79
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 79: الأكاذيب تحت السرير
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
«'باي تشيهان'، أتظن أنك ستنجو من العقاب والقصاص بعد أن وجهت وعيداً لشخص ما في عرين قاعة العقاب؟»
سأله 'الشيخ شين' في حنق وضيق.
«أجل، أظن ذلك!»
أجابه (باي تشيهان) في بساطة تامة.
«أنت!»
وحتى 'الشيخ شين' نفسه لم يملك دفع الغيظ والحفاظ على وقاره أمام (باي تشيهان)، الذي لم يقم له وزناً أو يكترث لأمره.
«إنك بهذا الصنيع تضيف جرماً جديداً إلى سجل مخالفتك، وإني لمحتجزك الآن لتهديدك أحد تلاميذ الطائفة -وداخل قاعة العقاب بالذات-».
قالها 'الشيخ شين' في نبرة يسكنها البرود.
«اصنع ما بدا لك.»
أجابه (باي تشيهان)، غير مبالٍ بما توعده به على الإطلاق.
«همم! لنتابع تسيير المحاكمة. يا (باي تشيهان)، لقد تليت عليك التهم الموجهة، فهل أنت مقر بما جنته يداك؟»
طالبه 'الشيخ شين' بالجواب الحاسم.
فصوب (باي تشيهان) نظراته نحوه كمن يتفرس في امرئ غافل.
«أأقر؟»
ثم أطلق ضحكة قصيرة -جافة وساخرة-.
«بماذا أقر؟ أأتبنى جرماً حيكت حبائله من قبل شخص يتآمر ضدي علانية وبوضوح؟»
ثم استدار ليرنو نحو الجمع المحتشد الآن -وكانت عيناه ساكنتين، ونبرته ثابتة-.
«إني لم أغادر فناء داري منذ يومين كاملين. وسلوا الأشجار الساكنة هناك، وسلوا الطيور، بل سلوا إبريق الشاي إن طاب لكم ذلك.»
ثم عاد بنظره صوب 'الشيخ شين' مكملاً:
«من الجلي أن هذا الأمر محض مكيدة دُبرت لي.»
«أأنت جاد؟»
رفع 'الشيخ شين' حاجبه قليلاً مكملاً:
«وهل تملك دليلاً يثبت هذا الزعم؟»
فهز (باي تشيهان) كتفيه، غير مكترث بالضغط أو متأثر به.
«وهل تملك أنت دليلاً يثبت التهمة؟»
وخيم صمت قصير مشحون بالتوتر والترقب.
وحبس الحاضرون في القاعة أنفاسهم مجدداً.
لقد اعتاد (باي تشيهان) استفزاز 'الشيخ شين' على هذا النحو السافر، بيد أن هذا الصنيع لم يكن غريباً على من خبر طباعه من قبل، مثل شقيقته 'باي يوتشينغ'.
فطالما لم تُقدم أدلة قاطعة تدينه، فليس بمقدور أحد أن ينال منه أو يتخذ ضده إجراءً حاسماً.
حتى شيوخ عشيرته أنفسهم تجرعوا مرارة هذا الأسلوب على يديه في مواقف سابقة.
ولهذا السبب كانت 'باي يوتشينغ' تنظر إلى (باي تشيهان) على أنه شخص تجرد من الحياء تماماً -شخص يسعه نسج الأكاذيب دون أن يطرف له جفن، ويحدق في عينيك مباشرة كأنك أنت المخطئ-.
وحتى حين يقين نفسه بأنه يجافي الحقيقة، كان يتصرف وكأن الطرف الآخر هو الواهم، ممارساً عليهم نوعاً من الضغط النفسي الحاذق.
لقد كان خبيراً بالقوانين، وعليماً بكيفية تسخيرها لخدمة مأربه.
«يا 'الشيخ شان'، بغض النظر عن شهادة التلميذة المتضررة، ألديك دليل آخر يثبت أن (باي تشيهان) هو الفاعل الحقيقي هنا؟»
سأله 'الشيخ شين'، كأنما يتبع خطوات حوار جرى الاتفاق عليه مسبقاً.
فأومأ 'الشيخ شان' برأسه مجيباً:
«لقد كلفت بعض التلاميذ بتفتيش فناء مسكن (باي تشيهان).»
ثم استقام في وقفته بملامح وثيقة:
«ولقد جرى توثيق هذا الأمر كله باستخدام مرآة كريستال الذاكرة.»
وما إن نطق بهذه الكلمات حتى تقدم أحد التلاميذ المقربين، وهو يحمل كرة ملساء شفافة تنبعث منها هالة روحية خافتة.
ومرآة كريستال الذاكرة هذه -تحفة أثرية نادرة الاستعمال تلجأ إليها الطائفة لتوثيق الوقائع وعرضها بشكل مجسم-.
وكثيراً ما تُستغل في المحاكمات الكبرى ذات الأهمية، حيث يتطلب الأمر تقديم أدلة حاسمة لا تدع مجالاً للشك والجدال.
وبترديد تعويذة يسيرة، قام التلميذ بتفعيلها.
فانبعث ضوء متلألئ في فضاء القاعة، كأنه سراب يتجسد أمام الأعين.
وبدأ عرض التسجيل.
وانصبت تطلعات الحاضرين واهتمامهم نحو المشهد.
فأظهر المقطع اللحظات التي تلت التحفظ على (باي تشيهان)، حيث دلف التلاميذ إلى فناء داره في هدوء وتحفظ.
وقد بدأت اللقطات من ذلك الموضع ليتأكد للجميع أنهم لم يتلاعبوا بالأدلة أو يدسوها بأنفسهم.
وكانت تحركاتهم حذرة ومنهجية، حيث قاموا بمسح الأرجاء وتفتيش الغرف بدقة.
بل إنهم رفعوا الأسرة وقلبوا الخزائن -دون أن يمسوا أو يفسدوا شيئاً لا داعي له-.
ثم-
اقتربت الصورة تصفحاً بأسفل سرير (باي تشيهان).
وهناك، في زاوية مظلمة، استقر صندوق صغير مزخرف النقوش.
فأخرجه أحد التلاميذ في التسجيل وعمد إلى فتحه.
وعندئذ، غصت القاعة بأصوات الاستنكار والصخب.
إذ تبين أن الصندوق يحوي مزيجاً من الثياب النسائية الخاصة والملونة، بل إن بعضها قد نُقش عليه أسماء صاحباتها.
وفي الصدارة تماماً، استقرت قطعة مطرزة لا تخطئها عين لبيان مالكتها، كانت تشير بوضوح تام إلى 'مي رولان'.
فشهق بعض التلاميذ من أثر الصدمة، في حين قطب آخرون وجوههم بملامح الاشمئزاز والنفور.
وامتقع وجه 'باي يوتشينغ' غيظاً حتى غدا كقاع القدر، في حين لم يبدُ على ملامح 'تشو تشيان' تغيير يذكر.
واكتفت بمراقبة (باي تشيهان)، الذي ظل هادئاً على نحو غريب لا يتسق مع امرئ حوصر بأدلة وُصفت بأنها 'دامغة'.
أما 'شين دوليانغ' فقد خفض رأسه، وهو يبتسم في نفسه بملامح تنضح بنشوة الانتصار المستتر.
ورسم 'الشيخ شين' على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يميل بجسده إلى الأمام قليلاً.
«حسناً يا (باي تشيهان)،» قالها بنبرة تفيض بالإنكار، «ما الذي يسعك قوله والدفاع به عن نفسك الآن؟»
وانصبت أنظار الحاضرين قاطبة نحو (باي تشيهان).
وكان بعضهم ينظر إليه بنظرات الشماتة.
وبعضهم يبدي غاية الاشمئزاز والنفور.
وقلة منهم -نفر يسير جداً- غلبت عليهم الحيرة، غير موقنين إن كانت الأمور تجري على حقيقتها أم لا.
بيد أن (باي تشيهان) لم يظهر عليه أي ملمح من ملامح الاضطراب أو الحيرة على الإطلاق.
بل ألقى نظرة عابرة وخاطفة على الصورة المجسمة الدوارة للصندوق.
ثم افترت شفتاه عن ابتسامة.
ابتسامة وئيدة، كسولة، تشبه علائم الماكرين.
«ما الذي يتعين علي قوله؟»
أعاد العبارة بنبرة عادية تماماً -كأنه ليس هو المرء المستجوب في هذا المجلس-.
وتقدم (باي تشيهان) خطوة إلى الأمام، متجاهلاً تماماً الحراس الذين حاولوا اعتراض سبيله في وداعة.
«همف! بما أنك لا تملك ما تدافع به عن نفسك، فسوف نمضي قدماً في معاقبتك جزاءً وفاقاً لجرائمك!»
تردد صدى صوت 'الشيخ شين' في أرجاء قاعة العقاب، مستكبراً بارداً.
«أولاً، لسرقة الممتلكات الشخصية لزميلاتك التلميذات، سيتم قطع يدك اليمنى تكفيراً عن خطيئتك.»
وسرت همهمات صاخبة بين الحشد المحتشد.
إذ كان قطع يد المزارع بمثابة شلّ لنصف حياته وتدمير لمستقبله في الزراعة.
بدا الحكم مفرطاً وقاسياً، لكن أولئك الذين اضطغنوا الكراهية لـ (باي تشيهان) باركوا هذا القرار.
بل إن آخرين رأوا أنه على الرغم من المبالغة في العقوبة، إلا أن شخصاً متغطرساً وتجرأ على الحياء مثل (باي تشيهان) يستحق هذا النكال.
وتابع 'الشيخ شين' حديثه، رافعاً يده طلباً للهدوء: «ثانياً، لتهديدك 'مي رولان' وعيدك لها داخل جدران قاعة العقاب، يُحكم عليك بسنة كاملة من العزلة والانفراد في كهف التأمل الخاص بالطائفة».
كانت نبرته ثقيلة حاسمة لا رجعة فيها.
أفلا يقتصر الأمر على شل حركته، بل يضاف إليه سجنه وعزله؟
لقد تجاوز هذا الحكم حدود المألوف بكثير.
«وثالثاً… إذا تماديت بعد انقضاء هذه العقوبة في إظهار الاستخفاف أو سوء السلوك، فسيتم طردك من ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ بلا رحمة ولا هوادة.»
ماجت القاعة بالصخب، وسرت الصدمة والذهول بين التلاميذ كسريان النار في الهشيم، أو كحجر ثقيل هَوى في ماء ساكن.
ولكن وسط هذا العاصف كله، ظل (باي تشيهان) واقفاً في مكانه بثبات.
ولم يظهر عليه أي ملمح من ملامح الوجل أو الارتباك، بل كان يرمق الشيخ شين بابتسامة ساخرة تهكمية.
وكل من نظر إلى (باي تشيهان) في تلك اللحظة، لم يسعه أن يحدد أكان واثقاً جداً من سطوة عشيرته ونفوذها، أم أنه محض غرور وطيش يعميان بصيرته.
وقد أثار هذا البرود حنق بعض الحاضرين، في حين أورث آخرين قلقاً غامضاً.
أما 'باي يوتشينغ' –
فقد تجمعت ملامح وجهها وبدت عليها علامات الجهم والضيق.
ولم يكن ذلك شفقة منها على (باي تشيهان) أو اهتماماً بشخصه.
فلو ثبت جرمه، لكانت أول من يرى وجوب عقابه؛ إذ إن ❲عشيرة باي❳ لا تدافع عن الفاشلين ولا تحمي القمامة.
ولكن هذا الحكم بالذات…؟
كان قسوة مفرطة وتجاوزاً لا يمكن السكوت عنه.
أتقطع يد (باي تشيهان)؟
وهو وريث ❲عشيرة باي❳؟
ومن سلالتها المباشرة؟
أفقد 'الشيخ شين' رشده وصوابه تماماً؟
حتى لو اقترف (باي تشيهان) هذا الذنب، فإن النيل من وريث ❲عشيرة باي❳ بهذه الغلظة يمثل إهانة علنية وصفعة موجهة لوجه العشيرة بأسرها.
ولن يكون بمقدورهم تلافي الصدام والوقوع في حرب طاحنة مع ❲عشيرة باي❳ إن هم أنفذوا عقاب 'الشيخ شين'.
«'الشيخ شين'، ألا تظن أن هذا الحكم يمثل تجاوزاً صارخاً للحدود؟»
نطقت 'باي يوتشينغ' أخيراً، ولم تملك دفع نفسها عن الكلام؛ فـ (باي تشيهان) يظل شقيقها الأصغر، ومستقبله كله بات على المحك.
«أيتها التلميذة 'باي يوتشينغ'، على الرغم من المكانة الرفيعة والتقدير الكبير الذي تحظين بهما داخل الطائفة، إلا أن هذا لا يبيح لكِ بحال تبرئة أخيكِ وحمايته من عاقبة آثامه.»
أجابها 'الشيخ شين' في نبرة جامدة لا لين فيها.
«ومع ذلك، فإن العقوبة مبالغ فيها؛ وكان يكفي جداً طرده من الطائفة.»
قالت 'باي يوتشينغ' في حنق وضيق.
فقد رأت أنه لو كان (باي تشيهان) قد اقترف تلك الفعلة حقاً، فمن الأفضل له أن يعود إلى كنف العشيرة ليعيش فيها سيداً طائشاً، بدلاً من أن يغدو عاجزاً مشلول الحركة.
«قضائي نهائي ولا رجعة فيه. وكل من يقترف مثل هذه الآثام سيلقى نفس المصير، حتى لو انتسب إلى أرفع العائلات مكاناً وأعلاها شأناً.»
أعلن 'الشيخ شين' هذا وكأنه قاضٍ عادل منصف لا يحيد عن الحق.
وقد أكسبه هذا الموقف حظوة وثناء لدى التلاميذ المنتمين إلى خلفيات ضعيفة، إذ حسبوا أن 'الشيخ شين' سيكون لهم درعاً يحميهم من سطوة الأقوياء.
فقطبت 'باي يوتشينغ' جبينها مستاءة.
فقد بدا لها أن 'الشيخ شين' يأبى تقديم أي تنازل أو إبداء أي مرونة، وكان هذا العناد يثير أعصابها ويقلقها.
وفي تلك اللحظة، رأى 'شين دوليانغ' أن الفرصة قد سانحت للتقدم وإحراز خطوة.
«أختاه الصغرى»،
همس 'شين دوليانغ' في أذن 'باي يوتشينغ' بصوت خافت متودد:
«لعلي أستطيع التدخل واستعطاف عمي ليخفف من غلو هذا الحكم.»
فرفعت 'باي يوتشينغ' حاجبيها تطلعاً.
وفي واقع الأمر، على الرغم من إعراض 'الشيخ شين' عن الاستماع إليها، إلا أنه قد يلين لرجاء ابن أخيه.
«ولكن»، تابع 'شين دوليانغ' حديثه وعيناه تلمعان بمأربه:
«أريد من (باي تشيهان) أن يتقدم باعتذار صريح عما اقترفه في حق عائلتي داخل ❲عشيرة باي❳.»
لقد كان يخطط لكسب رضا 'باي يوتشينغ' من جهة، والثأر لنفسه وتجريد خصمه من كبريائه من جهة أخرى.
أطالت 'باي يوتشينغ' التفكير برهة ثم أومأت برأسها موافقة.
إذ رأت أن انصياع (باي تشيهان) للاعتذار أخف ضرراً بكثير من خسارة مستقبله وحياته.
علاوة على ذلك، كانت موقنة في نفسها أن (باي تشيهان) قد نال بالتأكيد من 'شين دوليانغ' وآذاه مسبقاً، مهما ادعى الخدم خلاف ذلك.
وفي هذه الأثناء، ظل (باي تشيهان) واقفاً في مكانه يرقب المشهد في صمت.
وأخيراً، انفرجت شفتاه عن حديث كسلان ساخر، تفيض نبراته بالازدراء.
«أتقطعون يدي؟»
ثم أطلق ضحكة خافتة -منخفضة مبحوحة- كمن لا يكاد يصدق هذا القدر من الحماقة الذي يطرق سمعه.
«أهذا هو الحكم العادل الذي ارتأيته لما سميته جرائمي؟»
هكذا سأل (باي تشيهان).
فظن 'الشيخ شين' -وشاركه في ظنه كثير من الحاضرين- أن (باي تشيهان) قد ثاب إليه رشده أخيراً، واستبد به الخوف من العاقبة التي تنتظره.
«أجل، هو كذلك!»
أعلن 'الشيخ شين' في ثقة وتأكيد.
«أحقاً ما تقول؟»
توقف (باي تشيهان) لحظة يسيرة قبل أن يتم حديثه:
«وماذا لو كان هناك من دبر هذه الخديعة برمتها، وحاك حبائلها ليرميني بالزور والبهتان؟ أستكون العقوبة والنكال ذاتهما بحقه؟»
سأل (باي تشيهان) بنبرة ثابتة، حادة وقاطعة.
«نعم بلا ريب! لا عفو ولا رحمة لمن يقترف مثل هذه المنكرات، وكل من يفتري على الآخرين ويزور التهم سيلقى نفس الجزاء والنكال!»
قال 'الشيخ شين' في صرامة وجفاء.
«حسناً إذن. أرجو أن تذكر كلماتك هذه جيداً ولا تنساها.»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية