في اللحظة التي لاحظ فيها نية القتل وارتفع تأهبه إلى أقصى درجة، لمستْه للحظة أقل من لحظة، ثم اختفت، وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
في اللحظة التالية، استدار وحش زودياك الضخم فورًا، عائدًا بتركيزه إلى الفراغ المحيط واستمر في امتصاص الطاقة بكثافة متزايدة، متجاهلاً اياه تمامًا.
لكنه لم يرتخِ، ولم يستطع تجاهل تلك النية القاتلة اللحظية وفكر باحتمالات عديدة تتدفق في ذهنه: 'هل لاحظ شيئًا؟ تلك الومضة الواحدة من نية القتل لم تكن عشوائية، وقد تكون من الغريزة، كإدراك لتفوقي من تلك الوحوش عديمة العقل، أو شك لأنني استطعت استشعار البياض بينما هو لم يستطع…'
بقي ساكنًا تمامًا، حضوره مخفضًا إلى الحد الأدنى المطلق، أفكاره تتحرك بسرعة تحت السطح.
'أعتقد أنني لا أستطيع البقاء قريبًا من هذا الشيء إلى الأبد… ليس مع سلوكه المتقلب، قد يقتلني من الإحباط الخالص، ومع هذا الجسد الحالي، إذا قرر قتلي… لا أستطيع المقاومة! الفجوة بيننا ليست شيئًا تستطيع المهارة أو التحكم أن تجسرها؛ إنها مطلقة.'
'الطريق الوحيد للخروج… هو استخدام هويتي الحقيقية، وهو أمر أكثر استحالة لأن اللحظة التي يحدث فيها ذلك، سينهار كل شيء، سيتفاعل عالم الحلم، وسينقلب الكابوس ضدي، وأي فرصة كانت لدي هنا ستضيع'
الإدراك باردًا وواضحًا، لأن هذا لم يعد مثل السابق.،لم يعد يتعامل مع شظايا عديمة العقل أو مخلوقات تقودها الغريزة، هذا الكيان بلغ مستوى حيث حتى أصغر مخالفة يمكن أن تثير عواقب قاتلة، وهو أكبر مخالفة هنا.
'ومع ذلك، الهروب ليس خيارًا، ولا المقاومة أيضًا، إذن… سأبقى'
استقرت أفكاره الباردة الدقيقة، لأنه رغم تلك الومضة من نية القتل، لم يتصرف، وهذا يعني شيئًا، ربما أنه لا يراه تهديدًا، على الأقل ليس بعد.
الأهم من ذلك، هو الوحيد الذي نبهه إلى وجود البياض، مما يعني أنه قد يفكر أيضًا في احتمال أنه قد يقوده إلى البياض مجددًا.
هذا وحده منحه قيمة؛ وبالتالي، فإن قتله لن يخدم أي غرض الآن، لذلك بقي صامتًا، بلا حراك، ينتظر.
فقد الزمن معناه مجددًا وعاد الفراغ إلى السكون، لكنه لم يعد نفس السكون السابق، إذ صار أثقل وأكثر توترًا، كأن شيئًا ما ينتظر تحت السطح.
لم يتحرك أو يتدخل؛ بل ركز على قانون عالم الحلم، لأنه إذا كان سيبقى هنا، إذا كان سينجو من طبقات أعمق مثل هذه، فإن المفارقة التأريخية وحدها لن تكون كافية.
هذا المكان تطلب فهمًا وتحكمًا وسلطة أكبر.
بدأ يلاحظ ليس فقط البيئة، بل بنية الكابوس نفسه؛ التدفق، وردود الفعل، خاصة الحدود غير المرئية التي تملي ما يمكن وما لا يمكن أن يحدث، لأنه تعلم أن كل حلم وكابوس يتبع نمطًا.
في هذا الكابوس الأساسي، الذي كان حدثًا محفوظًا، بدا كتسلسل، شيء يجب أن يتكشف، ومع ذلك صار بداخله، يغير أشياء صغيرة ويخلق تموجات باستخدام نفس مبادئ عالم الحلم، لأنه بدونها سيعاني مصيرًا أسوأ من الموت.
'إذن أين الحد…؟'
'إلى أي مدى يمكنني الذهاب قبل أن يرفضني الكابوس؟'
'كم يمكنني أن أغير قبل أن أصبح الهدف؟'
ترددت هذه الأسئلة العميقة وامتد الصمت الطويل اللامتناهي، وفي مرحلة ما، حتى صبره بدأ ينفد لأنه كان هادئًا جدًا.
بعد انتظار طويل، حدث أخيرًا مجددًا، لكن هذه المرة، كان مختلفًا، انتشل جاكوب نفسه من غفلته وتفاعل كيانه بالكامل.
'البياض…'
ومع ذلك، قبل أن يتمكن حتى من معالجته بالكامل، انشق الفراغ، لكن ليس عند الحافة أو مخفيًا كما في السابق، بل اقتحم البياض داخل الإقليم، مباشرة داخل مجال وحش زودياك الضخم!
وهكذا، لم تكن هناك حاجة للتحذير أو الإشارة؛ عندما ظهر البياض، تفاعل وحش زودياك الضخم فورًا، وانفجر العنف.
ومع ذلك، ضاقت عينا جاكوب وتسللت قشعريرة فجأة إلى عموده الفقري، لأنه منذ لحظة ظهور البياض، بدا أنه يحدق فيه بنية قتل غير مخفية حتى قبل أن يتفاعل وحش زودياك الضخم.
لكن ليس ذلك اسوء مشاكله، لأن…
'ليس وحده!'
في اللحظة التي فكر فيها في هذا الاحتمال المرعب، تشوه الفضاء خلف البياض بعنف، ثم انشق.
شيئ هائل مزق الفراغ، أكبر بكثير من أي شيء رآه من قبل، حوافه تتشقق بطاقة غير مستقرة وشق شيء طريقه عبره.
هذا التحول المفاجئ للأحداث فاجأ حتى وحش زودياك الضخم، الذي بدا أنه تغلب على عنفه الجنوني من لحظة مضت وتوقف في مساره.
في اللحظة التالية، ظهر 'هو'؛ وحش زودياك آخر، لكن أكبر، وأثقل، وأكثر رعبًا.
شكله بشعًا لكنه منظم، بجسد ثعباني هائل ملتف ومغطى بصفائح تشبه الدروع تتلألأ بضوء فراغي قرمزي عميق، امتدت أطراف مسننة متعددة من جوانبه، كل واحد ينتهي بنتوءات تشبه الشفرات تبدو قادرة على شق الفضاء ذاته.
ليس رأسه واحدًا بل منقسمًا إلى ثلاث جماجم مفترسة ممدودة، كل واحدة تتحرك باستقلالية، اعينها الجوفاء تحترق بنية عنيفة دون أي لمحة ذكاء.
في اللحظة التي دخل فيها بالكامل، ارتجف الفراغ وانتشر ضغط أكبر حتى من الوحش الأول، مليء بغضب خام ساحق نحو سرعوف الفراغ الصغير أمامه.
لكن في اللحظة التالية، قبل أن يتمكن وحش زودياك الغاضب من القبض على البياض، انهار الفضاء حول الأخير فجأة، وفي اللحظة التالية، اختفى البياض دون أثر، تاركًا وراءه الفراغ المرمم ووحش زودياك المحموم.
تجمدت أفكار جاكوب لجزء من الثانية وبرد ذهنه وأدرك فورًا شيئًا مثيرًا سيئا: 'تلك الحشرة الماكرة استدرجت وحش زودياك في رتبة نبيل أسطوري إلى هنا للتعامل مع هذا الوحش؟؟! ومن نيته الفوضوية المليئة بالغضب والقتل فقط، لا توجد طريقة أنه سيتوقف حتى يقتل كل شيء في طريقه'
♤♤♤