26
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 26: لا مفر
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
خرج (باي تشيهان) من عزلته بعد أن انتهى من اختبار قوته الجديدة.
ولم يمر سوى يوم واحد منذ أن اعتزل الناس لصقل جسده، ومع ذلك بدا وكأن أحداثاً جساماً قد وقعت داخل ❲عشيرة باي❳ خلال فترة غيابه القصيرة.
فقد كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لإتمام خطوبته من 'تشو تشيان'. ومع ذلك، لم تكن هذه هي المفاجأة الكبرى التي كانت بانتظاره.
ففي اللحظة التي ظهر فيها، اقتربت منه 'لُوه تشـِـينغ' على عجل، وقد ارتسمت على وجهها نظرة قلقة.
«سيدي الشاب!»
نادت بصوت عالٍ ينم عن إلحاح شديد.
ألقى (باي تشيهان) نظرة خاطفة عليها، متسائلاً في سرّه عن سبب هذا الاستعجال غير العادي.
«ما الذي حدث؟»
أجابت 'لُوه تشـِـينغ' بتوتر: «لقد كانت السيدة 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' تبحث عنك. فقد أرادت التحدث مع السيد الشاب، وأوصتني بإبلاغك بالأمر في أسرع وقت ممكن».
‹ماذا أيضاً؟ يا ترى ماذا فعلت هذه المرة؟!›
استبد القلق بـ (باي تشيهان) على الفور بمجرد أن ذكرت 'لُوه تشـِـينغ' أن أخته تبحث عنه.
فلم تكن 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' تطلبه إلا عندما يكون بصدد إثارة المتاعب والمشكلات.
وكلما حدث ذلك، كان يعلم يقيناً أنه بات في مأزق عويص – تماماً مثل تلك الأيام التي قضاها في مضايقة تلاميذ طائفة سيف مغاوير السماء.
«هل أفصحت عن السبب؟»
سأل (باي تشيهان).
أجابت 'لُوه تشـِـينغ' بارتباك: «لم تخبرني السيدة 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بالسبب، واكتفت بإرشادي لأسرع بإبلاغ السيد الشاب».
وبدا من ملامحها أنها تملك حدساً أو فكرة ما عما قد يدور في الخلد، لكنها لم تجرؤ أبداً على التكهن بنوايا 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' أو أفكارها.
ولم يُلح (باي تشيهان) بدوره في طلب المزيد من التفاصيل.
فإذا كان لدى 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' أمر مهم لتقوله، فسوف يعرفه قريباً لا محالة.
ودون إضاعة أي وقت هباءً، توجه بخطاه نحو جناح أخته.
طرق! طرق!
..
«من بالباب..؟»
جاءه صوت بارد من الداخل – وكان جلياً أنه صوت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
«أنا هو يا أختي!»
أجاب (باي تشيهان).
«ادخل!»
دفع (باي تشيهان) الباب ودخل الغرفة على الفور، ليراها جالسة بوقار على كرسيها.
ألقت نظرة خاطفة نحوه، وتقيّمته عيناها الحادتان بنظرة فاحصة.
كان هناك تبدل ما في هيئة (باي تشيهان)، لكنها لم تستطع تحديد كنهه بدقة. كما أنها لم تشغل بملكا بالتفكير في الأمر طويلاً.
«أختي، لماذا استدعيتِني؟»
بادرة (باي تشيهان) بالسؤال فوراً، إذ لم يكن يود إهدار وقته في الكلام الفارغ.
«لن أهدر وقتاً معك في الجدال. أولاً، لقد أُبرمت خطوبتك من 'تشو تشيان' رسمياً. وهذا أمر يصب في مصلحتك.»
«…»
لازَم (باي تشيهان) الصمت التام، رغم أن حرارة التذمر كانت تكوي جوفه. فأي خير في هذا يقينًا؟
لكن الشكوى لن تجدي نفعاً، بل قد تدفعها للتساؤل عن سبب تبرمه وهو ينال ما يفوق استحقاقه، تماماً مثلما يفعل والده.
فقد كان يدرك تمام الإدراك أن 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' تكنّ لـ 'تشو تشيان' من التقدير أضعاف ما تكنّه له. وحتى لو لم يكن راضياً، فهي لن تكترث لرضاه.
ولعل الأمر لو انعكس وأرادت 'تشو تشيان' فسخ الخطوبة، لكانت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' أول من يبارك هذا القرار ويدعمه.
«لست بحاجة لأن أذكرك بما سيؤول إليه حالك إن أسأت معاملتها»، حذّرته 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بلهجة صارمة.
وبحكم معرفتها السابقة بطبيعة (باي تشيهان) ومسلكه، كانت تدرك تماماً أن احتمالية إثارته للمشاكل تظل عالية جداً.
وكان احتمال إقدامه على إساءة معاملة 'تشو تشيان' وارداً أيضاً – ربما باتخاذ عشيقة أو ارتكاب حماقة أخرى من هذا القبيل.
لذا، بادرت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' لتحذيره من ارتكاب أي من تلك الحماقات، وشددت على ضرورة معاملتها بالحسنى.
ومع ذلك، وبالنظر إلى تفاوت مستوى تدريب 'تشو تشيان' مقارنة بـ (باي تشيهان)، فلم تكن حتى بحاجة للتدخل لحمايتها.
فلو تجرأ (باي تشيهان) على إساءة معاملتها، لكانت 'تشو تشيان' قادرة على تأديبه بنفسها دون عناء.
ورغم ذلك، وبصفته الصديقة المقربة لـ 'تشو تشيان'، اعتقدت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' أن لديها مسؤولية أدبية لضمان أن يغدو شقيقها زوجاً لائقا.
« والأهم من كل ذلك، أن هذا الارتباط يكفل تثبيت مكانتك بصفة الوريث لـ ❲عشيرة باي❳»، أردفت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' مؤكدةً، لتضمن أن يدرك (باي تشيهان) حجم المكاسب التي جناها.
«لكن إياك أن يدفعك هذا للزهو والغرور؛ فأنت لا تزال بعيداً كل البعد عن أن تكون جديراً بها.»
وعند سماع تلك الكلمات، بقي تعبير وجه (باي تشيهان) مبهماً وعصياً على القراءة.
‹ومن يبتغي أصلاً أن يكون جديراً بها؟ أنا حقاً لا أليق بها البتة – أرجوكم أفسخوا هذه الخطوبة واكفوني شرّها!›
لعن (باي تشيهان) حظه في سرّه ألف مرة.
وتابعت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' حديثها قائلة: «فلتجتهد في عملك. وإن كنت ترغب بحق في الوقوف إلى جانبها، فعليك إثبات جدارتك للجميع».
فلم يملك (باي تشيهان) إلا أن يتبرم في قرارة نفسه، شاكياً حظه من أنه لا يبغي الوقوف بجانبها من الأساس – ولا رغبة لديه في إثبات أي شيء لأحد.
‹يا للهول، لماذا تكلل خطوبتي بالنجاح رغم ضحالة موهبتي، بينما يُحرم بطل الرواية منها وتُفسخ خطبته لأسباب تافهة مماثلة؟›
لم يسع (باي تشيهان) إلا أن يُصاب بالذهول من مدى شذوذ مسار حياته مقارنة بحكايات الأبطال.
‹تُرى، ألا يرفل خطيب أختي السابق في سعادة غامرة الآن بعد أن تخلص من كابوس خطوبتها؟›
بدأ الشك يتسلل إلى نفس (باي تشيهان).
فلو قُدر له أن يخطب امرأة متجبرة وشرسة بأسلوب 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، لكان طار من فرحته لفسخ تلك الخطوبة.
وبالطبع، لم يكن بوسعه التفكير بهذه الطريقة سوى لأنه كان يدرك أنه حتى لو مُني بفسخ خطوبته، فلن يؤثر ذلك عليه ولا على ❲عشيرة باي❳ بشكل كارثي.
فقد كان الوضع مختلفاً جذرياً بالنسبة لخطيب 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' السابق – إذ كان (باي تشيهان) يوقن تمام اليقين أنه سيعود يوماً ليأخذ بثأره وينتقم لكرامته المهدرة.
تركت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' كلماتها تأخذ صدى في المكان، قبل أن تلقي بقنبلتها التالية.
«ثانياً، لقد تم قبول انضمامك رسمياً إلى طائفة سيف مغاوير السماء.»
ضيّق (باي تشيهان) عينيه في دهشة بالغة.
‹ماذا تقصدين؟ هذا محض محال!›
لكي يظظفر المرء بقبول في طائفة سيف مغاوير السماء، كان لزاماً عليه استيفاء شروط تعجيزية – كبلوغ مرحلة [تكثيف النواة] قبل إتمامه الخامسة عشرة من عمره.
ولم يكن (باي تشيهان)، الذي بلغ للتو عامه الخامس عشر ومكث في مرحلة [تكوين النواة] المتأخرة فقط، مستوفياً لأي من تلك الشروط.
فقد كان يفتقر تماماً لكل من موهبة الزراعة والقدرة على العمل الجاد – وهما العملتان الرائجتان اللتان تعتد بهما طائفة سيف مغاوير السماء.
«فلتستغل هذه الفرصة العظيمة خير استغلل»، قالتها 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' ببرود.
«انتظري… عذراً، ماذا قلتِ؟»
قاطعها (باي تشيهان) مذهولاً، متخلیاً عن خطته الأصلية في الاكتفاء بالاستماع والصمت.
لكن هذا النبأ غير المتوقع بالمره أرغمه على التشكيك في صحة ما سمعته أذناه.
فأي دواء مسكر أو سحر أسود تعاطته قيادة طائفة سيف مغاوير السماء لتقبله هكذا فجأة تلميذاً في صفوفها؟
«أختي، ما الذي تعنينه بالضبط بقبولي في طائفة سيف مغاوير السماء؟»
سأل (باي تشيهان) بإلحاح.
فقد كان يعلم علم اليقين أنه بموهبته المتاحة وشخصيته، لم تكن هناك أي ذرة احتمال لأن تقبله طائفة سيف مغاوير السماء ولو كعامل نظافة.
«هذا هو الواقع الماثلة أمامك. فما أن تتم مراسم خطوبتك من 'تشو تشيان'، حتى ترافقنا صعوداً إلى طائفة سيف مغاوير السماء. وأرجو أن تتصرف هناك بتعقل والتزام تام. وإلا، فلن يستطيع حتى والدي إنقاذك من بطش العقاب الرادع.»
هكذا حذرته 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بلهجة حاسمة.
«كيف يُعقل هذا الطرح؟ فأنا أبسط العجز عن استيفاء أي من معايير طائفة سيف مغاوير السماء.»
احتج (باي تشيهان) معترضاً.
«تباً لك! لقد استثنوك خصيصاً لأنهم أدركوا أنك تمتلك عظمة داو.»
أجابت 'باي تشيهان' وعليها مسحة واضحة من الاشمئزاز. فقد كانت على علم بالطريقة التي حصل بها (باي تشيهان) على ذلك، وتلك في نظرها فضيحة شائنة.
وبالطبع، لم يكن الغرباء يعلمون شيئاً عن هذا السر؛ فلم يكن على دراية به سوى نفر قليل من كبار القوم وذوي الرتب الرفيعة داخل ❲عشيرة باي❳.
«والأهم من ذلك كله، أن مجرد كونك خطيباً لـ 'تشو تشيان' قد لعب دوراً محورياً في حسم الأمر. فشيوخ طائفة سيف مغاوير السماء مطلعون على أمر الخطوبة، وقد وافقوا بترحيب على التماس والدك بأن تبقيا معاً.»
وبالطبع، لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب؛ فلا بد أن 'باي تيان هينغ' قد أغدق سيلاً من الرشايا والهدايا الثمينة على أسياد طائفة سيف مغاوير السماء ليمريروا الأمر.
علاوة على ذلك، ساعده حظه العاثر في كون شقيقته هي 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، رغم أنها كانت لتموت قبل أن تعترف بذلك علانية.
«…»
عجز (باي تشيهان) عن إيجاد الرد المناسب.
فقد بدا له أنه منذ أن تناهى إلى مسامعه خبر خطوبته المشؤومة من 'تشو تشيان'، والأمور تنحدر به من سيء إلى أسوأ.
بالطبع، لن يعترف أبداً بأن معظم تلك المآسي كانت نتاجاً لطيشه وسلوكه المشين. فوالده المسكين لم يكن يفعل سوى ما يعتقد أنه في صالح ابنه ومستقبله.
«وأخيراً، لقد استدعيتك إلى هنا لأجل أمر آخر هام.»
‹يا للهول… هل هناك المزيد من الكوارث في الطريق؟!›
تأوه (باي تشيهان) في سرّه بمرارة، شاعراً أنه قد اكتفى تماماً من تلقي الأخبار الصادمة لليوم.
«يبدو أن ثمة تحركات مريبة من قِبل شيوخ ❲عشيرة باي❳ الآخرين للتقرب من 'تشو تشيان'. يبدو أنهم بدأوا يحيكون مؤامراتهم للتدخل.»
قالتها 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بملامح متجهمة.
‹أوه؟!›
وعند سماع هذا النبأ، بدلاً من أن يستشاط غضباً، شعر (باي تشيهان) بوميض خافت من الأمل يضيء صدره.
فلم يكن يتوقع أبداً أن يجد من يمهد له الطريق من داخل ❲عشيرة باي❳ ذاتها، وإن كان يدرك تماماً خلفيات نواياهم الخبيثة.
لكن طالما نجح مسعاهم في إفساد الأمر، فسيغدو حراً طليقاً من هذا القيد الثقيل.
«لذا، عليك التدخل وفوراً لإيقافهم عند حدهم!»
أمرت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بلهجة آمرة.
«هاه؟ ولماذا أفعل ذلك؟»
سأل (باي تشيهان) ببراءة مصطنعة.
«ولماذا تسأل؟ أنت خطيبها الشرعي! ماذا تعني بلماذا؟ ألا ترغب في ذلك أم ماذا؟»
حدقت فيه 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' بنظرة ثاقبة تكاد تقطر بروداً.
وبدا واضحاً تماماً أنها على وشك إلقاء محاضرة مطولة وملؤها التأنيب إن تجرأ وأجاب بالرفض.
«بالتأكيد، بكل سرور! سأفعل حرفياً كل ما تأمرين به يا أختي العزيزة.»
وافق (باي تشيهان) ب سرعة فائقة ودون تردد؛ إذ كان يعلم علم اليقين أن مجادلة أخته في هذا الموقف تعتبر انتحاراً محققاً.
«حسناً، هذا كل ما في الأمر. يمكنك الانصراف الآن!»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN