الفصل 177. ماضٍ مجهول (1)
"هذا المعتوه بحق! أيحسب نفسه نجمًا مشهورًا؟! لا يكف عن تصوير الإعلانات أبدًا!" "أود لو صفعته على قفاه!" "هيه! يا سيد لي! افتح باب البث!" "لهذا صرحت مرارًا بأن أولئك المشهورين لا يؤتمنون!"
تناهت كل تلك الأصوات المحملة بالشتائم والتهكم صوب سانغهيون من داخل السيارة المنطلقة:
"… كف عن قراءتها رجاءً،" تمتم سانغهيون وقد اعتراه بعض الضيق.
رؤية ذلك جعلت جوهيوك يقهقه وهو يمسك بمقود السيارة:
"مهلًا، ما خطبك؟ قرأت سابقًا أن التحديق في الهاتف أثناء ركوب السيارة يورث الغثيان، لذا توليت قراءتها بصوت جهوري نيابة عنك!"
صدرت تلك الأصوات من هاتف جوهيوك؛ إذ استعان بخاصية تحويل النصوص المكتوبة إلى صوت مسموع، وفعلها خصيصًا لبث تعليقات متابعي آلموند:
"أغلق هذا الهراء."
مد سانغهيون يده وأوقف تشغيل الهاتف.
تككك.
"يا لك من فتى عديم المرح،" تذمر جوهيوك وهو يدير المقود:
"على أية حال، تعلم أن لدينا عشاء عمل اليوم، أليس كذلك؟ إنه أول عشاء رسمي لشركتنا!"
واصل جوهيوك مراجعة جدول مواعيدهما.
أومأ سانغهيون برأسه:
"آه، بالتأكيد."
اتفق الثلاثة، بما فيهم جيآه، على عقد أول عشاء عمل رسمي يجمعهم اليوم؛ ولأنهم لم يسبق لهم الاحتفال كشركة ناشئة، اقترح جوهيوك هذه المرة ارتياد مطعم فاخر يليق بالمناسبة؛ فقد جنوا أموالًا طائلة، ويستحق نموهم المذهل وقفة احتفال؛ فبدا التجمع أشبه بمأدبة للاحتفاء بنجاحات شركتهم الصاعدة:
"يبدو نعت ذلك بعشاء عمل أمرًا غريبًا؛ فنحن لسنا شركة رسمية بعد، أليس كذلك؟"
"… هاه؟ الجميع يطلق عليه هذا الاسم!"
"أليس من المفترض أن نأكل داخل مقر الشركة ليُسمى عشاء عمل؟!"
"لا أظن الأمر يؤخذ بهذا الحرفية الساذجة… أجهلت ذلك لنشأتك في أمريكا؟"
"كلا، لم أقصد ذلك الحرفي بعينه…"
برطم جوهيوك بكلمات مبهمة:
'ما خطبه بحق؟'
لم يعهد سانغهيون نفسه شغوفًا بالتدقيق في سفاسف الأمور وصغائرها؛ فبدا الموقف غريبًا؛ وفي واقع الأمر، ما انطوى موقفه على تذمر حقيقي.
حدق سانغهيون في جوهيوك المنهمك في القيادة وسأله:
"هيه، أترغب في تأسيس شركة حقـ—؟"
طوووووط!
أطلقت شاحنة ضخمة نفيرها الهادر وهي تجاورهما في الطريق:
"سحقًا…!"
سب جوهيوك في حنق، ونسي سانغهيون ما أوشك على البوح به؛
بعد هنيهة، بلغت السيارة باحة المشفى.
←↓↑→
سويففف.
طُويت الصفحات البيضاء بسرعة وخفة؛ كاسية أسطحها برسوم بيانية كثيفة وجداول مقسمة بعناية بالغة.
سويففف.
عقب مطالعة الصفحة الأخيرة، خلعت الطبيبة سونغ هانا نظارتها الرقيقة وتحدثت برزانة:
"نتائج الفحوصات مطمئنة ومبشرة."
تهللت أسارير سانغهيون لسماع كلماتها:
"يبدو أنك واظبت على التمارين الرياضية؛ فنسبة الدهون وقوة الكتلة العضلية ممتازة للغاية؛ وحين فحصنا نشاط الدماغ على وجه الخصوص، وجدناه لا يختلف كثيرًا عن حاله قبل عشر سنوات؛ ولا أدري إن مثل ذلك مدعاة للغبطة أم لا…"
"آه، حسنًا؛ فكم تبلغ مدة لعبي المتاحة الآن؟"
رمقته سونغ هانا بنظرة حازمة عقب سؤاله المباغت، كمن تشير إليه بألا يتعجل الأمور:
"بما أن الدماغ يُظهر النشاط ذاته، فأرى أن سقف وقت اللعب يظل ثابتًا دون تغيير."
"آه…"
عجز سانغهيون عن مواراة خيبة أمله:
"بلغني أنك تنوي خوض غمار بطولة؟"
"آه، أجل."
كيف نما ذلك إلى علمها؟ بادرت سونغ هانا بتبديد حيرته:
"أخبرتك سلفًا: أنا أرصد تحركاتك دومًا."
"آه…"
"مباريات البطولة تستغرق ساعات طوالًا بطبيعتها؛ فما الذي دفعك لخوض هذا المعترك؟"
"احم…"
عشق سانغهيون الرياضة من صميم فؤاده؛
فالوقوف على خشبة المسرح، وإثبات ثمار الجهد وقهر الشدائد، ونشوة الظفر بالنصر… تلهف لتذوق ذلك الإحساس من جديد؛ وتحقيق قدر معتبر من النجاح على مسرح رحب؛ ذلك كل ما في الأمر؛ فما جاء قراره وليد تفكير فلسفي معقد، بل جرى على وتيرة سائر قراراته العفوية:
"رغبة في تلمس نشوة الإنجاز."
"… معذرة؟!"
عاودت سونغ هانا السؤال مذهولة من هذا الجواب المقتضب، غير أن سانغهيون لم يزد عليه حرفًا:
"إذًا… ألديك خطة بديلة أو ما شابه؟" تلعثمت سونغ هانا على غير عادتها من هول المفاجأة: "مثلًا… أثمة لاعب بديل يحل محلك؟"
"تابعتِ البث ولا ريب أنكِ تعلمين؛ ففي هذه البطولات المصغرة، لا وجود لبدلاء يغطون الغياب."
"فماذا تنوي أن تفعل إذن؟"
"بيد أنني اهتديت إلى حل."
'حـ… حل؟'
رمقته سونغ هانا بنظرة يكسوها الشك والفضول؛ فرفع سانغهيون يده اليسرى:
"ماذا لو اقتصرت على استخدام هذه؟"
"اليسرى… آه، تقصد أن تقييد استخدام جسدك سيمد في سقف وقت لعبك؟"
"نعم."
أمعنت سونغ هانا النظر في نتائج الفحوصات لبرهة؛ وقلبت الصفحات بحثًا عن معلومة ما ثم خطت تحتها خطًا؛ وعجز سانغهيون عن فك طلاسم المصطلحات الطبية المتخصصة:
"هممم… هذا وارد من الناحية العلمية؛ فالأمر منطقي، إذ يتضاعف استهلاك الطاقة العصبية فور استخدامك لذراعك اليمنى."
"!"
انعقد لسان سانغهيون دهشة من موافقتها السريعة الميسرة:
"أحقًا ما تقولين؟!"
"أجل؛ هممم… ثمة مريض آخر يطابق حالتك، غير أن كلتا ساقيه عاجزتان عن الحركة، فلم يملك هذا الخيار؛ أما في حالتك، فالإصابة تنحصر في الذراع اليمنى، لذا قد تنجح هذه الحيلة."
حدق سانغهيون في كفه اليسرى؛ فقد واظب على المران والتدرب على الاقتصار على يده اليسرى، واضعًا في حسبانه أن تمثل مخرجًا لمعضلته:
"ومع ذلك، تظل اللعبة مستندة إلى الموجات الدماغية؛ ولا يزال دماغك يعاني أثر التلف القديم، فلا تغفل عن تلك الحقيقة أبدًا."
تككك.
ناولته سونغ هانا شريحة إلكترونية دقيقة:
"هذه شريحة لاستخراج بيانات الكبسولة؛ ويحظر علي سحب البيانات الشخصية عبر الإنترنت، لذا احرص على جلبها معك في كل زيارة؛ وبوسعك إرسالها عبر البريد إن شئت؛ وسأتولى تقييم بياناتك أسبوعيًا."
"علم."
"آه، وفوق ذلك… لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد."
مررت سونغ هانا يدها بين خصلات شعرها بزهو كمن تقول: 'استغرق التقييم كل هذا الوقت، أظننت الأمر هينًا؟':
"أتذكر لعبة البقاء التابعة لشركة فانتازيا منذ مدة؟"
تلك التجربة الغبية التي أعدتها له فانتازيا في الماضي؛ حيث صُمم الاختبار ليتفادى اللاعب وابلًا من المقذوفات لقياس الـ VNS بدقة متناهية:
"ألم يخالجك شعور مريب قرب نهاية الاختبار؟"
"آه… أظن ذلك…"
استحضر سانغهيون تباطؤ البيئة المحيطة به لفرط سرعة معالجته الذهنية للأمور؛ وحينها فسر له المهندس الأمر بحداثة طراز الكبسولة، وأن ذلك وقع لغياب سقف يحد من معدل التزامن العصبي:
"… أذكر أنه في الختام، تجمد جسدي عن الحراك كأن عطلًا أصابني، ثم أسدل الستار على اللعبة."
لم يُستبعد سانغهيون لهزيمة أصابته، بل قُذف خارج اللعبة قسرًا؛ وبوسعه الاحتجاج، غير أنه لم يتجشم عناء ذلك؛ فسانغهيون يأنف التذمر من نتائج وُضعت وانقضت؛ فإن امتلك المهارة حقًا، فما عليه سوى إثباتها مجددًا:
"كنت أعلم ذلك…"
أكانت تعلم؟ بدا أن سونغ هانا تحيط بخبايا تلك الحادثة:
"عكفت أنا والمهندس على إجراء بحث مشترك، وتوصلنا إلى أن معدل التزامن شهد طفرة جنونية حادة."
"أيشبه ذلك الارتفاع المفاجئ في البينغ؟"
"بالضبط؛ إنه قفزة هائلة تطرأ في برهة وجيزة؛ وبالنسبة لآلموند، ارتفع المعدل بطفرة متطرفة؛ لذا شُلّت حركتك، وفي نهاية المطاف انقطع التزامن مع الصورة الرمزية تمامًا."
"آه…"
صدقت القول، فقد طُرد من اللعبة قسرًا؛ وبينما راودته فكرة إعادة خوض التحدي مستقبلًا، استطردت سونغ هانا:
"غير أن—…"
عرضت أمامه رسمًا بيانيًا مألوفًا للعين:
"ثمة شخص آخر سجل النتيجة ذاتها بالضبط، أليس كذلك؟"
النتيجة عينها؟ تملك الارتباك سانغهيون:
'آه.'
إنه جونجابا! واستحضر سانغهيون تطابق درجاتهما تمامًا؛ درجة واحدة متطابقة حتى النخاع:
"أففف، استغرق استجلاء هذه الحقيقة دهرًا، لأن كليكما من ذلك الطراز الذي لا ينبس ببنت شفة ولا يحتج على نتائجه، سيان أأُجبرتم على الخروج أم لا! أي صنف من البشر يذعن للأمر الواقع بهذا البرود؟!"
قلبت سونغ هانا أوراق ملفاتها:
"توصل المهندس إلى هذه الخلاصة: عوّض هذان الشخصان إعاقتهما الجسدية بالتدريب التخيلي الذهني، مما أثمر قوة خارقة للعادة في الواقع الافتراضي؛ غير أن الحفاظ على حالة التركيز الفائق هذه لفترة طويلة يفوق قدرة الآلة على التحمل؛ وخصوصًا في أحدث طرازات فانتازيا التي تخلو من كوابح الأمان، حيث تفاقمت هذه الظاهرة بوضوح."
بهت سانغهيون للحظات:
"إذًا، فجونجابا أيضًا…"
"بالضبط؛ والعلة وراء تطابق درجتك مع جونجابا تكمن في تعرض الآلة للخلل ذاته في كلتا الحالتين."
"آه…"
أيعاني جونجابا من إعاقة جسدية هو الآخر؟! إنها أول مرة يطرق فيها هذا النبأ سمعه:
"كلاكما تجرع مضاعفات جسدية في مقتبل العمر، وتخيل جسده سليمًا معافى عبر التدريب التخيلي بوعي وإصرار؛ وانعكس ذلك جليًا داخل عوالم الألعاب؛ ففي الألعاب، تتشكل أذرع الصورة الرمزية وسيقانها وفق الصورة الذهنية التي يرسمها المستخدم، مما يمنحه آفاقًا رحبة من الحرية المطلقة."
ازداد ذهول سانغهيون وهو يستمع إلى تفسيرها:
"ساقاه…؟"
"يعاني الطرف الآخر من عجز في الساقين."
الطرف الآخر هو جونجابا!
'إن كانت الساقين، فتلك المرأة إذن…'
خطرت ببال سانغهيون صورة امرأة معينة؛ غير أن سائر المقاطع المرئية له في وسائل الإعلام نفت ذلك؛ بل ظهر كرجل مكتمل الرجولة! أتنكرت في زي رجل؟! أمر جائز، ولكن…
'كيف تسنى له التنقل على قدميه إذن؟'
فجونجابا سار على قدميه بصورة طبيعية، وتلك المرأة التي عرفها عاجزة عن المشي كليًا؛ وفجأة، ومضت في ذهنه معلومة أخرى:
'معزز الأعصاب!'
تذكر حديثها عن معزز الأعصاب:
"ثمة مريض آخر يلح في تلقي المعزز مجددًا، غير أنني أرى ذلك مستحيلًا؛ فهو ينطوي على خطر مميت يهدد حياة المريض."
'إذًا فقد تناولته حقًا…'
بدأت خيوط اللغز تتشابك في عقله؛ تطابق النتيجة مع جونجابا، وقوة التركيز الخارقة، وتلك اللحظات التي يتباطأ فيها الكون من حوله، وتلك السيدة المقعدة على كرسي متحرك…
تلاقت أطراف الحقيقة كلها أخيرًا!
"… يبدو أنك فطنت للأمر."
ابتسمت سونغ هانا وهي تقرأ ملامح وجه سانغهيون:
"نلت إذن جونجابا بالفعل؛ وحين شرحت لها أنكما تكابدان الحالة ذاتها، أبدت سعادة غامرة وتكفلت بتمويل الأبحاث الخاصة بكليكما."
"… أهي تلك السيدة حقًا؟"
"نعم؛ من مد لك يد العون وتكفل بنفقات علاجك في المشفى سابقًا هي جونجابا بشحمها ولحمها، واسمها الحقيقي تشوي سارانغ."
"… واو."
أطلق سانغهيون زفرة مشحونة بالذهول وعدم التصديق:
"لم أتعمد خداعك قط."
"أعلم ذلك، فهذه أسرار وبيانات شخصية بطبيعة الحال."
"على أية حال، ألا تشعر ببعض الارتياح الآن بعدما عرفت مصدر العون؟"
"… أجل، بكل تأكيد."
"أصرت تشوي سارانغ على كتمان هذا السر بعيدًا عن الأعين."
أومأ سانغهيون برأسه:
"لن أنبس ببنت شفة."
"أدرك بالطبع أنك لست من الثرثارين، وأوضحت لها ذلك سلفًا، بيد أنها… شديدة الحذر والتحفظ؛ حتى رفاق فريقها الذين جاوروها في النزال يحسبونها رجلًا حتى اللحظة."
شديدة الحذر والتحفظ؛ هكذا بدت له حقًا؛ امرأة من ذلك الطراز الذي يرتدي القفازات قبل لمس أي شيء في الوجود:
"لكن لا تنظر للأمر بريبة؛ فرغم مكانتها السامية، تظل إنسانة نقية السريرة بريئة الفؤاد."
استحضر سانغهيون ذكريات تناولهما الديم سوم معًا، وابتسامتها العفوية وهي تحدثه عن خبايا ليل؛ ووصفها ببراءة الفؤاد صادف أهله بحق:
"هذا كل ما لدينا في تقييم اليوم؛ فلنتناول وجبة معًا نحن الثلاثة في المرة القادمة!"
←↓↑→
خرج سانغهيون من عيادة الطبيبة بملامح يعجز الناظر عن سبر أغوارها:
"ما خطبك؟ ما الذي حدث؟"
بادر جوهيوك بالسؤال وهو يطالع لعبته على هاتفه المحمول؛ فلزم سانغهيون الصمت؛ إذ احتاج لفسحة من الوقت لترتيب ما سمعه قبل البوح به؛ وقرر إرجاء الأمر حتى التئام عشاء العمل:
"هيه، ما الأمر؟ ألم تأتِ النتائج على ما يرام؟"
"آه، كلا، شرد ذهني في أمر ما وحسب؛ النتائج مطمئنة، وتطابق الفحوصات السابقة؛ وعلي فقط ضبط سقف وقت اللعب… آه!"
تذكر سانغهيون ما سمعه للتو، فأردف وهو يرفع ذراعه اليسرى:
"تلك الخطة تؤتي ثمارها، غير أنها ستدقق في النتائج في كل زيارة."
سبق له إطلاع جوهيوك على استراتيجية اليد اليسرى:
"أوه!" هتف جوهيوك بابتهاج: "رائع بحق! ستسير أمور البطولة بسلاسة أكبر إذن!"
"أجل، وإن تراجع أدائي قليلًا."
انزاح هم ثقيل عن كاهلهما:
"حسنًا، فلنتوجه إلى موقع التصوير!"
عند سماع سيرة التصوير، استنارت أسارير سانغهيون مجددًا، واستعاد بساطته المعهودة وتفكيره المباشر:
'غرين دايموند!'
حان موعد تصوير إعلان رقائق حبوب آلموند أخيرًا!
————————
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.