في تلك اللحظة، داخل حجرة خيالي القس، ظهرت فجأة إشعارات لا تُحصى أمامه، وبدأ أسطول الطليعة بالتعبئة، وخيالي الجحيم وخيالي الرعد وجميع القوات يستعدون لدخول القوس.
راقب خيالي القس التقارير بهدوء قبل أن يضحك ضحكة خافتة، ضحكة خالية من أي مرح.
"أيها الملعون…" ضيّق عينيه. "سواء كنت وحشًا، أو مختارًا، أو بيدق، أو شيئًا أغرب من ذلك…"
اتسعت الابتسامة على وجهه ببطء، "لقد قطعت مسافة كافية بالفعل."
خارج السفينة الرئيسية، بدأت آلافٌ مؤلّفة من السفن الحربية تتحرك في وقت واحد كمدٍ معدني لا نهاية له.
انفتح الحصار المحيط بقارة القوس ببطء، وبدأ الأسطول الأول أخيرًا بالتقدم نحو حجاب الموت، غير مدرك أنه في مكان ما وراء ذلك الضباب، الموت نفسه ينتظرهم بالفعل.
♤♤
القارة الكونية العظمى للقوس، المنطقة الأساسية لأخاديد الهاوية.
بعد المواجهة مع جاكوب، سقط مجال اللاموتى بأكمله في فوضى غير مسبوقة، حيث تدفق اللاموتى الذين لا يُحصون إلى الداخل من كل وادٍ، وساحة معركة، وأخدود، ومستوطنة مدمرة
ابتلعت خلال مسيرة الموت.
تجمعوا كمدٍ أسود لا نهاية له يعود إلى مصدره، وعددهم قد تجاوز منذ زمن طويل المليارات أو حتى التريليونات، وربما أكثر.
استمر وصول للموتى جدد في كل لحظة، حيث سحبت الجثث التي لا تُحصى التي حصدت في جميع أنحاء القوس إلى مجال السقوط واستيعابها في الجحافل المتزايدة باستمرار.
لم تعد المناطق الخارجية كافية، ولم تعد المناطق الوسطى كافية، وحتى المناطق الداخلية الشاسعة بدت غير قادرة على احتواء الحشود التي لا نهاية لها.
من الأعلى، بدت أخاديد الهاوية كتلّة نمل هائلة، مع كل نفق وحجرة تفيض بحشرات سوداء زاحفة.
لكن هناك شيء خاطئ بشدة: ليس هناك انتصار، ولا احتفال، ولا ترقب للغزو، لأن اللاموتى صارو خائفين، وكأنهم يعكسون أفكار سيدهم!
وقف الملايين والملايين في تشكيلات جامدة، وسيطر الصمت المطلق على الأخاديد، ولم يجرؤ لاميت واحد على التحرك دون هدف.
نيران الأرواح التي لا تُحصى تومض بقلق، وكأنها تنتظر، وتخاف من أن شيئًا ما أو شخصًا ما سوف يحطم بوابات مجالهم في أي لحظة.
في هذه الأثناء، ابتلع ضباب مرعب المنطقة الأساسية بالكامل، لكن على عكس ضباب الموت، هناك سلطان آخر يلوح الآن بداخله، الدمار، وكأن القانونين متشابكان معًا.
تدفّق الضباب الأثيري كمحيط حي، غطى أعمق مناطق الأخاديد وابتلع جبالاً بأكملها عن الأنظار.
أي شيء يدخل إليه سيدمر ضمن نطاق السهول الوسطى؛ لا يستطيع شبه الخياليين البقاء على قيد الحياة وسيعانون عواقب وخيمة.
أصبح الضباب نفسه منطقة محظورة كتحذير، وندبة خلفها شيء لا يمكن تصوره؛ شيء هز حتى حكام أخاديد الهاوية.
في هذه اللحظة، في أعماق قاعة العرش في قلعة العظم.
وقف العرش الضخم لملك الليتش الخالد فارغًا، والمشهد وحده يشعر بالخطأ؛ لسنوات لا تُحصى، لم يخلو ذلك العرش من سيده أبدًا، والآن ترك مهجورًا، باردًا، وصامتًا بشكل مخيف، كنصب تذكاري لعصر ساقط.
وقف واحد وعشرون شكلاً داخل القاعة؛ وهم دوقات الموت، وتعابيرهم قاتمة، لم يجرؤ أحد على التكلم.
لكن هناك شيء غريب، إذ بقيت كل الأعين مثبتة على شكلين، طاغية الفأس العظمي ولورد وافيرن الجثي، حيث بدا كلاهما مصدومين تمامًا.
خاصة لورد وافيرن الجثي، بدا دوق الموت، الذي عادة ما يكون ماكرًا ورزينًا، وكأنه قد شهد شخصيًا نهاية العالم، النيران في عينيه تومض بعنف، وارتجفت أصابعه الهيكلية قليلاً، وكأنه رأى كابوسًا لا يزال يطارده.
أخيرًا، كسر أحد دوقات الموت، وهو ليتش لاميت شبه خيالي، الصمت: "ماذا حدث؟"
دوى صوته بشكل أجوف، "لماذا استُدعينا؟ تلقت جحافلنا أوامر مباشرة…"
توقف مفاجئ حيث تردد المتحدث، لأن حتى نطق تلك الكلمات بدا صعبًا.
"أوامر من الكيان السامي"
أصبح الجو أكثر ثقلاً فورًا، لأنه ليس مجرد دوق موت واحد؛ بل تلقى الجميع أمرًا مباشرًا لا جدال فيه من أخاديد الهاوية، وهو أمر لا يجب أن يكون ممكنًا طالما ان ملك الليتش الخالد على قيد الحياة!
تقدّم دوق آخر، وهو شبح سيادي عملاق، جسده الشفاف يعلو فوق الجميع.
"أين صاحب الجلالة، ملك الليتش الخالد؟"
لم يجب أحد فورًا، إذ لا يعرفون ويريدون نفس التوضيح.
في هذه اللحظة، رفع طاغية الفأس العظمي رأسه ببطء، بدا هيكله الضخم أكبر سنًا بكثير من ذي قبل، وأكثر إرهاقًا بكثير.
عندما تحدث أخيرًا، صار صوته هادئًا بشكل غير معتاد: "الإجابة على كلا السؤالين هي نفسها."
تجمّدت القاعة، وشدّ فك طاغية العظم، وكأن مجرد التحدث عن الأمر يحمل خطرًا لا يمكن تصوره.
"استيقظ السامي."
تصلّب العديد من الدوقات بشكل واضح.
"تدخل الكيان الأعلى شخصيًا."
في صمت مطلق خانق، تابع طاغية العظم: "واجه ملك الليتش الخالد عدوًا، و… خسر"
هبطت الكلمات كصاعقة كونية، مما جعل العديد من الدوقات يترنحون، ونظر إليه آخرون وكأنه قد جنّ.
"خسر؟"
"جلالة الملك ملك الليتش الخالد؟!"
"مستحيل!"
"سيادة السقوط، والحاكم المختار للموت، خادم الكيان الأعلى، كيف يمكن لمثل هذا الكائن أن يخسر؟!" صرخت المرشدة الأولى، وارتفع صوتها إلى عويل شبح.
ضحك لورد وافيرن الجثي فجأة، لكنه صار مليئًا بالخوف والرعب: "أتعتقدون أن هذا هو الجزء الصادم؟"
اشتعلت عيناه بجنون وهو يبصق، وتشقق صوته: "لم تكونوا هناك، لذا لم تروا، العدو كان مجرد فانٍ، ورغم تدخل الكيان الأعلى شخصيًا، لا يزال ملك الليتش الخالد قد هلك"
انفجرت القاعة بعدم التصديق، لأن كل ما قاله للتو بدا سخيفًا بشكل مستحيل ومجنونًا تمامًا.
لكن لم يُظهر هو ولا طاغية الفأس العظمي أي علامة على المزاح، وفوق ذلك، تلقوا جميعًا ذلك الأمر العاجل من "الكيان الأعلى" بدلاً من ملك الليتش الخالد.
في الحال، سكن الرعب في اعينهم، رعب لا ينبغي لأي لاميت أن يمتلكه.
تابع طاغية العظم ببطء: "لقد رحل ملك الليتش الخالد، موت حقيقي"
حطّمت هاتان الكلمتان أي أمل تبقى لدى دوقات الموت، وتجمدوا واقفين.
شعر البعض بنيران أرواحهم تتقلب بعنف؛ وتراجع آخرون خطوة إلى الوراء دون وعي.
لكنهم فكروا فجأة في الأمر، إذا كان ملك الليتش الخالد ميتًا حقًا، فلماذا ما زالوا واقفين؟ لماذا لم يختفوا مع سيدهم؟
وكأنه يقرأ أفكارهم، أجاب طاغية العظم: "كان ذلك من قبل الكيان السامي."
سكت الدوقات فورًا، مع إدراكهم للحقيقة.
"حفظنا الكيان الأعلى ومنحنا غرضًا، أمرنا الكيان الأعلى شخصيًا."
تحولت نظرته نحو أعماق القلعة، نحو مكان لا يستطيع أي منهم رؤيته، مكان مدفون تحت الواقع نفسه.
"لم يعد غرضنا الغزو، بدلاً من ذلك، غرضنا الجديد هو الحماية"
♤♤♤