غادر جاكوب "كأس الأمير" كما لو أن شيئًا لم يكن، متخفيًا في هيئة الدوق المظلم سيء الصيت النجم المظلم، تحرَّك بخطواتٍ غير مستعجلة، ووجهه باردٌ لا يبالِي.
امتدت نوكسفاليس أمامه، وحلقاتها المركزية نابضة بالحياة والنشاط، المدينة دائمًا مستيقظة، دائمًا جائعة — كوحشٍ يتغذَّى على الطموح والمال والدماء.
الأحياء الخارجية ضجيجًا مزمجرًا، تجارٌ يمسكون، ومرتزقة يتشاجرون، وكيميائيون يبيعون بضائع غريبة تتوهج بأنوار شيطانية.
بل وجثث المجرمين المعروضة على أبواب الأزقة مشهدًا شائنًا فريدًا، كونها تحذيراتٍ من المملكة المظلمة، بينما عبيدٌ من أجناسٍ عديدة ينحنون تحت أعباء أسيادهم، ومع ذلك، لم يُشفق عليهم أحد — فالصمود هنا في مدينة نوكسفاليس هو للأقوياء فحسب.
لم يُلقِ جاكوب إلا نظرة عابرة على تلك المشاهد قبل أن يعبر إلى الحلقات الوسطى، وهناك تحوَّل الجو.
صار الهواء أنقى، متعطِّرًا بالبخور وروائح كماليات النبلاء، عرباتٌ يجرُّها وحوشٌ متوحشة تصهل في شوارع مرصوفة بالرخام، ومنازل ضخمة مبنية من حجر السبج والكريستالات تنتصب في مجموعات، يُعرَف عنها بأعلام نبلاء المملكة المظلمة.
هنا، بإمكان المرء أن يرى كونتات وبارونات مظلمين يتنزهون، وحواشيهم يتباهون بمكانتهم، وهمسات اتفاقات التجارة والمؤامرات الخفية تتردد في كل ظل.
إلا أن وجهته ليست هذا المكان، وبعد فترة، وصل أخيرًا إلى الحرم الداخلي.
الجدران هنا تتوهج بخفة برموز الحماية، وضغطٌ قارس يلوح في الهواء، لم يجرؤ أحد على دخول هذه الأماكن، فهي تخص نبلاء المملكة المظلمة الحقيقيين فحسب
لكن عيناه انجذبتا نحو البناء الشاهق الشرير في قلب الحرم؛ إنه قصر نوكسفاليس — حصن الأمير الخالد
أبراجه السوداء تشق السماء كأصابع هيكل عظمي، وجدرانه تخفق بخفة وكأنها حية، مبنية من عظم مسحور وفولاذ مطروق من الظلال، ونهرٌ من الضباب الأسود يطوِّق خندق القصر، كظلٍ حي.
من دون تردد، سار للأمام، لقبه كدوق مظلم لا يناقش بفضل ساعة النجم الروحي خاصته، لذا لم يُعترض طريقه عند أي بوابة وسُمح له بالدخول.
وحتى وهو يشق طريقه نحو قلعة نوكسفاليس، فإن مجرد وجوده جعل الحراس المتجولين والنبلاء يتنحون جانبًا من دون كلمة.
في هذه اللحظة، صار يخبُط فوق جسر الضباب، والقلعة تلوح أمامه أكبر فأكبر، لكن مع اقترابه من البوابة الضخمة لقلعة نوكسفاليس، المنقوشة بعدد لا يحصى من التركيبات الرمزية على شكل جماجم والمحروسة بقانون خافت للموت، تقدَّمت فرقة من الحراس في انسجام تام.
ليسو حراسًا عاديين، كلٌّ منهم يرتدي درعًا مطروقًا من العظام منقوشًا برموز متحللة، وأعينهم تشتعل بشعلة شبحية خافتة، قوتهم على الأقل بمستوى لورد أسطوري في الذروة، مختارين يدويًا من فيلق الأمير الخالد الخاص.
أحدهم، ذو هيئة طويلة قوامة وخوذة على شكل جمجمة، ضرب مؤخرة فأس الحربة في الأرض، وتردد صدى الضربة في الهواء كنداء جنائزي.
"توقف، قلعة نوكسفاليس لا تستقبل أحدًا دون دعوة، اذكر اسمك وغرضك، أيها النبيل المظلم"
تحرك الباقون، مشكِّلين جدارًا من الرماح وفؤوس الحربة، وأرواحهم الباردة تُحِكّ قفلها عليه.
رغم أنه لم يُرهَب إطلاقًا، إلا أن خطواته توقفت، لم يتغير تعبيره، وعيناه المظلمتان هادئتان لا عاطفة فيهما كما لو أن هؤلاء الحراس ليسوا أكثر من حشرات.
رفع ذقنه قليلًا، وصوته خرج كالصقيع على الفولاذ: "الدوق المظلم النجم المظلم أطلب مقابلة الأمير الخالد."
تصلَّب الحراس عند لقب الدوق المظلم، ومرَّرت همسات بينهم، وشعلاتهم ترفرف بقلق، فالدوق المظلم ليس زائرًا عاديًا — مثل هذه الشخصيات هي عُمَد قوة المملكة المظلمة، أينما ذهبت.
بل ويمكن للدوق المظلم دائمًا أن يبدأ تحدي رتبة لأمير مظلم طالما يمتلك الجدارة الكافية، لذا يكون معظم الأمراء المظلمين حذرين من الدوقات المظلمين في أغلب الأحيان.
مع ذلك، ثبت قائد الحراس موقفه لأن هيبة النجم المظلم ليست قريبة من مستوى الأمير الخالد، رغم أن شعلته الشبحية رفرفت بخفة تحت نظرته.
"دوقًا مظلمًا أم لا، لا بد من اتباع البروتوكول، انتظر هنا، سنخبر سموه."
أومأ، وانسحب حارسان إلى داخل القلعة، في المقابل، حافظ الآخرون على تشكيلهم، أسلحتهم مستعدة، وأعينهم مثبتة بحذر عليه كما لو أنهم سيهاجمون إن قام بأي حركة مفرطة.
لم يتحرك جاكوب، شبك يديه خلف ظهره، وصار وجوده وحده كافيًا لجعل الشعلات الشبحية للحراس ترفرف بقلق، انتظرَ، صبورًا كالميتى، وعقله يجوب بالفعل الاحتمالات لكيفية سير هذه المقابلة.
مع مرور اللحظات، امتد الصمت كوتر مشدود حتى أنَّت أبواب قلعة نوكسفاليس الضخمة وانفتحت، ومن الداخل، برزت شخصية، خطواته منتظمة، وهيبته قاهرة.
دوقًا مظلمًا آخر
طويل القامة ونحيلًا، ولحمه شاحب كالرقّ ممتد فوق العظام، يرتدي أثوابًا فضفاضة سوداء مُطرَّزة برموز فضية، وعيناه تتوهجان بلون بنفسجي خافت، وخلفه يتبعه خادمان هيكليان يحملان درجين وسلاسل من العظام.
هيبته وحدها تدل على أنه امين سر الأمير الخالد، شخصية معروفة بين النبلاء باسم صوت الأمير.
انحنى الحراس بعمق، خافضين رماحهم احترامًا.
نظر جاكوب إلى صوت الأمير هذا بلا مبالاة بينما اجتاحته عينا امين السر كسكاكين باردة، وتوقفتا حين مرت ومضة دهشة في عينيه بسبب رباطة جأشه.
ازدادت عيناه برودةً وهو يتكلم؛ صوته ناعمًا، لكنه يحمل ثقل سيف يُسَلُّ في صمت: "الدوق مظلم… النجم المظلم تطلب مقابلة سموه، لكن لم تُرسل دعوة، ولم تُقدَّم طلب، الأمير لا يستقبل ضيوفًا غير معلنين، لذا، أخبرني — ما سبب وقوفك عند أبواب قلعة نوكسفاليس دون إذن؟"
قام امين السر بالنقر على سلاسل العظام كما لو يضع علامات الترقيم على السؤال.
لم يتغير تعبير جاكوب، ظلت يداه مشبكتين خلف ظهره وترك هدوء هيبته الجليدي يتسرب للخارج، يلمس امين السر وخدمه الهيكليين كريح متجمدة.
"أحتاج أنا، الدوق المظلم، أن أتوسل للحصول على دعوة؟" نبرته باردة، هادئة، وقاطعة. "لقد جئت لأقدّم معلومات تهم سموه، معلومات تتعلق بالمهمة المظلمة… بخصوص خائن نقابة الكيمياء."
رفرفت عينا امين السر بخفة بلمسة ذهول لأنه كان قد صادف النجم المظلم من قبل، ولم يكن بهذه الفصاحة والسلطة.
كما تضايق الحراس أيضًا كما لو أن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث إن لم يتوقف امين السر.
♤♤♤