293
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 293: زراعة جسد الجليد السماوي
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
اتجه (باي تشيهان) نحو طاولة الدراسة وجلس، ثم أخرج فرشاة وحبرًا وأوراقًا من اليشم.
تجهم وجهه، واختفت ابتسامته العابرة المعتادة.
غمس الفرشاة في الحبر، وثبت يده ليبدأ بخطّ ضربة تلو الأخرى على لفافة جديدة.
جلست 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' في مكان قريب، ويداها متشابكتان بإحكام في حجرها. انتظرت بصبر، ولم تجرؤ على إزعاج (باي تشيهان) وهي جالسة هناك.
وبدا الزمن وكأنه يمرّ ببطء.
وأخيرًا، وبعد ما بدا وكأنه دهر، زفر (باي تشيهان) ووضع الفرشاة جانبًا.
تجلت أمامه مجموعة كاملة من الرموز المعقدة التي تنبض بهالة خافتة مخيفة – كتاب الصقيع الخالد.
لم يكن الحبر قد جف تمامًا بعد، ومع ذلك زحف خيط من الصقيع على سطح اللفافة.
انحنى (باي تشيهان) إلى الخلف وهو يفرك معصمه. وتأمل النص لفترة طويلة قبل أن يلتفت إلى 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
«ها هو!»
قال ذلك وهو يسلمها كتاب الصقيع الخالد.
«هذه هي التقنية التي ستمكنكِ من التحكم في جسد الجليد السماوي خاصتكِ.»
أخذت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' اللفافة، وما زالت غير متأكدة من الأمر. حسنًا، لا ينبغي له أن يمزح بشأن أمر كهذا… أو هكذا فكرت على الأقل.
«الآن، ارحلي! لديّ أشياء مهمة لأفعلها!»
ثم طردها (باي تشيهان) كما لو كانت جروًا مزعجًا.
حسنًا، لا بد أن تقتصر «أشياؤه المهمة» هذه على الاسترخاء والنوم.
• • •
غادرت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' غرفة (باي تشيهان)، واللفافة مضمومة بقوة إلى صدرها. لم يكن ثمة سبيل لمعرفة ما إذا كانت ستفيدها حقًا حتى تتقن استخدامها بنفسها، لكنها كانت تأمل ذلك. بل كان لزامًا عليها أن تفعل.
سارت في الممر الهادئ، وسرعان ما وصلت إلى غرفتها.
وعندما فتحت الباب، رأت صديقتها المقربة تتكئ بكسل على النافذة، وضوء القمر ينسكب على كتفيها.
رفعت 'تشو تشيان' رأسها على الفور.
«إلى أين اختفيتِ؟»
سألت بفضول.
«إلى غرفة (باي تشيهان).»
أجابت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بصدق.
رمشت 'تشو تشيان'، ثم أمالت رأسها في حيرة.
‹هل كان لديها سؤال آخر؟›
كانت 'تشو تشيان' لا تزال مصدومة من حقيقة (باي تشيهان)؛ فكيف انتقل من عالم [تكوين النواة] إلى عالم [تكوين الروح] في عام واحد فقط؟ حسنًا، لقد كانت تتوقع ذلك. وإلا، فقبل سنوات، عندما دبر مكيدة ضدها وهزمته، لما عجز عن المقاومة تمامًا لو كان يمتلك أي قوة.
لم تكن تعتقد أن (باي تشيهان) من النوع الذي يتلقى الضربات مستسلمًا إن كان يمتلك أي قوة.
حسنًا، كان ذلك خطأه أيضًا لمحاولته التنمر عليها عندما قَدِمَت لأول مرة إلى ❲عشيرة باي❳.
لم تستطع 'تشو تشيان' إلا أن تبتسم عندما تواردت تلك الذكرى إلى ذهنها.
ذلك الطفل المشاغب ذو التسع سنوات!
لقد كان شيطانًا صغيرًا مشاغبًا بحق. ولطالما استمتعت بتأديبه كلما زارت العشيرة، مع أنه كان يتجنبها آنذاك وكأنها مصابة بالطاعون.
لكن الآن، حتى وجود زعماء الطوائف وقادة العشائر لم يعد يبدو له أكثر من مجرد مصدر إزعاج.
‹كم يمر الوقت سريعًا!›
«'باي تشيهان'؟ لماذا؟» سألت 'تشو تشيان'.
أجابت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' ببساطة: «كان لدي أمر لأناقشه معه»، ولم يكشف تعبير وجهها عن أي شيء.
وعلى الرغم من ثقتها في 'تشو تشيان' أكثر من أي شخص آخر، إلا أن تحذير (باي تشيهان) ظل يتردد صداه بوضوح في ذهنها.
وقبل أن تتمكن 'تشو تشيان' من الإلحاح في السؤال، لوّحت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بيدها.
«يجب أن تستريحي!»
قالت ذلك وهي تهمّ بالمغادرة.
«وإلى أين أنتِ ذاهبة الآن؟» سألت 'تشو تشيان' في حيرة.
«لدي أمر أريد تجربته في غرفة الزراعة!»
تأملتها 'تشو تشيان' للحظة، ثم تنهدت وأومأت برأسها.
«حسنًا. لا ترهقي نفسكِ.»
ابتسمت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' ابتسامة خفيفة قبل أن تغادر، وقد تسارعت خطواتها.
• • •
داخل غرفة الزراعة الخاصة بها، ساد الصمت.
«هووو…»
أخذت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' نفسًا عميقًا.
ثم وضعت اللفافة أمامها بحرص. وجعلها الصقيع الخفيف المنبعث منها تشعر بوخز في أصابعها حتى دون أن تلمسها.
أخذت نفسًا عميقًا آخر، ثم قامت بفكها ببطء.
أشرقت عينا 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
«لنرَ»، تمتمت لنفسها.
عقدت ساقيها، واستقام ظهرها، وأغمضت عينيها، وبدأت في التدريب وفقًا لـ كتاب الصقيع الخالد.
وعلى الفور، اندفع البرد عبر مسارات الطاقة في جسدها، حادًا ولكنه نقي كخيوط لا حصر لها من جليد الشتاء تُنسج داخل جسدها.
استجاب جسد الجليد السماوي الخاص بها.
ذلك الجسد الذي كان دائمًا بمثابة عبءٍ يشتعل ويثور عند أدنى اضطراب، قد تغير وضعه فجأة.
واستجابت تيارات الطاقة الباردة التي كانت تخرج عن السيطرة في السابق.
وبدأ الصقيع الجامح الذي كان ينهش باستمرار في منطقة الدانتيان لديها يتدفق بسلاسة، كما لو أنه وُجّه أخيرًا إلى مساره الصحيح.
كان الأمر كما لو أن جسدها قد وجد لغةً يفهمها لأول مرة.
اهتزت قاعدة تدريب 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
كولورب!
اهتزت مسارات طاقتها، ونبضت قوتها، واندفع عالمها كفيضان يخترق سدًا.
!!!
فتحت عينيها فجأة، وقد تألقت من الصدمة.
«هذا…» ارتجف صوتها بينما تناثرت ذرات من الصقيع من بين شفتيها.
لم تكن سرعة تدريبها ضعف أو ثلاثة أضعاف سرعتها العادية فحسب، بل بدت وكأنها تضاعفت عشر مرات.
أسرع بكثير من ذي قبل!
لم يكن هذا بالتأكيد تأثيرًا يمكن لأسلوب تدريب من الدرجة الأرضية أن يحققه.
«كتاب الصقيع الخالد… هل يمكن أن يكون تقنية من الدرجة السماوية؟»
‹لكن حتى التقنيات من الدرجة السماوية لا ينبغي أن تكون بهذه القوة، أليس كذلك؟›
لم يقتصر الأمر على كونه أسلوب زراعة أقوى، بل بدا وكأنه يرتقي إلى مستوى مختلف تمامًا.
ولكن بالطبع، وكما استنتجت هي، ربما يعود السبب إلى أن التقنية تلائم جسد الجليد السماوي خاصتها بشكل مثالي، مما أدى إلى هذا التأثير الجذري.
ومع تسارع دقات قلبها، أغمضت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' عينيها مرة أخرى وركزت.
لتنغمس كليًا في الزراعة.
مضت الساعات وكأنها مجرد لحظات عابرة.
وعندما فتحت عينيها أخيرًا مرة أخرى، كانت الشمس قد بدأت في الشروق.
وكان الهواء من حولها شديد البرودة، لدرجة تكفي لتجميد قطرات الندى وتحويلها إلى بلورات متلألئة.
ارتفع صدرها وانخفض بسرعة، وما زال جسدها يشعر بوخز الطاقة الحيوية. وجلست في صمت لبضع لحظات، مذهولة وغير قادرة على تصديق ما حدث.
وأخيرًا، انفرجت شفتاها، وتسللت همسة خافتة في الهواء المتجمد:
«هل يمكن أن تكون هذه… تقنية من الدرجة المقدسة؟»
ارتجفت يداها قليلًا وهي تشد قبضتها على ردائها.
في السابق، كانت تعتقد أنها قد تكون تقنية من الدرجة السماوية، وهو أمر يفوق التصديق بحد ذاته.
لكن هذه التقنية كانت قوية للغاية. ولربما – مجرد احتمال – كانت شيئًا لم يكن من المفترض أن يوجد في إمبراطورية السماء القاحلة أصلًا… تقنية من الدرجة المقدسة.
هزت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' رأسها نافية.
«مستحيل!»
ناهيك عن ذلك؛ فهل كان (باي تشيهان) سيعطيها إياها حتى لو امتلك مثل هذا الشيء العظيم؟
ولكن مع ذلك، كانت هذه التقنية بالتأكيد هي الأقوى بين كل ما رأته أو سمعت عنه على الإطلاق.
ولذا، كانت تشعر بامتنان عميق.
«'باي تشيهان'… أين وجد هذا؟» تساءلت في نفسها.
هل كان هذا شيئًا عثر عليه بمحض الصدفة، أم ربما شيئًا بذل جهدًا مضنيًا للحصول عليه؟
بدا الاحتمال الأخير مستبعدًا للغاية. ومع ذلك، كانت تأمل في قرارة نفسها… أن يكون هذا ما حدث فعلًا.
• • •
استمرت الاحتفالات في جميع أنحاء ❲عشيرة باي❳.
إذ لم يكن الفوز بمسابقة التنين والعنقاء أمرًا يُستهان به، وبالتأكيد لم يكن الاحتفال به لينقضي في ليلة واحدة فقط.
فقد كان اليوم التالي أروع وأبهى من سابقه.
حيث توافد الضيوف من كل ركن من أركان إمبراطورية السماء القاحلة؛ مبعوثون من الطوائف العظيمة، وممثلون عن العشائر النبيلة، وحتى الخبراء المتجولون الذين آثروا العزلة في العادة.
جاء بعضهم حاملين هدايا التهنئة، بينما قدم آخرون بطموحات مكشوفة، سعيًا لتوطيد العلاقات مع الحاكم الجديد الذي لا يُشق له غبار من الجيل الشاب.
رفرفت رايات قرمزية وذهبية بفخر فوق البوابات الرئيسية، وقد طُرّز كل منها بشعار ❲عشيرة باي❳.
وفي الداخل، كان سيل لا ينقطع من المزارعين يمر عبر الساحات، بتوجيه من الخدم نحو القاعة الكبرى، حيث تمتد موائد الولائم بلا نهاية، وتتدفق أنواع النبيذ النادرة كالأنهار.
ووقف 'باي تيان هنغ' في قلب ذلك كله، شامخًا وثابتًا.
كان صوته هادئًا لكنه يفيض بالهيبة، ويصل إلى الأسماع بسهولة وهو يستقبل وفدًا تلو الآخر.
مقدمًا للبعض كلمات شكر مهذبة، ومكتفيًا مع البعض الآخر بإيماءة خفيفة.
لقد أصبحت ❲عشيرة باي❳ الآن راسخة بقوة بوصفها أقوى عشيرة في الإمبراطورية.
لكن غياب 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' لم يمر مرور الكرام.
فقد انتشرت الهمسات بين الضيوف الذين كانوا يتوقعون رؤية جنية الجليد السماوية بنفسها، تلك التي أبهر بريقها الجميع في المنافسة. ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على التعبير عن أي شكوى صريحة.
فقد كان زعيم ❲عشيرة باي❳ نفسه حاضرًا، وكانت هيبته وحدها كفيلة بإسكات مئات الشكوك.
وأدرك الحكماء جيدًا أنه في هذه الإمبراطورية، باتت كلمة ❲عشيرة باي❳ بمثابة القانون الذي لا يُرد.
ومع ذلك، لم تقتصر الاحتفالات على تقديم التهاني فحسب، بل حملت في طياتها بعض المكائد. فقد ذاع صيت جنية الجليد السماوية في أرجاء إمبراطورية السماء القاحلة، وارتقى بها انتصارها على أحد مختاري السماء إلى مكانة قلّما يبلغها أحد. وبطبيعة الحال، كان ما تلا ذلك أمرًا حتميًا.
فواحدًا تلو الآخر، اقترب المبعوثون والسفراء من 'باي تيان هنغ'، بأصواتهم المعسولة وكلماتهم المنمقة المهذبة. ولكن من تحت ذلك كله، كانت نواياهم جلية واضحة.
إنها عروض الزواج!
جاء بعضهم ممثلين لطوائف عظيمة، وقدموا كنوزًا وأعشابًا روحية نادرة، مصحوبة بوعودٍ بالتحالف إن أمكن تزويج 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' من سلالتهم.
وجاء آخرون من عائلات نبيلة، زاعمين أن عباقرتهم الشباب جديرون بالوقوف إلى جانبها.
بل إن البعض ذهب إلى حد اقتراح تحالفات سياسية من شأنها أن تربط ❲عشيرة باي❳ بمناطق نفوذ بأكملها.
وفي القاعات الخارجية، انتشرت الشائعات كالنار في الهشيم.
«هل سمعتم؟ ❲قصر البرق القرمزي❳ قد عرض سيده الشاب للزواج منها!»
«تشه، هناك أيضًا عروض من أفضل عشر عشائر في الإمبراطورية.»
«هاه، حتى ❲العائلة الإمبراطورية❳ قد أرسلت رسالة. هل يمكنكم تخيل جنية الجليد السماوي كزوجة لأحد الأمراء؟»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN