حالما نطقت سيدة الإتحاد بتلك الكلمات الأخيرة، تغيّر تعبيرها وتعبير الأمير الوهمي فجأة.
اتجهت نظراتهما نحو الطرف البعيد لقاعة السيادة المزدوجة في نفس اللحظة بالضبط، كان ذلك مفاجئًا لدرجة أن حتى ملوك الحرّاس الليليين الهادئين والقادة الجدد للفصائل الأخرى ارتاعوا.
علاوة على ذلك، تجمّدت أصابع الأمير الوهمي التي كانت تنقر في منتصف حركتها، وفي تلك اللحظة بالذات، ومض تموّج خفيف من التشوّه عبر حدقتيه الوايفرينيّتين.
"…؟"
اتّبع ملوك الحرّاس الليليون الستة والقادة الجدد فورًا اتجاه نظرات قادتهم، لكن الحيرة ظهرت على وجوههم؛ لم يحسّوا بأي هالة، أو تموّج سحري، أو اقتحام.
لكن سيدة الاتحاد قد نهضت قليلًا من عرشها، وعيناها المحيطيّتان الهادئتان سابقًا تضيّقتا الآن بيقظة نادرة.
على الجانب الآخر، الأمير الوهمي قد استقام أيضًا، وتحوّل تعبيره إلى شديد الجدّيّة.
وهذا وحده جعل الجوّ في القاعة يهبط بضع درجات أكثر برودة، لأن الجميع الحاضرين فهموا حقيقة مرعبة واحدة، أولئك الاثنان هما الأقوى في القاعة، وإن أحسّا بشيء لم يستطع الآخرون إدراكه، فإن الموقف أبعد ما يكون عن البساطة.
"هل حدث شيء؟" سأل ملك الحرّاس الليلي ذو البشرة المرجانيّة بهدوء.
قبل أن يتمكن أحد من الردّ، التوى الفضاء المغلق للقاعة.
'طقطقة…!'
تردّد صوت خفيف كزجاج يتشقّق، وفي اللحظة التالية، تشوّه الهواء فوق الأرضيّة الكونيّة السوداء فجأة قبل أن ينشقّ الفضاء نفسه، ظهر تمزّق عمودي في القاعة المغلقة، كاشفًا عن لا شيء سوى فضاء أسود دامس خلفه.
بعد مشاهدة هذا المشهد، تقلّصت حدقات الجميع بالدهشة والرعب، إذ طرق فكر واحد في أذهان سيدة الاتحاد ومرؤوسيها…
'مستحيل!'
سبب صدمتهم أن هذه القاعة محميّة بتشكيل ختم فضائي عتيق نُصّب شخصيًا من قبل سيدة الاتحاد المؤسِّسة، حتى الملوك الأسطوريون لا يستطيعوا التلاعب بالفضاء هنا بحرّيّة.
لكن الآن، قام شخص بفتح الفضاء بالقوّة، كما لو يمزق ستارًا، ولم يحتاجوا إلى التخمين من فعل ذلك، لأنه في تلك اللحظة بالذات، خرج شكلان من الظلام.
لم يخفِ كلا الدخيلين حضورهما أو هالتهما، وهذا بالضبط ما جعل الضغط خانقًا، لأن اللحظة التي دخلا فيها القاعة بالكامل، نزل ضغط مرعب كالسماء المنهارة.
شعر كلّ ملك أسطوري حاضر بقلبه يرتجف.
حتى حدقات الأمير الوهمي تقلّصت بحدّة، لأن اللحظة التي رأى فيها الشكل الأوّل بوضوح، ارتجف عرقه النبيل.
الوافد الأوّل رجلًا طويلًا يرتدي درعًا من قشور قرمزيّة بدت وكأنها نمت من لحمه، امتدّ قرنان منحنيان من صدغيه كشفوط من سبج منصهر.
خلف ظهره، طوى زوج من الأجنحة الضخمة المصنوعة من لهب مكثّف ببطء، وكلّ ريشة ترفرف كنار حيّة، اشتعلت حدقتاه كشمسين مصغّرتين، وقشور وايفرينيّة خافتة تتلألأ على رقبته وذراعيه.
لكن الأكثر رعبًا على الإطلاق، في هالته نبض قمع عرقي طاغٍ جعل تنفّس الأمير الوهمي يثقل قليلًا.
لأنه عرفه فورًا، كان وايفرين آخر، وليس أيّ وايفرين، بل وايفرين ناري على وشك إيقاظ عرقه الخيالي، كائنًا يمكنه الوقوف في القمة المطلقة لعرقهم!
ألقت عينا الوافد الناريتان نظرة عابرة نحوه، وفي تلك اللحظة القصيرة، شعر الأمير الوهمي وكأن عرقه نفسه قد وُزِن وحُوكِم.
رغم أن عرق الأمير الوهمي يمتلك إمكانات أعلى بكثير من عرق الوايفرين الناري، إلا أن الوايفرين الناري في تلك اللحظة قد خطا الخطوة الأخيرة نحو تحقيق إمكاناته الكاملة، مما جعل الفجوة بينهما كالقمر والشمس.
لكن لم تكن هذه النهاية، إذ تقدّم الشكل الثاني، وإن كان الأوّل يشعّ بالهيمنة المحرقة، فإن هذا جسّد القوّة المدمرة الصرفة.
ضخمًا، يبلغ ارتفاعه ثلاثين مترًا بسهولة، لكنه ليس عملاقًا، بشرته بنفسجيّة داكنة، منقوشة بعروق صاعقة تومض باستمرار تتحرّك تحت السطح كعواصف حيّة.
برز نابان خشنان من فكّه السفلي، بينما أقواس صاعقة متشققة ترقص على كتفيه وذراعيه، كلّ خطوة يخطوها تطلق رعدًا خفيفًا، والهواء من حوله يرتجف باستمرار بطاقة كهربائيّة عنيفة، لأنه غولاً رعديًا.
عندما وقف الاثنان أخيرًا بالكامل داخل القاعة، أغلق التمزّق الفضائي نفسه، لكن الصمت الذي خلّفه أثقل من الجبال.
لأن الآخرين الحاضرين ربما لم يدركوا ذلك، لكن سيدة الاتحاد والأمير الوهمي، بمناصبهما العالية، كانا قد أدركا شيئًا مرعبًا.
ربما ليس هـذان ملكين أسطوريين، ويبدو أنهما تجاوزا تلك الرتبة تمامًا، وعرفا في قلوبهما أنهما على الأرجح شبه الخياليين الخفيّين في السهول الأسطوريّة.
حتى تعبير سيدة الاتحاد الهادئ لم يعد يستطيع البقاء هادئًا تمامًا.
استند الأمير الوهمي ببطء إلى الخلف في عرشه، لكن عينيه ظلّتا مثبّتتين على الوايفرين الناري بيقظة شديدة، لأنه بين جميع الحاضرين، هو الأكثر فهمًا لمدى رعب عرق ذلك الكائن.
سيدة الاتحاد، رغم رعبها واضطرابها، هي الأولى التي استعادت رباطة جأشها، إذ نهضت ببطء من عرشها، أو سُمح لها بالوقوف، لكن كلّ غطرستها وهالتها الملكيّة قبل لحظة قد ولّت.
ومع ذلك، رغم الضغط في القاعة، ظلّت وقفتها أنيقة ومهيبة، ومع انحناءة خفيفة محترمة، تكلّمت بكياسة هادئة، رغم أن لمحة من الحذر ما زالت عالقة في نبرتها.
"هل لي أن أسأل أيّ من السادة الكبار قد تشرفوا بزيارة اتحادي اليوم؟"
للحظة، لم يجب أيّ من الوافدين، إذ كان الوايفرين الناري ينظر حول القاعة فقط وكأنه يقيّم الملوك الأسطوريين المجتمعين.
في تلك اللحظة، انحنت شفتاه قليلًا، وحمل صوته الغطرسة والسلطة الساحقة معًا: "الإئتلاف الخيالي"
تردّدت الكلمتان البسيطتان عبر القاعة كإعلان من السماء.
حالما نُطقت تلك الكلمات، ارتبك الملوك الأسطوريون قليلًا، باستثناء واحد، لم يسمع بهم من قبل، لكن سيدة الاتحاد والأمير الوهمي شعرا بقلوبهما تخفق بسرعة.
لأن هذا الاسم يمثل وجودًا يفوق صراعات السهول الأسطوريّة بكثير، إذ انها منظمة حتى السهول العليا تعاملها بحذر.
أصبح الجوّ في قاعة السيادة المزدوجة فورًا أكثر خطورة مما سبق.
♤♤♤