيدة للأسماك هي وجودها في جبلنا، فامتصت قوتنا من الماء نفسه. وجعلها ذلك أقوى وأكبر وأصحَّ. ومثالية للأكل، وهو ما ابتهجت له الدببة، لا غير ذلك. ودجَّن البشر أيضاً العديد من الكائنات المختلفة: الماعز الجبلي والضأن، للحليب والكساء. والياك للأحمال الثقيلة. والبط والإوز للبيض والريش. وحين تكبر هذه الحيوانات في السن أو تُصاب ب إصابة بالغة، عندئذ فقط يقتلونها ويأكلونها. واعتُبر هذا قتلاً رحيماً، من قِبل الحيوانات والبشر على حد سواء. وأدركوا سريعاً أن شيئاً ما يساعدهم على النجاة. فرأى أطفالهم أشياء أو سمعوها، وكانت لديهم معرفة بالجبال لم تكن طبيعية. وكانت الجنيات، كما أسماهن البشر، تساعدهم. فقد طردت الجنيات الجيش، وهدتهم إلى الطعام والماء النظيف. ولم درِ الكبار من البشر سبباً لجذبهم لمثل هذا الود من الجنيات، اللائي كن يُنظر إليهن في وطنهم بوصفهن أرواحاً خبيثة، لكنهم حرصوا ألا يفقدوه. وأخبر أطفال الجنيات أطفال البشر عني بكل شيء، وعن مدى جمالي وقوتي، وكيف أن الزهور الزرقاء التي توهجت ليلاً صُنعت بيدي. بل إنهم سمَّوني “أُمّاً”، ما إن أدركوا ما يعنيه ذلك بين البشر. وأخبر الأطفال آباءهم بطبيعة الحال. وما إن سمع الكبار بذلك، حتى أول ما فكروا به هو عبادتِي ملكةً. لكني لم أسمح بذلك. وحين نحتوا لي تماثيل من الخشب ثم انححنوا لها، رأيت الشر ينمو في قلوبهم وبعث القشعريرة في روحي. ولم أفهم ما تعنيه الملكة آنذاك، لكن أي شيء يُنمي الشر في البشر ينبغي ألا يُشجَّع. وتجاهلوا تحذيراتي عبر الجنيات، فوجدت أكبر دب على الجبل وأوعزت إليه بتحطيم تماثيل الخشب القبيحة ومطاردة من صنعوها. وكلما حاولوا هراء العبادة ذاك، استدعيت الدب العملاق لمعاقبتهم. ولم يمت أحد أو يُصَب بأذى بليغ، لكنه زرع فيهم رعباً شديداً. وبعد ذلك، أنصت الكبار للأطفال، وتبعاً لهم للجنيات اللائي حذروهن من محاولة عبادتِي ملكةً. ومع ذلك، ظل الكبار غير راضين. لذا فلن تسمح أمُّ الجنيات بالعبادة، بل ينبغي إبداء بعض علامات الاحترام. فهي أرضها، ومن نعمها عاشوا بعد كل شيء. وبعد كثير من الجدال والنقاش، أضفوا عليّ اسم شيويين (الزهرة الجميلة) وسمَّوني بخشوع إمبراطورة الجبال الزرقاء، وأمَّ الجنيات، وحارسة الأضواء الزرقاء. وإن ظنوا يوماً أنني قريبة، جثوا على ركبهم وانحنوا، متمنين لي طول العمر مرات متتالية. ووجدت الأمر برمته غريباً، سيما إن انحنوا في الاتجاه الخاطئ أو حين لم أكن موجودة أصلاً. ولم أطلب مثل هذا الاحترام قط، ولم أفرضه يوماً، لكنهم فرضوه عليّ بغض النظر عن ذلك. غير أنني أحببت الاسم، وسميتُ نفسي به منذ ذلك الحين. وفي الوقت الذي كنت أتعلم فيه شتى الأمور الرائعة من البشر، أبقى أخي مسافة بينه وبين قريتهم. ولم يكن يحبهم وكان لا يزورني إلا إذا فارقتهم لفترة لأعتني بأشجاري، عادة في الربيع. وحين أخبرته باسمي المكتسب حديثاً، لم يجد جدوى منه. فلم نحتج لأسماء من قبل، فلماذا نتحمس لها الآن؟ وثم شاركتُه مفهوم البشر عن العائلة، وكيف أنني وهو مثل ذلك: أخت وأخ، عائلة. و ظننت أن ذلك سيلفت انتباهه على الأقل، لكنه بدا مستاءً عوضاً عن ذلك. وحين سألته عن السبب، ارتبك وقال في النهاية إنه لا يعلم حقاً ثم غادر بغضب. ولابد أن حيرته كانت عارمة، إذ لم أره لفترة طويلة بعد ذلك. تلك كانت المرة الثانية التي شككت فيها في معاناة أخي من مشكلة. ومثلما يدجن البشر الحيوانات، دجنت البشر. ولم يكن ذلك مقصوداً في البداية. وكنت أعترض غالباً لأنني وجدت علاقات البشر مؤثرة للغاية وأردت المساعدة حيث استطعت. غير أن أطفال البشر الذين رأوا الجنيات لأطول فترة كانوا أسهل في التعامل، وأكثر تقبلاً لأفكاري. ومع مرور الوقت، أدركت أنه عبر قرن أولئك الذين امتلكوا “رؤية الجنيات” طويلة الأمد ببعضهم، سيرى أطفالهم جنياتِي لفترة أطول. وكان ذلك على فترات قصيرة للغاية، لا يكشفها البشر الذين عاشوا حياة قصيرة، لكنني لاحظت ذلك. فشرعت أفعل ذلك عمداً إذن. كما هذبت أرواحهم مثلما هذبت أشجاري. ولاحظت أن البشر امتلكوا أرواحاً مرنة للغاية، وفيها مساحة واسعة للنمو. ولسبب ما، لم يدركوا ذلك بأنفسهم. فالروح القوية تقاوم الشر، وتمنحهم حياة أصحَّ وأطول، لذا بدا تعزيز أرواحهم فكرة حسنة أيضاً. وفي أحلامهم، أو حين يتأملون، كنت آتي وأحركهم هنا أو هناك. انتبهوا إلى هذا، ركزوا على ذاك، احصروا الفكر هناك... ولم أكن أملك اسماً لما كنت أفعله، لكنهم امتلكوه. ومزجوه بمعتقداتهم، وهو شيء يُسمى “شيا”، و”تشي”، وحتى “الفنون الغامضة”. وتُسمى التعاليم النابعة من ذلك فنون جبل الزهرة الزرقاء، وسمى من ركزوا على الجوانب القتالية الأكثر دموية أنفسهم طائفة جبل الزهرة الزرقاء. ولم أكن أتوقع نشوء وحدة قتالية، لكنني أحببت شغفهم ومثابرتهم. وعلى أي حال، حموا الضعفاء من المجتمع وكانوا كرماء. وكانت قلوبهم طاهرة جداً وليس للشر مكان فيها، فلم أجد حاجة لردعهم. وحدث أمر غريب للغاية بعد أجيال من تدخلي، فتحولت أعينهم إلى اللون الأزرق وصاروا يرونني. وصاروا وثيقي الجمال أيضاً، بجمال وقوة خارجين عن المألوف تقريباً. وكانت العيون الزرقاء والمظهر البديع متلازمين دوماً، ولا فكرة لدي عن السبب حتى يومنا هذا. وكان البشر الذين بدأت معهم، مقارنة بذلك، صغاراً وبُسطاء وهشين إلى حد ما. شعر أسود مسترسل، وعيون بنية ضيقة، وبشرة سمراء خفيفة. وما ميزهم فقط هو وجوههم المستديرة اللطيفة وإحساسهم الخيالي بأسلوب الملابس والحلي، وهو ما أحببته كثيراً وشجعته أينما استطعت. وحين سادت العيون الزرقاء، طال قوامهم، وغدوا أقوياء للغاية، وشرع شعرهم وبشرتهم يكتسبان ألواناً متباينة للغاية. فتمتعوا أحياناً ببشرة شاحبة للغاية، وأحياناً بأسْمَر داكن. وقد يكون شعرهم أبيض، أو أشقر، أو أي عدد من الألوان. وكانت التركيبات لا نهائية، وأحببت ذلك كله. وكم أشبهوا زهوري في تلك اللحظات. وأما العيون... فلم تكن عيوناً زرقاء عادية. بل كانت تشبه أشجاري المزهرة: فقد كانت تتوهج. وأعتقد، رغم أنني لا أعلم يقيناً، أن أجيال العيش على الجبل وقربي المستمر منه لم يؤثرا على أجسادهم فحسب بل على أرواحهم أيضاً. فغدوا أشبه بأطفالِي الجنيات، وصاروا يرونني لذلك. وحينها، كنت قد بدأت بالفعل في اتخاد هيئة بشرية. ومع أنني كنت روحاً، ولم أظن قط أنهم سيرونني، فقد أردت أن أبدُو شبيهة بالبشر قليلاً لمتعتي الخاصة. ووُصِمتُ بالأنوثة، فتقمصت أروع مظاهر نساء البشر اللائي راقبتهن. بل ومنحت نفسي ملابساً، متبدلة إياها باستمرار لمسايرة أحدث الصيحات. باختصار، كنت رائعة. ومؤسف أن أول من رآني كان طفلاً فحسب. ولو كان بالغاً، لتركته عاجزاً عن الكلام. وكما كان، اكتفى الطفل بإصدار هديل سعيد لي. وأحببت ذلك الطفل الصغير. لقد كان أول من رآني، ولمحني مهما بلغ به العمر. ومع أنني راقبت البشر لفترة طويلة جداً، فقد حافظت دوماً على مسافة علمية ما منهم. لكنني الآن بعدما رُئيتُ وسُمِعتُ، بات الأمر شخصياً. وهديت ذلك الصبي الصغير حتى بلغ الرجولة. ونظراً لكونه الأول، اعتُبر مميزاً. ومُنِح مكاناً شريفاً مع الطائفة والمجتمع. وبختصار، صار القائد. وشاخ ببطء شديد، لدرجة أن أهله وأصحابه ماتوا جميعاً قبله بكثير. ورأيت بشراً يموتون من قبل، لكنني الآن بعدما صارت لي صلة شخصية بمن ماتوا، أدركت فجأة ما يعنيه الموت حقاً. بالمفهوم البشري. وندبت معه كل راحل. ليتني علمت حينها بما أعلمه الآن. فقد كان شخصاً عادياً في باطنه. ورغم مظهره وقوته وقدراته، كان رجلاً بسيطاً للغاية في الواقع. فبيت، ووجوه مألوفة، وشخص ليضمه، كان كل ما أراده حقاً. وحين دفن حفيد حفيده، الذي مات بالشيخوخة، دون أن يبدو عليه كمن جاوز الثلاثين، لم يعد يطيق احتمال ذلك. فرحل. ليس عن الطائفة أو المجتمع فحسب، بل عن الجبال. وشعرت باختفائه عن الجبل. ولم يكن هناك ظلام ينمو في داخله، لذا علمت أنه لم يرتكب شراً بحقي. لكنني تمنيت لو أنه ودعني أو شرح سبب رحيله بالتحديد كي لا أقضي وقتاً في التخمين. وفي ذلك اليوم، بكيت أنا، الروحُ. وكان أسى طاغياً لدرجة أن أخي انتبه إليه. وصار يقل تردده لرؤيتي بسبب مقدار ما غيرته من نفسي. لكن المسافة لم تضعف صلتنا الأسرية. وحين انكسر قلبي، شعر بذلك. وحين حاولت شرح سبب ألمي، لم يستطع الفهم. ولم يمثل البشري له سوى طائر، بل كان أشد تهديداً بكثير. وإن رحل أحدهل، فهذا أمر حسن تماماً من وجهة نظره. لكنه، في لحظة نضج مفاجئة، لم ينطق بأفكاره. واكتفى باحتضاني وتركني أبكي. وكانت تلك إحدى المرات الأخيرة التي كان فيها رفيقاً بي. وقد علمت حقاً، ما جرى لصديقي البشري الأول. فارتحل في العالم، متمسكاً بإحساسه الخاص بالعدالة. ولم يقم في مكان واحد طويلاً، لكن كثيرين اهتموا بفنونه القتالية وحاولوا أن يصبحوا تلاميذه. فقلدوا ما رأوه، آملين في نيل ذات الطول في العمر. ولا أدري إن كان قد اتخذ تلميذاً قط، إذ يزعم كثيرون أن طوائفهم القتالية بدأت منه مع أن الأمر لم يكن كذلك بوضوح. وانتشرت تعاليم طائفة جبل الزهرة الزرقاء بحرية بين السكان بغض النظر. ولم تكن قط نظاماً عقائدياً سرياً في الأساس. فتحولت وتبدلت مع مرور الوقت، خالقة أساليب قتالية وفلسفات لم أتخيلها قط. واختفى صديقي. ويقولون إنه «صعد» إلى مرتبة الملوك، لكني لا أدري. فقد يكون مات ببساطة أيضاً. فلم يكن خالداً. وجل ما يقال عنه مجرد أساطير وخرافات، ومن الصعب التثبت من الحقيقة خلف تلك الحكايات. وآمل، أينما كان، أن يكون قد عثر على السلام. لقد كان الأول، لكنه لم يكن الأخير. وشرعت الأجيال المتعاقبة تُظهر ذات صفاته. وسرعان ما وُلد أطفال بعيون زرقاء أكثر ممن لا يملكونها. لدرجة أن العيون البنية العادية أصبحت منبوذة من الكثيرين. وكانت مكافحتي المستمرة لمنع أولئك الأطفال الصغار الأحباء ذوي العيون البنية من التعرض للتنمر. وعلى الأقل، حظي أصحاب العيون الزرقاء بأطفال آخرين يشبهونهم في النهاية. فسيعيشون حياة مديدة، لكنهم باتوا يملكون رفقاء الآن. ولسبب ما، أنجب من عاشوا طويلاً أطفالاً أقل. وتقلص حجم المجتمع بسبب ذلك واستقر في النهاية. وغدا بيتا الطفلين هو المعتاد، ما لم يولدوا بعيون بنية. وعندئذ ينجب الوان طفلاً آخر، علماً بأن صاحب العيون البنية سيعيش حياة قصيرة ويحتاج إلى بديل. أطفالي ذوي العيون الزرقاء، لماذا أنتم قساة القلوب هكذا؟ تمنيت لو أنهم كانوا ألطف قليلاً. ورغم مساعي الحثيثة، بدأ الأطفال المولودون بعيون بنية يغادرون الجبال. فقد علموا أنهم لا ينتمون إليها والتقدم في السن بهذه السرعة مقارنة بالجميع كان محبطاً للغاية. ومن رحلوا أسسوا قراهم وبلداتهم قرب قاعدة الجبال. ووجدوا بشراً عاديين وتزوجوا منهم. وأنجبوا أطفالاً أكثر بكثير، فانفجر تعدادهم السكاني ما لم يضرب مرض أو كارثة. وسرعان ما فاقوا أقاربهم المغرورين ذوي العيون الزرقاء عدداً. واتسمت نظرتهم لقرية الجبل بالمرارة والشوق في آن. فقد كرهوا النبذ لما لا يملك إياه سيطرة عليه، بينما تمنوا ينابيع حارقة لو أنهم وُلِدوا بشكل مختلف. ولهذا جاءت الحكايات التي رووها عن الجبال، والجنيات، وحتى عني مشوهة للغاية. وعند هذه النقطة، أدركت مفهوم الوقت. وانقضى الكثير منه منذ أن طردنا ذلك الجيش الشرير عن الجبل. فشرعت أدون كل ما أستطيع تذكره، وكل الدروس التي تعلمتها، لأنني اكتشفت أن البشر يحبون تدوين الأشياء. وأنشأت بيتاً كفجوة صغيرة لأخزن فيه مذكراتي وكل ما جمعته من أشياء تافهة وجميلة من البشر طوال السنين. وحين تعثر مسافر ضال يوماً عند عتبتي، أخذته وساعدته على التعافي قبل إرساله في طريقه. ولم يكن شخصاً من قرية زهرة الزرقاء، بل كان فرداً عادياً. ولم يستطع رؤيتي، لكن روحي كانت متكاثرة جداً في الفجوة لدرجة جعله يدرك وجود شيء هناك. وتحدث عن أمور لم أسمع بها قط، بلهجة لم أصادفها من قبل. وأحببت سماعه يتحدث تماماً، متخيلة عالماً خارج الجبال من خلال كلماته. ومنذ ذلك الحين، جعلت بيتي الصغير في الفجوة محطة استراحة للضالين. فجوة مسافر. ويمكن لأي عابر للجبل بلا نوايا خبيثة، التوقف عندي للاستراحة إن احتجوا إلى ذلك. واستخدمت قوتي لسحر درب يقود دائماً إلى مكاني، مهما بلغت المسافة التي بدؤوا منها بعيداً عن المدخل. ووصل عدد مدهش من المتنزهين الضالين إلى عتبة بيتي. ولم استطع استجوابهم مباشرة، لكنني حصلت دوماً على معلومات عن العالم خارج الجبال بغض النظر. وظننت أُحسّن بيتي الصغير، فتوفر دائماً طعام وماء وبطانية دافئة ليتلفعوا بها. وما ظننت قط أن شيئاً سيتغير. حقاً. وحين حل التغيير، كان مباغتاً للغاية. وهجم أخي بغضب عارم. واهتزت الجبال لغضبه حقاً، ومتأكدة إلى حد ما من ثوران بركان في أقصى الشمال. وسارعت فوراً لأرى ما الخطب. فقد مات أيلُه المحبوب. وأصرَّ على أن بشراً قتله بخبث. وحين ذهبت للتحقيق، وُجد بالفعل أيل (صار ميتاً الآن) مغروسة فيه سكين طويلة من صنع بشري واضح. لكن عند المعاينة، لم يكن الأمر سليماً. فقد طعن البشري الأيل في القلب، بقدر مدهش من الدقة. وكان الموت سريعاً، شبه فوري للأيل. فكيف اقترب هذا البشري من الأيل هكذا؟ ما كان يجب أن يكون ذلك ممكناً. حتى أطفالي ذوو العيون الزرقاء عانوا للاقتراب من أحد أيلة أخي. وبدا الأمر كأن الأيل سمح لهذا البشري الغريب بالاقتراب منه. في الواقع، بدا بشبهة واضحة أن الأيل أراد الموت، وأنه سمح للبشري بقتله عمداً. وأين البشري القاتل المزعوم؟ استشعر أخي موت الأيلة فوراً تقريباً، ومع ذلك لم يبقَ حتى خصلة شعر من البشري. وما كان ينبغي أن يكون ذلك ممكناً أيضاً. أفعِل الأيل شيئاً قبل أن يموت، ليسمح للبشري بالهرب؟ كانت ظباء أخي قوية وحكيمة جداً، لذا فمن المحتمل جداً أنها فعلت. وحين ذكرت ذلك، لم يصدق أخي. ما السبب الذي يدفع الأيل إلى الرغبة في قتل نفسه؟ ألم يعتنِ به ويهتم به عمداً؟ لكنني عرفت السبب. فقد كان ذلك الأيل عجوزاً جداً. وحتى مع صب أخي قوته فيه، أدركه الشيخوخة. ولم تكن الظباء مصممة لتكون بهذا الذكاء أو تعيش كل هذا العمر. ومثل صديقي البشري، كم من بني جنسه ودع؟ وعلى عكسي، لم يدع أخي الأيل يرحل ويسمح له بموت طبيعي. وهذه الفكرة القائلة بأن الموت يأتي لكل المخلوقات الفانية، وأنها قد تتشوق له بعد حين، لم تلق قبولاً لدى أخي. وأكثر من ذلك، غضب مني لأنني “انحزت إلى البشري”، رغم أنني لم أكن أفعل شيئاً من ذلك القبيل. وكنت أشير فحسب إلى وجود عيوب في اتهاماته. ولم تفد محاولة الشرح أكثر، بل زادت الأمور سوءاً. فاتهمني بأنني بشرية أكثر مني روحاً. وأن كل ما احتجت إليه هو جسد ولن يتمكن أحد من ملاحظة الفرق! ورفضت بالطبع! لا أدري كيف، ولا أعلم حقاً، لكن غضبه تحول نحو قرية الزهرة الزرقاء. ولم يكن البشري الذي قتل الأيل من هناك حتى، إذ لم تكن السكين من تصميماتهم، لكن أخي جمع كل البشر معاً لسبب ما. ولم يستطع التفرقة بينهم. وبقدر ما يعنيه الأمر، كانت قرية الزهرة الزرقاء مذنبة لمجرد كونها بشرية، وبالتالي فهي مرتبطة بالقاتل (مهما كان بعيداً). وحينها أدركت، بلا أدنى شك، أن أخي قد جنَّ. وإن سألتني متى بدأ ذلك، فربما حين ظهر أولئك البشر الأوائل. وأما عن السبب... فأظن أنه كان غيوراً. فقد أحبني ولم يرد مشاركتي مع أحد. وأحب الأيل، لذا لم يرغب في تركه يقط. والمشكلة أن هذا النوع من التملك متجذر في الشر في الواقع. أن تكره الشر وتفعل الشر، هذا التناقض هو ما لا يقوى عليه سوى البشر مع بقائهم عقلاء. وربما كان ذلك هو السبب الحقيقي لبقائه بعيداً عني طوال تلك السنين؛ فقد علم أن شيئاً ما كان خاطئاً لكنه لم يستطع التحكم في ذلك حين كان قريباً مني. وهرب إلى ظبائه، ظاناً نفسه آمناً، ليقوموا “بخيانته” هم أيضاً. وفي النهاية، قاده ذلك إلى الجنون. فاندفع نحو قرية الزهرة الزرقاء، ناوياً تدميرها وذبح كل فرد فيها. فأرسلت أطفالي الجنيات مقدماً، آمرة إياهم بإجلاء الجميع. واستطعت منع أخي لفترة، لكن ليس للأبد. ومع زوال عقله، بات أخطَر من المعتاد. وأقصى ما استطعت فعله هو إتاحة الفرصة لأطفالي ذوي العيون الزرقاء للهروب. ومن البديهي أن منعه من إشباع شهوته للدماء لم ينفع بشيء. وبدا قتالنا مرئياً على امتداد أميال. ورغم كون طائفة جبل الزهرة الزرقاء أقوى مجموعة قتالية في العالم، فقد جبنوا حتى من صوت ضرباتنا. وأمام قوة الجبل ذاته، لم يملكوا سوى حني رؤوسهم والفرار. واستمر المعركة لأيام. لقد كان سيفاً، وكنت الدرع. ومهما طعن وطعن، لم أتحرك. لكن مهما كنت غير قابلة للزحزحة، لم أستطع الهجوم. وكنا في مأزق. ولم يبقَ سوى عائلة صديقي البشري الأول. ولا أعرف من أين أتوا بتلك الفكرة السخيفة، لكنهم قرروا البقاء والتضحية بأنفسهم من أجلي. بل وحاولوا قتال أخي بالفعل. فقد استطاعوا رؤيته بوضوح قدر رؤيتهم لي بعد كل شيء. وأخي، الذي لم يعِر أي اهتمام لأي شيء أخبرته به لسنوات، فوجئ. ولم يعلم أن البشر يستطيعون رؤيته. ووجهوا إليه بضع ضربات بالفعل قبل أن يدرك ما يجري. ولكن بالطبع، شبَّه ذلك بتلقي طفل ركلة على ساقه. وكان صادماً، لكنه لم يحدث ضرراً كبيراً. فركز عليهم فوراً، لقتلهم أمامي مباشرة. وما استطعت السماح بذلك. لذا فعلت شيئاً لم أفعله قط، فحتى تلك اللحظة لم أكن أعلم أنني أستطيع فعله. فتقدمت بسرعة وضربت أخي. بقوة. وصدمنا ذلك كلياً، وتسمرنا للحظة. ثم شرع ينوح، صرختاً خارقة لم أسمع مثيلاتها قط وأرجو ألا أسمعها مرة أخرى. ونظر إليَّ، وبغضب مشوب بالأسى، صاح: "أتجرؤين على ضربي؟ أتجرؤين؟ ألم تسميني أخاً؟ ألم تقولي إني عائلة؟ ومع ذلك ترفعين تلك اليد الشبيهة بالبشر لضربي! أهذا ما فعله بك التشبه بالبشر؟ جعلك عنيفة؟ لم توجدي قط للضرب، أو الإيذاء، بل للدفاع فحسب! تلك طبيعتك الوحيدة والحصرية! انظري إلى ما شوهاكِ إليه! وكيف لوثوكِ! وإن كنت أختي حقاً، فاختاري! هم أم أنا! بمن تهتمين؟!" وبعد مراقبة أجيال من أطفال البشر الصغار، عرفت بالضبط ما كان هذا: نوبة غضب. فقد ظل يضربني بعنف لأيام بلا مبالاة، وأضربه مرة واحدة فيتصرف كأن الأمر نهاية العالم. وأخشى أنني فقدت أعصابي في تلك اللحظة. "إن كنت تريد معرفة حقاً، فأنا أفضل عيش البشر اليوم على العيش معك!" آه، لقد كانت تلك الكلمة الخاطئة. وحتى الآن، أتمنى لو صغرتها بشكل مختلف. ليس لأنني توقفت عن حب أخي، بل كنت غاضبة فحسب. وكان بغيضاً جداً، لذا لا أظن أن أحداً يمكنه لومي. "تفضلين البشر عليَّ؟ تفضلينهم... عليَّ... آه! آه!! هاهاهاها! حسن إذن! ابقي مع بشرك! مع أولئك القردة الصغار القذرين! من يحتاجكِ! وإن خطوتِ خطوة واحدة أخرى على هذا الجبل، فأقسم به—" "—أخي، لا!" "—سأقتل آخر بشري. حتى أولئك عند سفح الجبال، وحتى من هم بعيدون جداً لدرجة لا أستطيع استشعارهم. وسأثور كل بركان في سلسلة الجبال، حتى يثخن الهواء بالسم ويهطل على محاصيلهم ومنازلهم، ويملا ماء شربهم. ومغطين بالرماد، سيموتون. آخر. فرد." وهناك أمر ينبغي أن تعرفوه عن الجنيات، وعنا نحن الأرواح. فنحن مقيدون بكلمتنا. وليس لأن الكلمات تمتلك قوة، بل لأنها تعبر عن واقع. وإن قلنا شيئاً، فإننا نعنيه. ولا نستطيع الكذب أو تحريف الحقيقة. وإثارة كل بركان في السلسلة يشبه ارتكاب الانتحار. فلن يقتل البشر والحيوانات والنباتات فحسب، بل من المرجح جداً أنه سيقتلنا نحن أيضاً. فبعد كل شيء، كنا الجبال. وإن دمرها، فقد نكفُّ نحن الاثنين عن الوجود تماماً. وخيارِي هو الانسحاب الفوري من الجبل، مع كل بشري، أو المكوث هناك وجعل أخي يدمر نفسه حرفياً. ولقد جن جنونه حقاً. وما استطعت إنقاذه. وما استطعت إقناعه بالمنطق. لذا فعلت الشيء الوحيد الممكن: رحلت. ولحسن حطّي أنني روح، فلم يتطلب الأمر سوى وثبة واحدة لإخراجي من الجبل. وعرفت تماماً أين تنتهي سلسلة الجبال أيضاً. واستطعت شعور بانقطاع صلتي بها. ومنذ ذلك الحين، كانت القوة الوحيدة التي أملكها هي ما بداخلِي. ولم أستطع تجديد طاقتي قط. وتبعني أطفالي الجنيات. وكان الجزء من الجبل الذي استمدوا منه القوة هو أنا، لذا لم يكن أمامهم خيار. وفي الوقت ذاته، ما استطعت إعالتهم كما في السابق، إذ لم أكن أملك وصولاً إلى قوة الجبل الهائلة. وباختصار، سيموتون. وسيستغرق ذلك وقتاً، إذ كنت قوية جداً بمفردي، لكنهم سيضعفون واحداً تلو الآخر ويؤولون إلى العدم. هل من جنة للجنيات؟ إن وجدت، فأرجو أن يذهب أطفالي الجنيات الجميلات إليها. فسيكون ذلك أفضل من التحول إلى العدم. وحاولت الجنية المولودة من روح أخي اللحاق بي أيضاً. المسكين الصغير. فلم يستطع المجيء. واستمد قوته من أخي، لا مني. وإن حاول مغادرة الجبل، سيموت فوراً. ولتخفيف معاناته، منحته مهمة: البقاء وحراسة بيت فجوتي. ومساعدة البشر الذين ضلوا. والتواجد لأجل أخي. وإن عاد إلى رشده يوماً، فسيكون الذنب الذي سيعانيه لخطأه جسيماً. وسيحتل رفيقاً ليس جندياً آلياً بلا عقل. ورغم بكائه، مكث الطفل الجني الصغير، واعداً بفعل ما أوعزت به تماماً. ولم أدري كم سيستغرق أخي ليستعيد عقله من جديد. ولم تكن هناك طريقة لي للتحقق واكتشاف ذلك، دون إثارته وربما جعل الأمور أسوأ. لكنني أملت... أملت أن يتذكرني يوماً ما بلا غضب أو غيرة. وأن يتذكر شبابنا ويفكر فيَّ بودّ من جديد. وأصبحت روحاً حائمة.