مراقبا منجل الصدق وهو يقترب، فتبلورت قراراته في لحظة 'هذا الأمر يفوق طاقتي، إذ لا أستطيع قتله… ولا أستطيع قمعه… إذن سأُبعده فحسب'
ليس واهماً إلى درجة اعتقاده أنه لا يزال يملك فرصة للقتال في هذه المرحلة، ولا يعتقد أنه يستطيع دفع ثمن الأمنية في تقييد طاغوت قانون أعلى مثله.
علاوة على ذلك، لا يتوقع من الخلود أن يتحرك، لأن الثمن باهظاً جداً حتى لمجرد التفكير فيه، ولم يبدُ أن الكتاب الملعون مهتم بمساعدته.
لذلك قرر أن يطرده مباشرة من الفضاء اللانهائي، ولم يفكر حتى في إخراج نفسه وحبسه في الداخل، لأن ذلك سيكون كترك ذئب في حظيرة دجاج.
ناهيك عن أن الفضاء اللانهائي ملاذه الآمن للاختباء من أعداء مثل الخالد نمرود ودستن ولهذا لا يستطيع حبسه بداخله.
في تلك اللحظة، تدفق سلطانه وهو يستعد لطرده وقذفه قسراً من الفضاء اللانهائي، بغض النظر عن العواقب، وبغض النظر عن الارتداد، لأنه صار مستعداً للموت حتى لو علم أن هناك فرصة للبعث.
لكن بينما إرادته تتوافق، وبينما الفضاء اللانهائي يبدأ في حساب متجهات القذف…
انفجر صوت الخلود بمرح جامح: "هاه"
دوّت القهقهة في رأسه، حادة، مبتهجة، وكادت أن تكون ساخرة: "هاهاهاها، ممَّ تخاف؟"
ارتعشت عيناه بعنف عندما سمع تلك الكلمات، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة…
"أَخَافُ!؟"
قبل أن يتمكن من الرد، تابع الخلود، وصوته يقطر ابتهاجاً وشيئاً أكثر خطورة: "هذا الشيء؟ لو كان سرعوف فراغ في أوج قوته، لكان الأمر معقداً، لكن هذا يتخبط بلعبته المحطمة؟ هيهاهاها…"
حدّت نبرة الكتاب الملعون، وتسلل الحماس عبر ضحكاته المرحة: "إذن، ممَّ تخاف؟ أنت لا تستخدم حتى نصف ترسانتك، أأنت 'أعمى'؟"
وبينما تلاشت كلماته الغامضة، بلغ التوتر ذروته الخانقة، ومنجل الصدق قد بدأ في النزول.
الفضاء نفسه قد شُقَّ، وأُبطلت المسافة، وسُخِر من السلطان، والفضاء اللانهائي، أعظم ملاذ له، يصرخ تحت وطأة شيء لا ينبغي أن يوجد بداخله أبداً.
ليس لديه وقت للاستفسار أو الحساب أو التروي في كلمات الخلود لكن ضحكته المزعجة لا تزال تتردد في ذهنه، حادة وساخرة، ومحملة بشيء أكثر خطورة من مجرد المرح، لأنه قد التقط بالفعل العديد من القرائن من جملة الكتاب الملعون الغامضة.
علاوة على ذلك، كاد أن يُقبض عليه آخر مرة من قبل دستن عندما تجاهل كلمات الخلود في المرة السابقة، لذا أعاد تشغيل تلك الكلمات في ذهنه غريزياً وفجأة…
"سرعوف فراغ يتخبط بلعبته المحطمة…"
ليس لديه حتى رفاهية التساؤل عن أي شيء تحطم أو عن أي لعبة يشير إليها، لكنه فهم المغزى: السرعوف ليس في كامل قوته، وربما يتمكن من الرد.
'ترسانة… أأنت أعمى؟'
ثم دوت تلك الكلمات الأخيرة فجأة في ذهنه كقصف رعد: "أعمى… عينان!؟"
ضربه ذلك كانفجار مستعر أعظم داخل روحه، وانقبضت أفكاره بعنف وبشكل مطلق.
"أتشير إلى عيني الحكم!؟"
"هاهاهاها…"
لكن لم يتردد سوى ضحكة الخلود الشيطانية، لكنه صار متأكداً بنسبة تزيد عن 90% أنه أصاب في تخمينه، إذ ومض في ذهنه فوراً القدرة التي كان قد حبسها منذ لحظة اقتنائها.
نفس القدرة التي أقسم على ألا يستخدمها باستخفاف، أو أبداً ضد كائنات تفوق فهمه، ولا سيما ضد طاغوت قانون أعلى من عرق الحشرات الخيالية.
دوى قلبه الملعون في تلك اللحظة، لأنه إن كان الخلود مخطئا،
وإن فشل هذا، فلن يموت فحسب، بل سيُحكم عليه بعدم الاستحقاق من قبل قانونه نفسه ويفقده إلى الأبد.
لكن ليس هناك طريق آخر، إذ ان منجل الصدق قد بلغ الهامش الأخير، ويعرف أن الخلود لم يخطئ قط، ولم يقل شيئاً دون سبب، رغم طبيعة الكتاب الملعون الساخرة والمحيرة.
ولهذا تخلى فوراً عن فكرة طرد السرعوف، واشتعلت عيناه المتوهجتان أكثر من أي وقت مضى، ولأول مرة منذ حصوله عيني الحكم، بدأتا في التغير.
انهارت النار بداخلهما إلى الداخل، متكاثفة، معيدة التشكيل، حتى التوت النيران إلى شيء تجريدي ومرعب: موازين.
ليست موازين مادية، بل حروف هيروغليفية متراكبة من الحكم، والميزان، والقرار، تطوى إلى ما لا نهاية، وتدور بدقة باردة لا تلين.
في تلك اللحظة، أعلن جاكوب: "موازين العدل"
لحظة خرجت الكلمات من فمه، توقف الزمن وكأنه وُضع تحت المراجعة، وسكت الفضاء اللانهائي سكوتاً تاماً بأمر سيده.
حتى منجل الصدق توقف في منتصف هبوطه، وعلقت حافته على بعد أقل من نفس من جمجمة جاكوب.
شعر البياض بذلك فوراً، وذُهل مرة أخرى لأنه هذه المرة ليست قمعا أو حبساً، بل شيئاً أسوأ بكثير، لأنه حتى قانون الزمن غير فعال ضد سرعوف الفراغ من رتبته الرفيعة.
في تلك اللحظة، اشتعلت عينا الحكم، وانبعث هالة عميقة غير شكلية من هيكل جاكوب العظمي، غامرة الفضاء اللانهائي كحكم بارد ينزل على الواقع نفسه.
خلفه، ظهر مخطط باهت لإطار نجمي، محفور بضعف في الوجود، كظهور آلة سماوية: الإسطرلاب السماوي.
ومع أنه غير مكتمل ومجتزأ، إلا أنه لا يزال مشهداً يُرى، ولا سيما في جوار الفضاء اللانهائي؛ بدا أكثر اكتمالاً ومطلقية.
علاوة على ذلك، بدا أن الإسطرلاب السماوي لجاكوب هذه المرة يمتلك هالة عميقة وفريدة حوله، مختلفة تماماً عن ظهوره المعتاد، إذ دار رمز اللانهاية ببطء، مطوياً نفسه إلى ما لا نهاية، لا بداية ولا نهاية له، ممثلاً استمرارية بلا رحمة، وحكماً بلا نهائية.
لكنه ليس حتى البداية، لأنه في تلك اللحظة بالذات، تجلت موازين العدل.
لم تنزل من الأعلى ولا تصعد من الأسفل، بل ظهرت ببساطة، وكأنها كانت هناك دائماً، وأن الواقع قد نسي فقط أن يعترف بها.
حلّق صحنان هائلان من بناء شفاف أبيض-أسود أمام جاكوب؛ غير متماثلين وغير متساويين.
حمل أحد الصحون رمز اللانهاية، محفوراً بعمق على سطحه، متصدعاً ومتآكلاً، وكأنه قد وزن دهوراً لا تعد، والآخر أملس جداً، لكنه لا يعكس شيئاً، ولا حتى الضوء.
وبينهما امتدت سلاسل ليست من معدن، بل من السبب، والقصد، والوجود، تطن بلطف، رمزاً لبدء الحكم.
♤♤♤