القارة الكونيّة العظمى للقوس، بعيدًا عن موجة اللاموتى الجوّالة الخارجيّة، وما وراء مناطق الصيد، وما وراء مسيرة الموت المتواصلة، يكمن قلب الكارثة الحقيقي: المنطقة الداخليّة لأودية سقوط الموتى.
لكن، خلافًا للعالم الخارجي أو ما تخيّله الناجون، لم تكن أودية سقوط الموتى فوضويّة، بل منظّمة، وبشكل مرعب في الواقع.
علاوة على ذلك، ضباب الموت هنا أكثر كثافة، ولم يعد ينجرف بلا هدف، بل يتدفّق في تيّارات منتظمة كعروق داخل جثة هائلة، الوديان السوداء تتلوى حلزونيًا نحو هاوية مركزيّة، وعلى الهضاب المحيطة وقفت صفوفًا تلو صفوف من جحافل الأموات.
ليست متفرّقة كفوضى بلا وعي، بل مجمّعة كجيش منضبط ينتظر الأوامر ومستعدّ لإشعال الجحيم.
امتدّ الوادي أبعد مما تبلغه العين، وقف كلّ فيلق في صمت تام، بتشكيلات هندسيّة دقيقة.
تألّفت الصفوف الأماميّة من مشاة هيكليّين مدرّعين، ملايين وملايين من اللاموتى في رتبة الحالة الأسطوريّة الخرافية، اشتعلت محاجر أعينهم بلهب أزرق بنفسجي موحّد، واصطفت مطاردهم الصدئة كغابة من أشواك حديديّة.
خلفهم وقفت رجاسات جثّتيّة شامخة وفرسان الموت راكبين خيول الكوابيس، وبلغت هالاتهم رتبة النبيل الأسطوري، حملت دروعهم شعارات منحوتة من العظم والسبج، محدّدة التسلسل الهرمي للفِرق.
فوقهم قادة طيفيّون، لاموتى من رتبة اللورد الأسطوري، شوّه حضورهم الضباب المحيط، ليتشات جنرالات ملفوفون بثياب جنائزيّة.
أطياف رعب تحمل رايات منسوجة من أرواح مكثّفة، عمالقة عظام منقوشة برون قديمة للقمع.
لكن حتى هذا ليس كامل قوّة أودية سقوط الموتى، ففي الأعماق أكثر، آلاف مؤلّفة من اللاموتى في رتبة الملك الأسطوري.
كلّ واحد منهم يشعّ بألفة عالية لقانون الموت، بعضهم توجوا بتيجان من نار متجمّدة، وآخرون حملوا مناجل مصنوعة من معدن مجهول، وقليل منهم جماجم متعدّدة مدمجة معًا.
ورغم هذه القوّة الساحقة، لم يتحرّكوا وبدوا وكأنهم ينتظرون تمامًا كأيّ لاميت في المحيط الخارجي.
علاوة على ذلك، ليس هؤلاء اللاموتى جزءًا من الموجة الجوّالة التي أُطلقت على القارة، بل هم أشبه بالاحتياط أو الجيوش الحصريّة لأودية سقوط الموتى، كحرّاس القاعدة الرئيسيّة.
بينما غرق العالم الخارجي تحت مسيرة الموت، ظلّ هذا الفيلق الداخلي منضبطًا، مكبوتًا، كقبضة مشدودة لم تضرب بعد.
لو انتشر هذا المشهد في عالم النجم الافتراضي أو عالم الظلام الافتراضي، لربما لن يعود لدى كلّ تلك المؤسّسات والقوى التي تعيش بلا مبالاة ذرّة نوم، ولانتشر الذعر في جميع أنحاء السهول الأسطوريّة.
لكن كلّ هذا ظلّ مطويًا داخل أودية سقوط الموتى، وحتى أولئك الناجين الذين يأملون في اقتحام هذه المنطقة وقتل مصدر مسيرة الموت، ليس لديهم أيّ فكرة عن مدى يأس وضعهم الحالي.
لكن هذه الجيوش ما زالت ليست القوّة الكاملة لأودية سقوط الموتى.
في مركز هذه التشكيلات اللامتناهية، طفا شيء أكثر شرًّا، كتلة كرويّة من ضباب الموت المكثّف.
تتقلّب كعاصفة محتجزة داخل جدران غير مرئيّة، سطحها يتلوى بوجوه صارخة تظهر وتتلاشى بلا نهاية، الضباب كثيفًا لدرجة أن حاسّة روح الملك الأسطوري لن تستطيع اختراقه.
داخل ذلك الغطاء الخانق، وقف هيكل مهيب وقديم؛ حصن منحوت من العظم الأسود وحجر الفراغ المتصلّب.
تقعّرت أبراجه كأقفاص صدريّة ممتدّة نحو السماء، وبدت أسواره المسنّنة كأسنان منشاريّة امتدّت سلاسل ضخمة من أبراجه، راسية في أعماق جدران الوادي وكأنها تكبت المنطقة بأكملها من الانجراف نحو العوالم السفلى.
فوق أعلى برج له حامت هالة مكسورة من نور مظلم، كنصف شمس ونصف قمر مأكول، تدور ببطء كتاج فوق جمجمة طاغية.
ليست هذه قلعة عاديّة، بل حصن الضريح-العرش؛ مقعد السيادة لأودية سقوط الموتى، مجال ملك الليتش اللاميت.
داخل حصن العظم، في القاعة الأعمق، دعمت أعمدة مصنوعة من أعمدة فقريّة مندمجة سقفًا يشبه قفصًا صدريًا مقلوبًا لوحش كوني منقرض.
في الطرف البعيد من القاعة وقف عرش هائل، مصنوع من بلّور أسود متعدّد الطبقات وبقايا متعظّمة لكائنات عملاقة، ينبض بخفوت، كأنه حيّ، نار الروح تجري تحت سطحه كصاعقة محتجزة.
على ذلك العرش جلس ملك الليتش اللاميت، هيكله العظمي مرتديًا درعًا من سبج منقوشًا برون قديمة، وكلّ رون ينزف وهجًا بنفسجيًا خافتًا.
جمجمته ممدّدة، متوّجة بقرون متفرّعة من جوهر الموت المتبلور، داخل محجريه اشتعلت ناران توأم من لهب أرجواني أسود لم يرفرف، بل كان يلتهم.
لكن ملك الليتش اللاميت ليس وحيدًا، فأمامه واحد وعشرون كائنًا، وكلّهم راكعون.
كلّ واحد منهم يشعّ بسلطان موت مرعب، لأنهم ليسو ملوكًا أسطوريين، بل شبه خياليين، بما في ذلك ليتش، وطغاة عظام، وسيدات التهام، وأشباح عملاقة، وشياطين جحيميّة، وحتى تنين جثّي في هيئة بشريّة.
كلّ وجود لوحده كان ليقمع أيّ ملك أسطوري إلى الخضوع، وكان ليحكم قارات كونيّة، لكنهم هنا، ركعوا باحترام وخضوع، ولم يجرؤ أحد منهم على رفع رأسه أمام ملك الليتش اللاميت.
ظلّت القاعة صامتة قبل أن يميل رأس ملك الليتش اللاميت قليلًا، وعندما تكلّم، كانت اللغة عتيقة وخشنة وكأنها ليست مصمّمة لحناجر الفانين، وكأنها تتردّد ليس عبر الهواء، بل عبر العظم والنخاع.
"أين سارق العرش؟"
تردّد أحد اللاموتى شبه الخياليين من بين الواحد والعشرين، وهو ليتش لاميت آخر بلهب قرمزي في محجريه، للحظة قبل أن يتكلّم بصوته المخيف: "يا صاحب الجلالة، يبدو أن ثلاثة من فيالقي قد واجهوا السارق، لكن ذلك الحقير ماكر جدًا ويهرب دائمًا قبل وصول قوّات الإلقاء القبض، علاوة على ذلك، يخفي السارق دائمًا آثاره ولا يحاول أبدًا استحضار أموات، وكأنه يعرف مسبقًا سلطان جلالتك."
"وأخيرًا، يبدو أن العرش قد خُدع من قبل السارق ويساعد الآن ذلك الحقير في إخفاء حضوره عنّا" بدا الليتش شبه الخيالي محبطًا للغاية وممتلئًا بالحقد حين كشف عن هذا الأمر المذلّ.
لكنه يعرف أفضل من أن يخفي شيئًا كهذا عن ملك الليتش اللاميت، إذ ان ذلك أشبه بطلب الموت.
اشتعلت هالة ملك الليتش اللاميت، وقال بصوت مرتفع قليلًا: "إذن بكلّ بساطة، أيها الأغبياء، ما زلتم لم تجدوا السارق بعد؟"
ارتجف الواحد والعشرون كائنًا بشكل غير محسوس، بينما خفت نار الروح داخل القاعة، لأنها وللمرّة الأولى منذ بدء مسيرة الموت، كشف سيّد أودية سقوط الموتى ليس عن غضب، بل عن شيء أكثر برودة… غضبًا تملكيًا.
♤♤♤
يا سلام على القوة.. الكاتب يحتاج لعذر مقنع ومفصل لعدم غزو هذه القوة لكل القارات الكونية