الفصل 135
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
ترجمة: ســاد
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
فالد، المحارب من قبيلة الفأس الحجرية، كان يحلم كثيرًا.
"لم يكن ينبغي لي أن أتركه خلفي وأهرب لإنقاذ حياتي."
كان فالد من بين المحاربين الذين تسلقوا جبال السماء مع يوريتش. ترك يوريتش خلفه، واختفى يوريتش بعد أن حارب أرواح الجبال الشريرة وحده.
"اللعنة!"
استيقظ فالد من نومه، صارخًا وجلس فجأة. أصبح وجهه غارقًا في العرق. ورغم غزارة العرق، بدا جسده العضلي باردًا.
أمسك فالد كيس ماء جلدي معلقًا بقربه. شرب الماء بجرعات كبيرة ومسح فمه.
"حلمت بذلك اليوم مرة أخرى."
أصبح جبين فالد حادًا. قبل ثلاث سنوات، عندما تسلق الجبل مع يوريتش، كانت لا تزال عليه آثار طفولته، لكنه الآن أصبح محاربًا ناضجًا.
"لا يزال الأمر يبدو وكأنه وهم."
بدت أحداث ذلك اليوم جليةً لكنها غير واقعية. حالما نزلوا الجبل ووصلوا إلى القرية، أخبر الشامان والشيوخ بما حدث.
"لقد انتهكت المحرمات وتعرضت للهجوم من قبل الأرواح التي تحرس الجبال!"
هذا ما قاله الشيوخ. هزّ فالد رأسه.
"لم يكن ذلك روحًا شريرة أو شبحًا. كان شخصًا مثلنا تمامًا. مات يوريتش وهو ينقذنا " همس فالد في نفسه.
لا ينبغي اعتبار يوريتش مجرمًا انتهك المحرمات. لقد كان محاربًا شجاعًا. ويستحق الثناء.
صمد يوريتش وحيدًا في وجه الأعداء لحماية إخوته. أصبحت أفعاله قدوة للمحاربين.
لأنهم انتهكوا المحرمات المزعومة، لم يندب الشامان موت يوريتش. حتى أن بعضهم لعن روحه بأنها لن تجد السلام.
"وأصبح ابن زعيم القبيلة الذي كنا نكرهه هو الزعيم في نهاية المطاف."
ضحك فالد في سره. كان يظن سرًا أن يوريتش سيصبح زعيم القبيلة. من غير يوريتش يستطيع قيادة قبيلة الفأس الحجرية؟ كان هناك العديد من الشيوخ الذين يُقدّرون روح المحارب أكثر من سلالة الزعيم. لو لم يختفِ يوريتش، لكان الكثيرون قد أيدوه كزعيم قادم.
“هل دمرنا كل شيء بأنفسنا، يوريتش؟”
إن تهور الشباب وفضولهم كانا من الخطايا الجسيمة.
زعيم القبيلة الحالي يكره يوريتش وجماعته، وظل فالد يُعامل معاملة سيئة. لم يكن يُجامل الزعيم لمجرد تحسين مكانته.
“أولئك الذين ضحوا بحياتهم ليوريتش خضعوا في النهاية للزعيم. إنه أمر لا مفر منه. لا ألومهم على ما فعلوه، لم يكن لديهم خيار آخر. أنا فقط من يبالغ في مبادئه.”
معزولًا بين محاربي القبيلة، لم ينضم أحدٌ إلى فالد في رحلات الصيد. كان يصطاد وحيدًا.
"لا أستطيع أن أفقد النوم بهذه الطريقة كل يوم."
لفّ فالد غطاء الجلد الذي يغطي النافذة. قمر الليل لا يزال ساطعًا، يتلألأ في السماء.
بوو!
أضاف فالد قطعة حطب إلى النار المشتعلة، فانتعشت النيران، مُدفئةً الغرفة.
بوو!
أخرج فالد رمحه. دهنه بقطعة دهن. قد ينشب قتال قريبًا، نظرًا للتوترات الأخيرة بين القبائل.
“لقد كنت أستخدم هذا لفترة طويلة.”
يعتزّ محارب القبيلة بسلاحه. لأسباب عديدة، منها صعوبة الحصول على سلاح جديد.
الحديد من أغلى السلع في التجارة، و توفيره يُعزز القوة الحربية للقبيلة بشكل مباشر.
"مثل قبيلة الرمال الحمراء، سيكون من الرائع لو لدينا أيضًا الكثير من الحديد."
اشتهرت قبيلة الرمال الحمراء بإنتاج الحديد. وبفضل أراضيها الغنية بالحديد، اصطفت قبائل عديدة لمقايضة جلودها ولحومها بحديد الرمال الحمراء.
بعد أن نظف فالد رمحه، استعد للصيد، حاملاً معه قوسًا وسهامًا. ولأنه كان مكروهًا في قبيلة الفؤوس الحجرية، لم يكن أحدٌ مستعدًا لمشاركة طعامه معه مجانًا.
"مرحبًا، فالد. لقد استيقظت مبكرًا."
مع بزوغ الفجر، كان بعض أفراد القبيلة قد خرجوا بالفعل. ورغم نبذه، رحّب كثيرون بفالد. في نهاية المطاف، لا يزالون عائلة واحدة تعيش جنبًا إلى جنب، ويتحدون في وجه التهديدات الخارجية.
"لابد أن ألتقط شيئًا ما إذا كنت أريد البقاء على قيد الحياة."
أومأ فالد برأسه ردا على ذلك.
قبيلة الفأس الحجرية تُعتبر من أقوى القبائل المجاورة. سفوح جبال السماء غنية بالموارد، مما أثار حسد القبائل المجاورة. باستثناء الجفاف الشديد، المياه وفيرة، والغابات عند سفح الجبل غنية بالحيوانات البرية والفواكه والجذور التي كان الأطفال يجمعونها حتى.
كان لدى قبيلة الفأس الحجرية حوالي ألف رجل، وكانوا جميعًا محاربين، وهو عدد هائل مقارنة بالقبائل المحيطة.
"لماذا لا تمر على جيزلي؟ إذا أريته جلد الذئب الذي أمسكته آخر مرة، فسيحبه بالتأكيد."
جيزلي هو اسم الزعيم الحالي، وهو الرجل الذي عارض يوريتش سابقًا. في غياب محارب استثنائي مثل يوريتش، كانت الزعامة عادةً تتبع السلالات. وإذا نشأ نزاع بين مرشحين، كان يُحسم بالمبارزة، أو سلميًا بالانقسام إلى عشيرة منفصلة.
"لا، لن يبدو الأمر جيدًا إذا زحفت إليه الآن."
رفض فالد بابتسامة، مشيرًا إلى الكبرياء وليس إلى الضغائن القديمة.
بو! بوو!
صدر صوت جرس القرية يشير إلى وجود زائر، وليس حالة طوارئ.
"ماذا يحدث؟"
عند مدخل القرية، بدا نحو اثني عشر محاربًا قد تجمعوا. حدّق الرجل الواقف على برج المراقبة ليتعرّف على الشخص المُقترب.
“أحدهم قادم. إنه وحيد.”
"منفي؟"
النفي من أشد العقوبات رعبًا في القبيلة. فبمجرد أن تُنفي قبيلة أحدهم، تُرفضه جميع القبائل الأخرى أيضًا، اعتقادًا منها بوجود سبب وجيه وراء ذلك.
"إذا كان منفيًا، فاطرده. ضربه مقبول أيضًا."
انضمّ فالد إلى آخرين عند المدخل، وحدق في الأفق. رجل وحيد يمشي عبر السهول باتجاه القرية.
“إنه ضخم، وحمولته كذلك. أتمنى أن يكون منفيًا.”
كان المنفيون هدفًا مسموحا للنهب، لكن على الضيوف الأجانب أن يُعاملوا معاملة حسنة. من المعتاد معاملة الضيوف بأفضل ما يمكن، بغض النظر عن صلة القرابة بين قبائلهم.
"همم؟"
نظر المحاربون إلى الغريب بنظرة حيرة. توقف الغريب المُقترب، وهو لا يزال على بُعد مسافةٍ كبيرة من المدخل، وبسط ذراعيه.
" أنا رجعت يا حارة مفهاش راجل!"
صرخ الرجل ووصل صوته العالي إلى القرية حتى من بعيد.
"يوريتش؟"
بدا فالد أول من تعرف على الصوت واندفع إلى الأمام، ودفع من كانوا أمامه بعيدًا عن الطريق.
"لا يمكن أن يكون."
ظنّ أن يوريتش قد مات حتمًا. بالتأكيد، بعد ثلاث سنوات من انقطاع الأخبار.
المحاربون القبليون يرتدون عادة جلدًا خفيفًا، و العديد منهم عاري الصدر.
“ما هذا؟ هل هذا درع مصنوع من الحديد؟”
بدا زيّ يوريتش مختلفًا عن زيّ محاربي القبائل المعتادين. بدا صدره محميًا بدرع فولاذي لامع، وهو أمرٌ لم تحلم به القبيلة قط. لم تفكر القبائل قط في استخدام حديدها النادر كدروع.
"رائع يا فالد. توقيت مثالي للترحيب بي."
استقبل يوريتش فالد بلا مبالاة كما لو كانا منفصلين منذ بضعة أيام فقط.
"يوريتش!"
ركض فالد نحوه وهو يصرخ، واحتضنه بذراعيه وارتطم كتفاهما ببعضهما البعض.
"يا للهول! أنت حيّ، حيّ! أخي يوريتش كان حيّاً!"
صرخ فالد ولوح لأبناء القبيلة.
"يوريتش؟ هل هو حقًا يوريتش؟"
المحاربون الذين كانوا واقفين حول المدخل يتساءلون فيما بينهم في حالة من عدم التصديق.
"لقد عاد يوريتش."
قال الشيوخ والشامان إن يوريتش قد نال لعنة الجبال، لكن كونه محاربًا مشهورًا في القبيلة لم يكن محل نقاش. وقد أثرت عودة يوريتش بشدة في نفوس المحاربين الآخرين من نواحٍ عديدة.
"ماذا حدث بحق الجحيم؟ ظن الجميع أنك ميت، أيها الوغد!"
أمسك فالد خدي يوريتش بكلتا يديه.
"لماذا أموت؟ إنها قصة طويلة. لندخل أولًا. جسدي كله يؤلمني وكأنه على وشك الانهيار."
بدا الإرهاق واضحًا على وجه يوريتش. لم يكن عبور جبال السماء أمرًا عاديًا، وشعر وكأن جميع مفاصل جسده تئن.
“لكنني كسبتُ الكثير من الوقت. بدون ريجال، لن يتمكنوا من إكمال طريق يايلرود بسهولة.”
ألقى يوريتش بريجال وأعضاء البعثة من فوق منحدرات جبال السماء. لولا معرفة ريجال الواسعة بالاستكشاف، لكان من الصعب إكمال طريق يايلرود بسرعة.
"أستطيع تخيل الإمبراطور وهو في حالة غضب."
ابتسم يوريتش وهو يدخل القرية.
"يوريتش، لقد عدت!"
"لا بد أن نعمة الجبال كانت معه!"
"عودة يوريتش سوف تخيف الكثيرين."
ربت المحاربون على كتف يوريتش. مهما كان الوضع، رحّبوا بعودة أخيهم.
"أين خيمتي؟"
نظر يوريتش حول القرية.
"لقد أُهديت لشخص آخر منذ زمن. لننتقل الآن إلى خاصتي."
ربت فالد على كتف يوريتش. أما بقية القرويين الذين خرجوا لنسيم الصباح، فقد اتسعت أعينهم عند رؤية يوريتش.
"ي-يوريتش؟"
"إنه يوريتش!"
حتى قبل اختفائه، كان يوريتش محاربًا مُنتظرًا بشدة في القبيلة. قلة من القرويين لم يعرفوه.
"ماذا حدث بالضبط؟"
دخل يوريتش خيمة فالد.
"حسنًا، حسنًا. هذا كل شيء. أحضر لي مشروبًا أولًا."
أحس يوريتش بدفء مألوف. خلع ثيابه الجلدية، ووضع حمله الثقيل، وجلس مرتاحًا أمام المدفأة.
"يا للهول، لقد أثار فضولي حقًا. يا للهول."
أحضر فالد مشروبًا كحوليًا. بدا نبيذًا مصنوعًا من فواكه مهروسة ومخمّرة متنوعة.
"ياااك، هذا مقرف."
أعرب يوريتش عن استيائه وهو يرتشف نبيذ الفاكهة من كوب مصنوع من قرن الجاموس.
" اشربه فقط. لقد أصبحتَ أكثر حساسيةً خلال السنوات الثلاث الماضية. الآن أخبرني ماذا حدث. ظنّ الجميع أنك ميت " جلس فالد وقال.
"لقد أسروني وعبرتُ الجبال."
"ما وراء الجبال…"
قال فالد بهدوء. بدأ قلبه ينبض بقوة.
"كما تعلم، من قابلناهم ذلك اليوم كانوا بشرًا. كان هناك دائمًا أناس يعيشون وراء الجبال."
روى يوريتش ما حدث بهدوء، وشرح لفالد ما يكمن وراء الجبال، ونوعية الناس الذين يعيشون هناك.
"ما وراء الجبال ليس عالمًا للأرواح."
شعر فالد بحكة في جسده. أراد أن يصرخ بصوت عالٍ.
"لديهم تكنولوجيا أكثر تقدمًا منا بكثير."
أخرج يوريتش سيفه الإمبراطوري الفولاذي وأعطاه إلى فالد.
بدا السيف استثنائيًا. بدا كقطعة فنية متقنة الصنع. تألق النصل الشبيه بالمرآة في الضوء.
"أتقول لي إن هذا حديد؟ مستحيل. كيف يلمع هكذا؟"
"هذا سيفٌ مصنوعٌ بأحدث التقنيات من وراء الجبال. لديهم أسلحةٌ كثيرةٌ لا تُضاهى سلاحنا."
نظر فالد إلى السيف الفولاذي الإمبراطوري وكأنه مسحور به. كانت لمسته رقيقة كما لو كان يلمس شيئًا مقدسًا.
"لا يمكن للمحارب إلا أن يدرك قيمة السلاح."
ابتسم يوريتش بارتياح.
'أريده.'
شعر فالد بالرغبة. من الطبيعي أن يفكر أي محارب بهذه الطريقة أمام سلاح جيد.
ووش!
لوّح فالد بالسيف بخفة، وارتسمت على وجهه علامات الرضا. كان أثرياء القبيلة فقط هم من يمتلكون السيوف، لصعوبة صنعها نظرًا لارتفاع كمية الحديد المطلوبة.
"هذا سيف جميل حقًا، يوريتش."
عضّ فالد شفتيه وأعاد السيف إلى يوريتش. صدّق كل كلمة قالها. لم يكن هناك ما يبرر كذب يوريتش، والدليل الفوري أمامه مباشرةً.
بينما يوريتش وفالد يتحدثان، اقترب محاربون آخرون من الخيمة. شعر يوريتش بوجودهم، فالتفت.
"يوريتش، الرئيس والشيوخ في انتظارك."
دخل محارب آخر الخيمة وأعلن. خارج الخيمة، كان ينتظر يوريتش محاربون من النخبة يرتدون قبعات ريشية فاخرة.
"…كنت أنتظر ذلك."
وقف يوريتش وقال.
نظر فالد إلى يوريتش بنظرات قلقة. الزعيم الحالي، جيزلي، لم يُعجب يوريتش قط. لم يتغير شيء.