42. المفترس (6)
قبل يوم من هجوم محققي التفتيش على معقل قبيلة كورنيشم.
بعد أن اكتشفوا الهجوم مسبقًا، بدأت النقابة، بأمر من الإمبراطور، في تهريب بعض العلماء وسجلات الأبحاث.
وخلال العملية، أثار اهتمام الإمبراطور الاجساد الصناعية المصطفة في زاوية من المختبر.
"مفيد. لنأخذ بعضها."
نظر كبار مسؤولي النقابة إلى الإمبراطور بوجوه شاحبة.
فالبحث في الاجساد الصناعية كان هو السبب الرئيسي في وسم قبيلة كورنيشم بعبدة الشياطين، أليس كذلك؟
ومع ذلك، قال بوجه خالٍ من التعبير: "هذا لا علاقة له بما يسمى بالشياطين. إنها تكنولوجيا تلتزم بقوانين هذا العالم البُعدي."
وبينما تم تدمير غالبية الهومونوكولوس خلال حملة التطهير الكبرى، تمكنت النقابة من تهريب ثلاث دمى دون أن يلاحظ المحققون.
"هذه مجرد دمى فارغة على شكل إنسان."
"عندما تدخل روح، ستتحرك بشكل طبيعي. هذا هو تصميمها."
إذًا، كيف تدخل الروح بها ؟
وأمام دهشة الجميع، بدأ الإمبراطور بالتجريب عن طريق نقل روحه إلى الدمى.
لم يكن بإمكان أي شخص عادي تحريك روحه بحرية داخل وخارج جسد آخر، لكن الجميع في النقابة تقبّل الأمر لأنه الإمبراطور.
في البداية، تساءلوا عن فائدة الدمى ذات الشكل البشري.
لكن سرعان ما شهد أعضاء النقابة لحظات غير متوقعة، حينما فتحت الدمى التي كانت مستلقية بهدوء عيونها فجأة أو وقفت وتجولت.
وكما قال الإمبراطور، ما إن تدخل الروح، تبدأ الدمية في التحرك كإنسان.
كانت تتناغم مع الروح القادمة وتتحول تدريجيًا لتشبه الإمبراطور، مشهد يثير الدهشة.
ومع ذلك، واجه عرض الإمبراطور عائقًا غير متوقع.
إذ أن إجبار الروح على التزامن مع الكائن الصناعي كان يستنزف الكثير من الطاقة الذهنية، لذلك لم يكن من السهل تحريك روحه بحرية كما يفعل في جسده.
كما كانت الحواس باهتة للغاية، لذا اضطر الإمبراطور للكفاح لبعض الوقت للتكيف.
والأهم من ذلك، أن الدمى، التي وجدت خارج قواعد هذا العالم، لم تكن قادرة على استقبال الهالة على الإطلاق.
ولا حاجة للقول إن هذا كان مزعجًا للغاية بالنسبة للإمبراطور، الذي يتعامل مع الهالة بسهولة كالتنفس.
فالهالة قوة تدعم الحياة، وغيابها يعادل أن يصبح المرء ضعيفًا كالمحتضر.
ولحسن الحظ، لم تكن هناك قيود على استخدام القوة المقدسة، ربما لأنها مرتبطة بروحه، كما شرح الإمبراطور.
فأين ستستخدمها؟
كان كبار مسؤولي النقابة في حيرة من أمرهم وهم يشاهدون الإمبراطور، الذي يمكنه تدمير مبنى النقابة بحركة عابرة من يده، يتحرك بضعف وتمايل مثل مريض بعد دخوله الدمية.
بدا الإمبراطور غير راضٍ إلى حد ما، لكنه أنهى التجربة ووضع الدمى في فروع رئيسية من النقابة، بعيدًا عن العاصمة.
وبالفعل، أثبت الإمبراطور قيمة تلك الدمى في الجبهة الجنوبية قبل عامين.
فبمجرد انضمام كاهن واحد يتمتع بقوة مقدسة لا نهائية إلى المعركة، انقلبت موازين القتال التي كانت تتداعى في لحظة.
وبفضل الجهود البطولية التي بذلها الأمير الأول أوين، الذي كان يقاتل بشراسة في الخطوط الأمامية، واصل الخط الأمامي التقدم جنوبًا حتى استقر في موقعه الحالي.
خلال ذلك الوقت، كان الإمبراطور في العاصمة في عزلة للصلاة، وكان الجميع يعتقدون بلا شك أن ما حدث كان تدخلًا مقدسًا استجابةً لدعائه.
والآن، ومع تلك الخلفية…
كيف يمكنهم شرح الأمر للفتى والرجل العجوز المصدومين أمامهم؟ كان 21 في حيرة.
ما أنقذه كان الصوت الهادئ الذي صدر فجأة من الجانب.
"لقد طهّر هذه الدمى الزائفة واستخدمها كأدوات مقدسة لرعاية القارة."
هاه؟
اتجهت أنظار الأشخاص الثلاثة في اللحظة نفسها نحو الحضور.
كان الإمبراطور قد رفع رأسه وينظر إليهم. وفي تلك اللحظة، رأوا بوضوح هالة مقدسة جدًا تحيط بجسد الإمبراطور.
محاطًا بضوء ناعم متعدد الألوان، تحدث بصوت هادئ يتردد صداه كما لو كان نبوءة.
"هذا دليل على أن كل شيء في هذا العالم لا يمكنه الهروب من إرادته. حتى التململ التافه لعبدة الشياطين يخضع لسيطرته."
آه، لقد كان مشهدًا مقدسًا بحق!
حتى مع أن البطل كان جالسًا بين الحضور وساقاه متشابكتان، لم ينتقص ذلك من الوقار والقدسية التي تنبعث منه.
…ربما.
تأثر العجوز ماكس بالمعجزات التي منحها الإمبراطور خلال اليومين الماضيين، واغرورقت عيناه بالدموع.
"سامحني… سامحني. كنت أعمى وجاهلًا حين شككت فيك."
"لا يُلام المرء على الذنوب التي تنشأ من الجهل. لقد سامحتك ."
"آه……"
كان التأثر قد بلغ بالرجل العجوز حدًا جعله على وشك إسقاط لجام العربة.
أسلان بدا متشككًا بعض الشيء، لكنه بدا أيضًا وكأنه تقبّل الأمر إلى حد ما. أما 21، فكان يحدق في الإمبراطور بعينين ضيقتين.
فقط الى أين سيصل ؟
" إن كنت ستشرح لهم ، فافعل ذلك جيدًا. لا زلت أخرق، انريكي."
***
كان جيروم ثملًا بشدة، يستمع بلا تركيز إلى تقرير فريق البحث.
فالصورة المروعة لمارثا الميتة لا تزال عالقة في عينيه، لذلك كان من المستحيل أن يبقى متزنًا.
"سيدي. هناك أمر غريب في تحركات حراس فلاندرز. أخبارنا متأخرة قليلًا لأن فريق البحث أُرسل حتى الجبال، لكن يبدو أن الفريق العائد من بوابة أساين رأى حراس فلاندرز يتجمّعون خلفهم."
"رودريغو يتجه نحو بوابة قرطاجو. سنتلقى أخبارًا منه قريبًا، فلماذا لا نقلّل عدد أفراد البحث ونولي بعض الاهتمام لجانب فلاندرز؟"
لكن جيروم لم يُجب.
منذ البداية، كان هناك حارس من قرطاجو يتعاون مع رودريغو داخل حراس بوابة فلاندرز.
وبشكل طبيعي، كان من المفترض أن يكتشف أي حركة مريبة.
وعلاوة على ذلك، لسببٍ ما، كان صوت شخصٍ ما يتردد باستمرار في رأس جيروم.
[لقد فقدت مارثا بالفعل. كل ما تبقى لك هم هؤلاء التابعون الحمقى. إن أرسل دوق اسين قوة عقابية، فلن يتبقى لك شيء.]
[أمسك بجاسوس اسين.]
[جاسوس اسين هو الأولوية.]
"جاسوس اسين هو الأولوية. اعثروا عليه."
"لكن يا سيدي…."
"لن أكررها مرتين. أمسكوا بأسلان وذلك السجين."
ارتجف قطاع الطرق وتجنبوا نظرات جيروم وهو يحدّق إليهم بعينين محمرّتين بشراسة.
بدأ أتباعه، الذين كانوا يراقبون مزاجه، بالاختفاء واحدًا تلو الآخر، وقبل أن يمضي وقت طويل، بقي جيروم وحيدًا في المقصورة.
واصل إمالة زجاجة الخمر القوي بصمت، حتى تعمق الليل وبدأ الفجر يلوح.
"مارثا…."
عندما لم يتبقَ أحد ليسمعه، انساب الاسم الذي نادرًا ما نطقه بسهولة من بين شفتيه.
مارثا كانت له منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها قبل أكثر من عقد.
كانت بجانبه من دون أن يناديها، تتنفس فقط بين يديه.
حتى الأمس فقط، لم يشكّ جيروم للحظة أن كل شيء يتعلق بها، حتى حياتها، كان في قبضته.
هل يمكن حقًا أن يُطلق على ذلك حب؟ لم يكن جيروم يعلم.
ولكن، لأن مارثا كانت معتمدة عليه تمامًا طوال الوقت، أصبح جيروم غير قادر على تخيّل الحياة بدونها.
واصل جيروم الشرب بعناد، حتى سقط نائمًا على الطاولة مع اقتراب الصباح.
اقترب منه بحذر ابنه بالتبني كايين.
لقد كان ينتظر طويلاً حتى يغيب جيروم عن الوعي.
مشى بهدوء إلى الطاولة وهو يخرج لسانه.
كان جيروم من البشر النادرين ذوي الحاجز الروحي القوي.
ما لم يكن ثملًا أو فاقدًا للوعي هكذا، لم يكن من السهل على كايين التدخل مباشرة.
لم يكن يجرؤ على تمزيق الروح، وكان يكتفي فقط ببعض التعليقات إلى جيروم الثمل بشدة.
وكان الخمر قويًا للغاية.
تذكر عندما طُرح على الحائط ذات مرة في طفولته حين ظن بسذاجة أن الوصول إلى روح جيروم سيكون سهلاً مثل مارثا.
كان ذلك أول يوم أدرك فيه أن قواه ليست مطلقة.
في اليوم التالي، عندما ضعفت دفاعات روح جيروم بسبب صداع الكحول، تمكن من استفزازه ليعتدي على مارثا، محققًا بذلك انتقامه.
ربما لم يكن جيروم يدرك، لكن روحه كانت دومًا متركّزة على مارثا.
في اليوم التالي لضربه لمارثا، كانت روحه منخفضة الطاقة بشكل واضح، بلون أزرق مخضر مريض.
لم يكن يستطيع فهم مشاعر جيروم أبدًا، لكنه على الأقل كان يعلم أن تعاسة مارثا هي الانتقام الأنجح من جيروم.
وهذه المرة لم تكن مختلفة.
روح جيروم، التي ضعفت منذ الأمس، كانت تنتحب.
[مارثا مارثا مارثا مارثا]
لحسن الحظ، بدأ الصداع وطنين الأذن اللذان كانا يزعجان كايين بالاختفاء.
اقترب من جيروم الثمل وأمسك بروحه بيد واحدة.
تمامًا كما أن روح مارثا البريئة كانت ذات طعم ناعم وحلو، فإن الروح القوية المليئة بالكَارما كانت لها نكهة فريدة وغنية أيضًا.
روح جيروم، التي كان يتذوقها من حين لآخر عندما تسنح له الفرصة، كانت لذيذة تمامًا كما تذكّر.
مزّق كايين أحد أذرع الروح الذابلة، وانفرجت زاوية فمه بابتسامة ماكرة.
لن يفهم جيروم أبدًا ما الذي كانت روحه تشتاق إليه طوال حياته، حتى تُلتهم بالكامل ويفنى.
لم يكن بالإمكان أن يكون الأمر أكثر تسلية من الآن..
***
سافر أسلان ورفاقه بجدية طوال الليل.
باستثناء استراحة قصيرة عند الفجر للسماح لخيول الحِمل بالراحة، استمروا في قيادة العربة على الطريق دون توقف.
كانت قوة جلالته بارت العظيمة تتجلّى بوضوح هنا.
ففي كل مرة بدأت فيها الخيول بالتعب، كانت قوة مقدسة قوية تتدفق دون استثناء، وتنعش تلك الكائنات.
كانت خيول الحِمل، التي استعيدت طاقتها بالقوة، مجبرة على سحب العربة بقوة، وهي في حيرة من أمرها.
وعندما رأى أسلان الارتباك العميق المنعكس في عيون تلك الحيوانات المستديرة واللطيفة، شعر بوخزة من الذنب.
ومع ذلك، ومع حلول منتصف النهار، اضطروا إلى ترك العربة والسفر سيرًا على الأقدام.
فمع اقترابهم من قرية الزهور، وجدوا فرق التفتيش تقوم بدوريات مكثفة.
وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فسوف يواجهون فرق التفتيش أيضًا في الطريق إلى نقطة تفتيش أساين.
كانت وجوههم معروفة بالفعل، لذا كان من المستحيل التنكّر كتجّار.
بدا أن الأفضل هو التسلل أثناء تجنّب فرق التفتيش.
مرتدين ملابس نسائية بسيطة، أخفوا العربة بين الشجيرات وبدؤوا السير على الطريق.
وبفضل التناوب على النوم ليلًا والجلوس المريح خلال الرحلة، كانت المجموعة في حالة جيدة.
باستثناء جلالة بارت، للأسف.
فعلى الرغم من ما بدا أنه عملية ترميم ذاتي باستخدام قدر هائل من القوة المقدسة، بدا جسده الساكن هشًا للغاية.
"هل تريدني أن أحملك؟"
لم يحتمل الأمر 21 فسأل، مما جعل جلالة الملك يضحك ويطبطب على ظهره.
لا بد أنه اعتقد أنها مزحة.
تقدمت الرحلة سيرًا على الأقدام بسلاسة أكثر من المتوقع.
كان 21 بالفعل شخصية شبحيّة، إذ كان يشير للمجموعة بالاختباء فجأة في أماكن هادئة بجانب الطريق، وفي كل مرة تمر فيها دورية بعدها بلحظات.
بدأ أسلان يتساءل عن نوع النقابة التي تضم أناسًا كهؤلاء.
ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل بعد الظهر حتى وقع أمر ما لجلالة بارت.
"موريس…"
توقف فجأة في منتصف الطريق، يتمتم لنفسه.
وأصبح وجهه، الذي كان يحدق في الفراغ، شاحبًا للغاية.
كان 21 يقود المجموعة، فنظر إلى الوراء بسرعة وعاد إليه مندهشًا.
"جلالتك؟"
ثم رآه أسلان.
آه، تلك العيون مجددًا. عيون تعكس كل شيء، وكأنها تحولت إلى معدن عاكس
إذا لم تكن تعكس ضوء هذا العالم، فماذا كانت تعكس إذًا؟ ومن أين؟
بعد أن ظل يحدق في الفراغ لفترة، أغلق جلالته عينيه وأطلق تنهيدة عميقة.
"لقد حذّرته من إحداث جلبة…"
"…؟"
اقتربت المجموعة منه، وهم في حيرة.
"إنريكي."
"…اسمي رقم 21."
أجاب من باب العادة، لكن القلق كان واضحًا على وجه 21.
نظر جلالته إلى المجموعة التي تحيط به بصمت، وبدأ يلمس جباههم واحدًا تلو الآخر، ناقلًا إليهم قوته المقدسة.
شعر أسلان أن الأمر أشبه بالاستعداد لشيء رهيب، مما ملأه بالقلق.
"حدث أمر عاجل. عليّ أن أبتعد لبعض الوقت. إنريكي، سأترك كل شيء لك. سيكون الأمر صعبًا، لكني أعلم أنك قادر عليه."
عند هذا التصريح غير المتوقع، تجمّد وجه 21.
فأمسك به جلالته من ذراعه وتحدث وكأنه يوكله بالأمر.
"تذكر، أولويتك هي أن توصل هذين الاثنين إلى ما بعد نقطة تفتيش اسين."
"لكن، جلالتك…"
حاول 21 الاعتراض، لكن نظرة جلالته وصوته كانا حازمين.
"هذه هي الأولوية. هل فهمت؟ وإن لم يكن ممكنًا، فتخلَّ عن الهومنكولوس. فهناك احتمال كبير أن نضطر لذلك."
"…"
"اترك الباقي لك."
وبمجرد أن قال ذلك،
انهار جسد جلالته على الأرض، تمامًا مثل دمية قُطع خيطها.