الفصل 268 غير المغفورين (9)
أطال لونغ تاو النظر بصمت إلى سيّده الناخر بسعادة، ثمّ التفت بنظراته نحو الصبيّ الصغير بجانبه الذي كان ينخر بسعادة هو الآخر.... لقد كان ذلك مستحيلاً. صحيح أن تغيير مواهب المرء وحتى بنيته لم يكن أمراً صعباً للغاية، إلّا أنه كان يجب أن يكون مستحيلاً تماماً في هذا العالم بالذات، إذ يستحيل مناقشة قوانين السماء هنا. ومع ذلك، فقد فعلها الرجل. لقد أعاد صياغة جسد بشريّ عاديّ ليصبح جسداً قتاليّاً، وهي بنية لم تكن نادرة بحدّ ذاتها، لكنها كانت شديدة التنوّع.
وفوق ذلك كله، أعاد أيضاً صياغة جذور الصبيّ العادية لتصبح جذوراً سماويّة. ورغم أنها لم تكن استثنائية كالجذور السماوية الطبيعية، إلّا أنها ظلت جذوراً سماوية أيضاً. إن شخصاً كان سيُموت دون أن يختبر طعم التشي مطلقاً، أصبح يمتلك الآن القدرة على أن يصبح نصف ملك، على أقل تقدير. عادت نظراته تتوجه مرّة أخرى نحو الرجل الذي بدا قادراً دائماً على فعل المستحيل. جدّ أكبر؟ جدّ؟
بالطبع لم يكن أيّ من ذلك صحيحاً.
لقد تحقّق لونغ تاو من أمر «لو تشي»
فور ملاحظته لبعض الغرابة في الرجل. كان والد لو تشي هو سيّد طيف السيف، ولم يمتلك ذلك الرجل أيّ قدرة على إنتاج شيء بهذا المستوى. ولو استطاع، لما مات بالطريقة التي مات بها.
وعلاوة على ذلك، لم تكن له صلات، ولا أصدقاء، ولا أحباء، بل كان مجرد «لطخة»
على سمعة الطيف، بلا أيّ صفات إيجابية. كان مؤكّداً أن شخصاً ما امتلك الجسد الأصلي، تماماً مثلما امتلك لونغ تاو نفسه هذا الجسد، رغم أن الهوية... لم تكن لتكشف عن إجابة معقولة أبداً. كانت الغريزة الأولى تشير إلى أنه شخص مثله، وحش عتيق وقديماً سلك دروب الخلود بالفعل، لكن الأمر لم يكن كذلك. كان سيّده أجهل من أن يكون خالداً بأيّ معنى حقيقيّ. وكانت الغريزة الثانية تشير إلى أنه طفل لخالد عانى في حياته السابقة من إحدى بنيات العدم ولم يستطع الزراعة.
ورغم ذلك، لم يُنبذ بل عُني به، ومن هنا التقط تلك الأمور الكثيرة، لكن ذلك لم يكن... تفسيراً كافياً بما فيه الكفاية. كان سيّده قادراً على خلق الأشياء، واستحضارها من العدم، وقد رأى أموراً مشابهة من هذا القبيل أحياناً من قبل، لكن ليس بهذا القدر أبداً. والآن، تجاوز الأمر مجرد خلق الفنون والأساليب. كلا، هزّ لونغ تاو رأسه. لم يُنشئ سيّده أيّاً من التمائم، فقد كانت طبيعية، واستطاع تمييز ذلك القدر.
ومهما كان المصدر الذي حصل عليه منها، فقد صنعها الطبيعة. غير أن مجرد حيازته لها كان يوحي بأن شبكة التعقيدات المحيطة بهذا السيّد الوديع الصغير كانت... هائلة. وربما عظيمة بقدر المؤامرة السماوية نفسها. ورغم أن التفكير في الأمر كان ممتعاً، إلّا أن لونغ تاو لم يكن منزعجاً حقّاً من جهله، فلو تراكمت الأشياء التي يجهلها لبلغت ما لا نهاية. لم يكن هناك أيّ روح، حيّة أو ميتة، قد عرفت كل شيء على الإطلاق، بغضّ النظر عما ادعاه الكثير من الأنبياء المزعومين.
حتى في حياته السابقة، حين كان هائماً على وجهه بلا قيود، صادف أشياء عجز عن تفسيرها قط، نهراً لا يجري إلّا حين يرمقه أحدهم، وقرية بأكملها لم تشهد مرور الزمن أبداً، وعصفور طنّان كان بإمكان ترنيمته أن تُغرق حتى الأباطرة في حالة نوم أبديّ... ومع كون الرجل شذوذاً، إلّا أنه لم يكن فريداً من نوعه في ذلك الجانب على الأقل. تنهّد لونغ تاو، بادياً عليه التعب بوضوح، فاليوم كان بكل بساطة واحداً من تلك الأيام، حسب تقديره.
فرغم كل ما يملكه من معرفة وفهم للعالم، فإن رؤية كيميرا وهو يتحدث ورؤية سيّده وهو يستحظي بتلك الأدوات المتحدية للسماء من العدم قد أنهكتاه. قبل انضمامه إلى طيف السيف، وضع خطة واضحة في ذهنه، محددًا بدقة كل حركة سيقوم بها خلال القرون القليلة القادمة. الأماكن التي سيزورها، والبوادي التي سيتوجه إليها استعادة لأغراضه المتروكة، وحتى ترتيب قتل أعدائه.... لقد ألقي بكل ذلك في هاوية، إذ لم تعد خططه تعني شيئاً حقّاً منذ أن منحه السيّد فن حياكة القلب.
لقد سرّع ذلك الأمور إلى ما بعد تقديراته الأولية بكثير، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الصدمات والمفاجآت. كما أنه بالغ في تقدير قدراته وندم قليلاً على تحدّي الحكماء، على الأقل بالقيام بذلك مبكراً هكذا. وحتى إن تعذر عليهم معرفة هويته حقّاً، فقد كانت مخاطرة لا حاجة له بها. لقد ظنّ أنهم مجرد جماعة متراجعة ذات قوة متوسطة، ولكن من كل العلامات التي رآها حتى الآن، لربما كانوا حقّاً إحدى أقوى قوى القارة.
وحتى لو نظر العامّة إلى «الأراضي المقدسة»
بوصفها عمالقة، فعندما رأى قدراتهم الكامنة الخام عن قرب، لم يكونوا بمثل ذلك الحجم تماماً. كان السيّد أول من استيقظ، بعد حوالي ثلاث ساعات من غيابه عن الوعي؛ وبدا مرتبكاً للحظات بينما تسلق داي شيو، وشي تشاو، ورايت جسده للتأكد من أنه بخير.
"آه، لقد نجحت. هذا جيد..."
تمتم بعد أن رمق الصبي بنظرة وأومأ برأسه. ورغم أن لونغ تاو كان مهتماً بشدة وكان يودّ السؤال، إلا أنه كان أعقل من أن يفعل؛ فعلى غرار عدم سؤاله أبداً من قِبل سيّده عن أمور معينة، كان عليه ردّ المجاملة ذاتها. ولم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى استيقظ الصبيّ أيضاً، بادياً عليه المزيج نفسه من الصدمة والرهبة تجاه سيّده الجديد الغريب.
"دع السيّد يعلمك أسلوبك الزراعيّ الأول".
لقد كان الأسلوب الأبسيط للغاية من طيف السيف، وأصغى الصبي إلى «الدرس»
دون أن يرفّ له جفن، محاولاً تشرّب كل كلمة. أغلق لونغ تاو حواسه، رغبةً في الاسترخاء قليلاً والراحة أيضاً. ورغم أنه لن يظهر ذلك أبداً، إلا أنه كان متعباً وشبه خالٍ من التشي. لكان كل شيء قد سار وفقاً للخطة لو أن ذلك السيّد المزعج لم يذهب ويفعل شيئاً مزعجاً آخر يستحيل فعله. فما كاد الدرس ينتهي، على ما يبدو، حتى أمر الصبي بإغلاق عينيه ثم ضغط بإصبعه بين حاجبيه وتلا شيئاً، وبعد لحظة ظهرت هالة ذهبية خلف رأس الصبي وبدأت بالدوران، لتنطلق منها نافورات ذهبية سائلة.
استرخى فكّ لونغ تاو، وكذلك فعل لاو شون، بينما اكتفى الباقون بالتطلع إلى تلك الظاهرة بنظرات الرهبة، إذ لم يفهموا تماماً ما تعنيه تلك الهالة الذهبية. التفت إلى الجانب وواجه لاو شون، الذي بادله النظرة، وتسمّر الرجلان متبادلين النظرات لبضع ثوانٍ، مسرورين بالعثور على روح شقيقة في هذا الجنون. هل من شيْ يعجز سيّده عنه؟ تساءل لونغ تاو. وضع أحدهم قسراً في حالة الاستنارة...
تنهّد لونغ تاو ورفع نظره نحو السماء. ومع مرور كل يوم، شعر بأن سنوات حياته السابقة كلها بلا قيمة، إذ استمر في تلقي الصدمات من رجل يبدو عادياً ولا يعود يدرك حتى مدى روعة قدراته...