المجلد الثاني
الفصل الثامن والخمسون: العجوز اللطيف
لاحظ سامي، خلال الأيام الثلاثة السابقة—وكونه ثاني شخص يستيقظ بعد إستِر—أسلوب الحياة الهادئ في هذا المنزل الخشبي اللطيف والمريح، وصاحبه العجوز الحنون الذي أنقذهم، وشفى جروحهم، واعتنى بهم جميعًا دون أن يعرف أيٌّ منهم كم يجب أن يكون المرء لطيفًا ليقدم كل ذلك بلا مقابل.
ورغم هذا الهدوء، كان سامي يشكو من شعورٍ غريب بالفراغ داخل عقله، وضغطٍ حاد كأنه نسي أهم شيء على الإطلاق. ومع ذلك، قرر تجاهله؛ فلم يكن هناك أي إحساس بالخطر… لا شيء يوحي بأن عليه القلق.
بعد استيقاظ سامي بقليل، استيقظ راي. وما إن فتح عينيه حتى بدأ يبحث عن إستِر، وبمجرد أن رآها واطمأن إلى سلامتها، هدأ أخيرًا. وبعد شرح الوضع له، شعر براحة واضحة وسكن قلبه.
ثم تبعه كاي، وكان مرتبكًا للغاية. وبمجرد أن فُسِّر له ما حدث، طلب أن يبقى بمفرده، وهو أمر بدا غريبًا حقًا. خرج بعدها، ولم يبدُ بخير على الإطلاق، لكن سامي رجّح أن السبب يعود إلى أن قدرة كاي تتعلق بأمور ذهنية، وربما كان عقله لا يزال مشوشًا.
بعد ذلك، استيقظ نيكو ويوكي معًا في اليوم الثاني، ثم تبعتهما فيفا بعد فترة قصيرة. وأخيرًا، في اليوم الثالث، استيقظت هالا… ولم يبقَ نائمًا سوى صغير النسر.
وبشكلٍ غريب، لم يطلب منهم العجوز مساعدته في أي شيء. كان يقوم بكل شيء بنفسه: الطبخ، التنظيف، العناية بهم، وبجدية تامة وحنان صادق.
في ثالث الأيام، كان سامي يجلس مع نيكو على مقعدين خشبيين في غرفتهما، التي بدت خالية من أي شيء عدا هذين المقعدين. كانا جالسين في صمت، يبتسمان نحو الحائط، إلى أن سمعا أخيرًا صوتًا مألوفًا… رنين الجرس. كانت هذه طريقة العجوز في مناداتهم.
وقف الاثنان فورًا، وخرجا من الغرفة، حيث التقيا بآستر وراي في الردهة، ثم بدأ الأربعة بالنزول إلى الطابق السفلي. هناك، كان الجميع يجلس مبتسمًا، سعيدًا، ومرتاحًا على نحوٍ غريب.
بعد أن أخذ الكل مكانه حول الطاولة الجماعية، تحدث العجوز بصوته الهادئ:
"يا صغاري، أظن أن جروحكم قد شُفيت الآن، لذلك لا بدّ لكم من الاستحمام لإزالة آثار المسحوق، فهو مضر للبشرة. يوجد حمّامان خلف هذا الباب… لتذهب الفتيات من هذا الجانب، والفتيان من الجانب الآخر."
وقف الجميع فورًا دون اعتراض. وكان أول الواقفين كاي، الذي بدا متحمسًا على غير عادته. وبمجرد رؤية ذلك، ابتسم الجميع… أخيرًا، بدا صديقهم سعيدًا مثلهم.
تقدموا ودخلوا من الباب. كان في الداخل حوض خشبي كبير مملوء بالماء، وفتحات في السقف ينزل منها الماء كرشاشات بدائية. خلع الخمسة ملابسهم، ثم غطّى كل واحدٍ نفسه بغطاء خشبي كان موجودًا هناك، ودخلوا الماء النظيف اللامع، الذي كان صافياً إلى درجة يمكن رؤية كل شيء فيه. كانت الابتسامة على وجوه الجميع.
قال يوكي بإعجاب: "الماء حقًا نظيف… شكرًا للسيد."
رد راي: "هذا جيد، ستكون آستر مرتاحة فيه."
ثم تحدث نيكو بنبرة متسائلة، موجّهًا كلامه إلى سامي: "يا صديقي، ربما يبدو هذا غريبًا، لكن… لماذا، رغم أن ساقك لديها شعر، توجد خمس دوائر فارغة فيها؟ هذا يبدو غريبًا حقًا."
ابتسم سامي ليستعد للرد، ثم نظر إلى ساقه، ولاحظ الأمر بوضوح. وقبل أن ينطق بكلمة—
اخترق شعورٌ مرعب عقله فجأة.
عاد كل شيء للعمل… بل، انفجر كل شيء دفعة واحدة. كل ما كان مدفونًا في لا وعيه انبعث في لحظة واحدة. تذكّر كل شيء: لماذا هو هنا، ماذا يفعل، وكيف وصل إلى هذا المكان. تذكّر اللحظة التي غرس فيها أظافر قدمه في ساقه بعد أن حمله العجوز… ولماذا فعل ذلك.
كان يعلم أن الأدوية والقدرات قادرة على شفاء الجروح لتعود طبيعية، لكنها لا تعيد الشعر الذي ذهب مع الجلد.
ارتبك سامي بشدة. أدرك الآن وضعه الغريب… وإدراكه الأكثر رعبًا كان أن عقله لم يعمل طوال الأيام الثلاثة الماضية.
صرخ داخليًا: كيف حصل كل هذا؟ لماذا لم أعترض على أي شيء؟
أدرك أن عقله كان جامدًا بالكامل. لم يفكر. لم يحلل. لم يعمل أي جانب من جوانب تفكيره—لا الذكريات، ولا الشك، ولا الحذر. كل شيء كان متوقفًا… حتى هذه اللحظة.
هل عشت حقًا ثلاثة أيام في منزلٍ غريب، في عالم المحنة، مع عجوز لا أعرف عنه شيئًا، دون أن أفكر في الوضع؟ هذا جنون… جنون مطلق. ولماذا لم يلاحظ أيٌّ من البقية ذلك؟
ثم تذكّر: لكن… كاي لم يتصرف مثلنا.
عاد إلى الواقع على صوت صديقه يناديه: "أوي سامي… سامي؟"
رد بسرعة، بابتسامة مصطنعة: "آه… لا أدري حقًا. ربما حالة خاصة."
ثم وجّه نظره بسرعة نحو كاي. التقت نظراتهما. التقط كاي ارتباك سامي، ورغم ابتسامته المبتهجة، سقط قناعه في لحظة. نظر إلى سامي بخوفٍ كامل، وارتباكٍ صامت… فبادله سامي النظرة نفسها.
كانا كأنهما أجريا محادثة كاملة دون كلمات.
بعد ثوانٍ مرعبة من النظرات الصامتة، أعاد كلاهما ابتسامته المصطنعة، وأكملا الاستحمام والمحادثات الفارغة مع البقية.
خرج الجميع من الحمام، حيث قابلهم العجوز بابتسامة مريحة، حاملاً في يديه ملابس جديدة، بيضاء بالكامل، قطنية ومريحة. وبعد أن غيّروا ثيابهم، صعدوا الدرج إلى الأعلى. وبينما كان البقية يصعدون، تعثّر كاي قليلًا، فأمسكه سامي بسرعة.
"كاي، انتبه لخطواتك أكثر." قال سامي بعتاب.
ضحك السبعة الآخرون بخفة، بينما ابتسم كاي بخجل وقال: "آسف يا سامي… كنت فقط متحمسًا."
نظر إليهم العجوز من الأسفل، وقال بصوته الحنون المعتاد: "يا أولاد، انتبهوا أكثر لخطواتكم. لا أريدكم أن تتأذوا بعد أن شُفيتم للتو."
قد يبدو المشهد عاديًا… لكنه بالنسبة لسامي وكاي كان بالغ الأهمية.
عاد الجميع إلى غرفهم. أما سامي، فتوجه إلى غرفة صغير النسر. جلس مقابل المدفأة المريحة، ناظرًا إلى جسد الفتى الصغير، وعيناه مغمضتان، ينام بهدوء.
"تبًا… لقد تحمّل هذا الفتى أكثر منا جميعًا.
حتى لو كان مقيدًا، لا يجب أن ننسى أنه مجرد طفل في النهاية.
كيف نسينا ذلك؟ لا ينبغي للأطفال أن يعانوا هكذا…
لكن المحنة لم تهتم أبدًا—لا للأطفال ولا للكبار. كانت قاسية مع الجميع.
يا له من مسكين…"
عاد سامي بنظره إلى النار، ومدّ كفيه محاولًا تدفئتهما. وفي وسط يده اليمنى، كانت هناك ورقة واحدة، مكتوب عليها جملة كبيرة واحدة:
"يجب أن نهرب من هنا الآن، سامي!"
ارتبك سامي فور قراءتها. ارتعش جسده، لكنه لم يغيّر تعابيره إطلاقًا. بدا وكأنه ما يزال مركزًا على تدفئة يديه. وجّه كفيه نحو النار، بينما انزلقت الورقة الرفيعة في صمت، واحترقت حتى تحولت إلى رماد.
" مهما فكرتُ في الأمر… من غير المنطقي ظهور عجوز بشري في هذه الغابة، وفي عالم النجاة تحديدًا.
صحيح أن البشر قد يظهرون أحيانًا في عوالم المحنة، خصوصًا الأسياد… لكن لم يُذكر من قبل وجود شخص خارجي في محنة الآخرين.
المحنة دقيقة في ذلك.
وهذا يترك احتمالًا واحدًا فقط…
هذا العجوز وحش.
والأمر الأكثر رعبًا… أنه وحش لطيف. يجيد الكلام، يعيش بهدوء في منزل مريح.
وحتى لو افترضنا أنه وحش، لماذا اعتنى بنا؟ لماذا شفى جروحنا؟
كل هذا غير منطقي…
لكن كاي لا بد أنه يعرف أكثر، لأنه لم يقع تحت فخ الوحش من البداية.
لكن… كيف لم يلاحظ الوحش ذلك؟ "
كان سامي غارقًا في تفكيره.
وفي الغرفة المجاورة، كان كاي جالسًا بهدوء على الأرضية، يسترجع ما حدث له.
عندما استيقظ، وجد نفسه تحت سقف خشبي مريح—أمر غير متوقع ومعقّد للغاية. لكن أكثر ما أثار الرعب في قلبه كان العجوز المريح الجالس بجانبه، بوجهٍ جديد، ودون أن يعترض أيٌّ من رفاقه على وجوده. لم يكن أيٌّ منهم على طبيعته.
أدرك كاي منذ البداية أن هذا هجومٌ عقلي مخيف. حاول فورًا استدعاء النظام، لكنه لم يظهر. ومع ذلك، كان متأكدًا أن مهارته تعمل. ميزته الأفضل—التي كان يفخر بها—هي ما جعله مختلفًا عن رفاقه.
"مضاد لكل هجمة عقلية."
قرر تقليد البقية. ابتسم للعجوز، وعاش مثلهم خلال الأيام الماضية، بينما كان يبحث في صمت عن أي معلومة… أي طريق للهروب.
لكنه أدرك أن تصرفه كان طائشًا.
بعد فترة، وجد نفسه بمفرده على الطاولة مع العجوز، الذي تحدث بنبرة مهددة: "يا فتى… هل تود قول أي شيء؟"
رد كاي بابتسامة مصطنعة متقنة: "أنا بخير يا سيدي، شكرًا لاهتمامك."
لم يصدق العجوز ذلك. وفي الثواني التالية، تغيّر شكل رأسه، بدأ يتفتت إلى عدة أشكال تشبه أغصان أشجار ضخمة، ثم تجمّع من جديد. لم يُبدِ كاي أي رد فعل، وحافظ على نفس الابتسامة المريحة.
أعاد العجوز شكله، وتنهد: "آه، تبا… كنت أظن أن أحد مواشي قد لاحظ شيئًا، لكن يبدو أنه مجرد فتى أحمق." ثم تابع: "لا بأس… بمجرد أن يستيقظ التاسع، سأستخدمهم على أي حال."
نظر إلى كاي، ثم قال بنفس النبرة الودودة: "يا فتى، عد الآن إلى غرفتك."
بعد تلك الحادثة، لم يفعل كاي شيئًا. عاش مثل البقية… إلى أن جاء يوم الحمام.
كان قد كتب سابقًا عدة خطط جاهزة لكل الفريق في حال حدوث أوضاع كهذه. المشكلة الوحيدة كانت: كيف يسلمها لسامي؟ والآن، بعد أن وصلت الورقة إليه، لم يبقَ عليه سوى الانتظار. كان متوقعًا أن يقوم سامي بخطوته أيضًا.
رغم أن كاي لم يستطع فعل شيء خلال الأيام الماضية، إلا أن عقله كان يعمل بكفاءة. لاحظ أن المنزل مكوّن من طابقين، لكن الطابق السفلي لا يُستخدم سوى لغرفة الاجتماع والحمام. استنتج أن الهروب من المنزل نفسه مستحيل.
لذلك، بحث عن المكان الذي يجعل العجوز يبتعد عنه أكثر. وحين لاحظ الجهة التي لا يسمح العجوز بالاقتراب منها، أدرك أنها نقطة ضعفه.
المشكلة الوحيدة… كيف يستغلها؟
لم يكن كاي يملك قدرات قتالية تضاهي قدراته العقلية، لكن لحسن حظه—الآن—كان سامي معه.
كل ما كان يحتاجه… هو ذلك.
ابتسم بهدوء، ونظر إلى السقف.
وفي الغرفة الأخرى، كان سامي جالسًا بجانب صغير النسر. وبعد تفكير طويل، ومراجعة ذكرياته، أدرك أغلب المعلومات التي كان يملكها كاي—إن لم يكن كلها.
وأخيرًا، بعد ساعات طويلة من الابتسام القسري ومواجهة الفراغ…
تحركت عينا صغير النسر.
لقد بدأ يستيقظ.
.