المجلد الثاني
الفصل الثالث والسبعون : المعبد الجديد
فور هبوط سامي أمام باب المعبد، شعر بنسيم هواء يمر من جانبه. التفت، ليجد نيكو واقفًا هناك، وكأنه ظهر من العدم.
ابتسم الشاب الأشقر، بعينيه البنيتين الجميلتين ووجهه النحيف الودود، ثم وجه نظرة غير مقروءة نحو سامي.
— «أوه يا سامي… تلك القفزة السابقة كانت رائعة حقًا…»
ثم أكمل بنبرة ساخرة خفيفة:
— «رغم أن انتقالي الخاص يظل أكثر روعة!»
لم يلتفت سامي إليه، بل استمر في النظر إلى الأمام، نحو الحجر الأبيض المتناسق، النظيف، الجميل، رغم آلاف السنين التي مرت عليه. كان هناك ثِقل غريب في عينيه، قبل أن يتحدث أخيرًا بصوت منخفض، متردد:
— «آسف يا نيكو… لأني لم أثق بكما، رغم ثقتكما بي. آسف لأني عاملتكما هكذا.»
تجمد تعبير نيكو للحظة، ثم رفع يده وربت على كتف صديقه.
— «إذا كنتَ آسفًا حقًا… فلا تفعل ذلك مجددًا.»
قبل أن يستطيع سامي الرد، كان المقيدون مع رينا قد اقتربوا بما يكفي. تحدثت رينا من خلفهما:
— «إذًا يا سامي، هل عرفت كيف ندخل إلى المعبد؟»
رد عليها فورًا دون أن يلتفت:
— «حسب معرفتي، يجب أن يكون هناك مدخلان للمعبد… واحد من الأعلى وآخر من الأسفل. لكن ذلك طبعًا إذا استطاع أحد تفعيل المعبد.»
تقدمت ميراندا بحماس، وابتسامة واسعة على وجهها، ووجهت يديها نحو الحائط:
— «وإن لم يكن هناك من فعّل المعبد… فيمكننا الدخول من أي مكان ببساطة.»
بمجرد أن لمست يدها الحائط، اندفع جسدها مخترقًا الحجر، ثم اختفت.
عبرت الحائط الحجري المتناسق… كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
كان المشهد صادمًا للجميع، وخصوصًا لسامي.
لقد أمضى البشر هنا أكثر من خمسة عشر، إن لم يكن عشرين يومًا، ولا يزال بعضهم لم يفعل معبده بعد.
كان ذلك صادمًا… مخيبًا للآمال… ومريحًا بشكل سخيف في الوقت ذاته.
تقدم كليف، تبع ميراندا وهو يحمل قوسه في وضع استعداد، وما إن وصل إلى الحائط حتى اخترقه هو الآخر بكل بساطة.
وصل صغير النسر حينها، وهبط فورًا على كتف نيكو بعد أن صغّر حجمه بشكل مناسب. كان ذلك صادمًا لبعض المقيدين، على عكس سامي.
تقدم نيكو بهدوء، ودخل هو الآخر. نظر سامي خلفه نحو رينا، التي كانت قريبة جدًا منه. تبادلا نظرة قصيرة، ثم أعاد سامي نظره للأمام وتقدم.
سارت رينا بصمت بجانبه، وتبعهم البقية.
فور عبور سامي للحائط، وجد نفسه أمام مشهد مألوف…
الممر الحجري الضيق والطويل الذي مرّ به سابقًا.
تقدم سامي بصمت، بينما كانت رينا تمشي بجانبه. لم يتحدث أحد. لم يُسرِع أحد، ولم يُبطِئ. قلّدوا سرعة بعضهم في صمت.
في وسط الممر القديم، كان الحجر الأبيض جميلًا، والضوء خافتًا لكنه غير معدوم، والأرضية صلبة، ملساء… كأنها لم تُلمس من قبل.
وأخيرًا، وصلوا إلى النهاية المسدودة، واخترقوها هي الأخرى.
اخترق الضوء عيني سامي المعتادتين على الظلام طوال الأيام الماضية. كان مزعجًا، لكنه لم يمنعه من الرؤية.
على الأرضية الحجرية المضيئة، كان الأربعة الذين دخلوا قبله يقفون في صمت.
أزاح نظره عنهم فورًا، ووجه بصره للأمام.
وتجمد.
لقد دخل معبدًا من قبل، ولم يصدمه الطراز البنائي، ولا المدرجات، ولا حتى النار الجميلة في المنتصف.
ما صدم سامي حقًا… كان العدد.
في معبدهم، كان هناك مئتا شخص فقط. كان واسعًا ومريحًا.
أما هنا…
فكان هناك مئات البشر.
بشكل غريب، كان أغلبهم صامتين، يرتدون لباسهم الأبيض الجميل، بينما ارتدى البعض ملابس عشوائية، وكأنهم نُقلوا إلى هنا في أوضاع غير مؤاتية.
ورغم ذلك…
مئات المراهقين كانوا متكئين في صمت على مقاعدهم، دون أي رد فعل تجاه القادمين.
أخيرًا، وجه سامي نظره نحو النار في الأسفل.
كان هناك شخص يتحرك.
نظر سامي إلى نيكو دون كلام، وتقدم الاثنان بسرعة، حتى وقفا عند أول صف من المقيدين.
كانوا صامتين.
تقدم سامي خطوة أخرى، ليأخذ نظرة أقرب.
كان فتى بشعر أسود قصير، وجهه متجه للأسفل، وذراعاه ملتفتان حول جسده، في وضع نوم قاسٍ فوق الحجر البارد.
أمسك سامي بذراعه برفق.
الفتى بخير… لا جروح، ولا آثار هجوم عقلي.
عيناه في مكانهما…
لكن جسده كان خاليًا من الطاقة.
عيناه مفتوحتان، وجهه متعب للغاية، فمه متشقق، وعيناه غائرتان.
رفع سامي نظره عنه، ثم نظر إلى نيكو.
أومأ نيكو في صدمة.
صرخ سامي داخليًا:
«اللعنة… كيف يكونون جميعًا مغشيًّا عليهم من الجوع والعطش؟!
خمسمئة شخص… ولا يوجد بينهم شخص واحد يمتلك أدوات غذائية؟!
حتى القليل يكفي لجسد المقيد!
كيف وصلوا إلى هذا الحال؟!»
عاد سامي ونيكو صعودًا على الدرج الحجري الواسع، بينما مئات الشباب المراهقين مستلقون على الحجارة البيضاء في صمت متعب.
نظرت ميراندا إليهما باستغراب، بينما بدا كليف مستنكرًا. ظهر تعبير حزن طفولي على وجه صغير النسر.
اخترقتهم رينا بصوت حاد، بنبرة متسائلة:
— «سامي… نيكو… ماذا فعلتما الآن؟»
رد نيكو بنبرة غاضبة، خارجة عن طبيعته:
— «كنا نتأكد إن كانوا موتى… أو أي شيء آخر. لكن يبدو أنهم أسوأ من ذلك.»
رفع نظره نحوهم، وعيناه مرعبتان:
— «إنهم ببساطة يعانون من نقص حاد في الأكل والشرب… إنهم يموتون من الجوع.»
وقعت كلماته كالصاعقة على المقيدين الجدد.
هز سامي رأسه موافقًا.
كان الكثيرون قد دخلوا المعبد: رفاق رينا، وكاي، ويوكي، وهالا.
صرخ كاي بصوت عالٍ:
— «هذا غير منطقي! مستحيل! أنظروا إلى عددهم… إنهم بالمئات! كيف لا يكون هناك من يمتلك طعامًا؟!»
كان محقًا.
رغم قسوة المحنة، ورغم رعب العالم، لم يكن الجوع عادةً ما يقتلهم… لو تعاونوا.
هذا كان أسهل تحدٍّ يمكن مواجهته.
تجمع الخمسون فوق المدرج، وارتفعت أصواتهم. بدا أن بعض البشر بدأوا يتفاعلون، لكن ما إن يحرك أحدهم رأسه، حتى يسقط مجددًا.
كانوا… مستهلكين بالكامل.
ثم حدث شيء غريب.
من إحدى غرف المعبد العلوية، خرج شاب بشري مخترقًا الحائط.
شعره أشقر طويل، عيناه زرقاوان عدوانيتان، طويل جدًا، نحيف، ووجهه حاد.
ما إن خرج حتى صرخ بغضب:
— «لماذا لا يزال هؤلاء الأوباش الملاعين يصرخون؟! ألم يموتوا بعد من الجوع؟! إنهم يفسدون راحتي!»
بدأ يبحث عن مصدر الصوت، حتى رأى الخمسين شابًا بلباسهم الأبيض، أغلبهم مغطى بالدماء، والبعض بالأوساخ، وكلهم يحملون أسلحة، وهالة من الشراسة تحيط بهم.
ابتلع الشاب ريقه، ثم صرخ بصوت مضطرب:
— «أوي! أيها اللعناء! تعالوا وانظروا! هناك بشر جدد!»
خرج شاب آخر، ضخم البنية، بوجه غير متناسق، وتسريحة نبيلة لا تتناسب مع جسده، وتحدث بصوت ثقيل مزعج:
— «ماذا تقول أيها المجنون؟ بشر جدد؟ أي هراء هذا؟ لا بد أنها تلك الفتاة الغبية فقط.»
تجمد هو الآخر فور رؤية المشهد.
خرج بعدهما اثنان: شاب قصير بدين قليلًا بتسريحة سخيفة، وفتاة شقراء بوجه نحيف عدواني، وأساور كثيرة.
وقبل أن ينطق أيٌّ منهم، اخترقتهم نظرات الخمسين.
لم يكن أحد غبيًا بما يكفي ليخطئ في فهم ما يحدث هنا.
تحدثت رينا بصوت عالٍ، مليء بالغضب، كأنها تنطق بما أراده الجميع:
— «أيها الحمقى الملاعين… ماذا فعلتم هنا؟!
هكذا تمثلون عشيرة الرياح الحزينة؟!»
تبعتها صرخات متفرقة:
— «هذا جنون!»
— «هل احتكروا كل شيء لأنفسهم؟!»
— «الحمقى الملاعين!»
قبل أن يستطيع الأربعة الرد، انطلق سامي نحوهم بسيفه، مخترقًا المسافة فوق الحجر الأبيض بسرعة مرعبة.
وفي اللحظة نفسها، قفزت هالا بعصاها، واخترقت الفراغ بينهما بسلاسة.
تقدمت ميراندا ببطء، قابضةً قبضتيها.
حاول الأربعة التراجع إلى الغرفة، لكن سهمًا من الهواء فصل بينهم فجأة، فتجمدوا في أماكنهم.
صرخ الشاب الأطول بغضب:
— «ماذا تظنون أنكم تفعلون؟! تدخلون فجأة وتبدؤون بالهجوم؟! هل أنتم مجانين؟!»
أتاه صوت من خلفه، بنبرة مرحة لا تخلو من البرود:
— «ربما نكون مجانين… لكن ليس إلى هذا الحد.»
كان نيكو… غاضبًا حقًا، رغم أن صوته لم يعكس ذلك بالكامل.
— «تخليتم عن رفاقكم في المحنة الثانية. تركتم مئات البشر للموت، بينما كنتم تسمنون أنفسكم.»
رفع نيكو يده.
حاول الشاب الهجوم، لكنه لم يستطع.
تجمد الأربعة جميعًا في مكانهم.
كان نيكو قد فعل مجال اللعبة.