224
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 224: أين تكمن السلطة
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
فوق الساحة، نُظمت المدرجات المخصصة للمتفرجين في مستويات متدرجة.
وفي أرفع تلك المستويات تربع الجناح الإمبراطوري، متدثرًا بستائر ذهبية زاهية، ومزدانًا بنقوش طائر العنقاء المهيبة.
وهناك، احتشد كبار رجالات الدولة وأقوى حراس الإمبراطورية، يحيطون بشخصية بارزة تتدثر برداء إمبراطوري أحمر داكن.
خيم صمت مهيب على أرجاء الساحة.
«إنه الأمير الأول!»
«هل يحضر هنا ممثلًا للعائلة الإمبراطورية؟»
«الأمير 'يو زين'… من سوء طالعه أنه في إمبراطورية السماء القاحلة، لا يشفع لك كونك الأمير الأول لتتبوأ ولاية العهد.»
• • •
في واقع الأمر، وعلى النقيض من العديد من الإمبراطوريات المجاورة، لم تكن أسبقية الولادة تحمل وزنًا يُذكر في إمبراطورية السماء القاحلة.
فمن يطمح لبلوغ ولاية العهد، يتحتم عليه أن يبرهن على جدارته وأهليته لحمل هذا اللقب الثقيل.
فلو تسنى لأحد الأمراء أو الأميرات الاستحواذ على ميراث الإمبراطور الخالد، لبات الوريث المتوج حتمًا، ولآل إليه عرش الإمبراطورية في نهاية المطاف.
لكن بالطبع، لم يقع أمر كهذا قط، فظل مقعد ولي العهد شاغرًا – رغم ما يُتداول من شائعات حول تدهور صحة الإمبراطور.
جالت عينا الأمير الأول في جنبات الساحة بنظرات مشبعة بالحماس والحسابات الدقيقة.
فلم يكن هذا التجمع مجرد حلبة لصياغة مستقبل إمبراطورية السماء القاحلة، بل كان أيضًا ملتقى لذوي النفوذ والشبكات الواسعة – أولئك الذين يشكلون قوى الغد الصاعدة.
وأدرك أنه إن لم يغتنم الفرصة المواتية لكسب ولائهم وتأييدهم، فإن حلمه باعتلاء العرش سيبتعد ليصبح سرابًا بعيد المنال.
وإلى يمينه، جلس ممثلو العائلات النبيلة العريقة.
بينما اصطف إلى يساره ثلة من كبار الوزراء.
ورغم أنه لم يظفر بولاية العهد رغم كونه البكر، إلا أن جعبته لم تخلُ من المزايا.
ففي ميادين التعليم، والزراعة، وبناء التحالفات، كان يتفوق على إخوته بأشواط بعيدة.
وإن مجرد اختياره لتمثيل الإمبراطور في هذا المحفل، كان بمثابة إقرار ضمني بأنه الأقرب لتبوء سدة الحكم من بين إخوته.
ثم كان هناك قسم آخر مخصص لكبار الزوار، حيث حجزت مقاعد للطوائف والعشائر الكبرى، كعشائر باي، ولي، وتشاو، إلى جانب ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳، و❲قصر البرق القرمزي❳، و❲طائفة الشمس الزرقاء المقدسة❳، و❲قاعة اليشم السماوي❳.
وتعلقت أنظار الكثيرين نحو الأعلى – فقد كان من النادر جدًا رؤية هذه القامات الشامخة مجتمعة في مكان واحد.
كان بعض شيوخ هذه الطوائف يمثلون أساطير حية تسير على قدمين، مما أضفى على الأجواء هالة من الحنين والذكريات المتهامسة.
فقد سبق للعديد من هؤلاء الشيوخ خوض غمار مسابقة التنين والعنقاء في ريعان شبابهم، مما زاد من ثقل ومهابة اللحظة.
«لا زلت أذكر يوم وقفت على هذا المسرح لأول مرة.»
«هاها… أتقصد ذلك اليوم الذي سُحقت فيه بضربة واحدة؟»
«ذلك… ذلك لأن خصمي كان 'باي تيان شنغ'!»
• • •
وتعالت الضحكات الخافتة، متداخلة مع رشفات النبيذ الروحي والتعليقات المتبادلة بهمس.
وفي تلك اللحظة الفارقة—
هبت نسيم خفيف.
ولكن، كما هو الحال في السكون المطبق الذي يسبق سل السيف من غمده، بدا وكأن الساحة بأكملها قد تبدل حالها.
إذ خطا شخص واحد، متدثرًا برداء يجمع بين السواد والبياض الداكن، وتزينه خيوط فضية باهتة، ليلج جناح ❲عشيرة باي❳ المحجوز بخطى هادئة وعفوية.
لا موكب فخم.
ولا ضجيج يسبق قدومه.
مجرد وصول هادئ ورزين.
ولكن، واحدة تلو الأخرى، التفتت الأعناق نحوه.
بدءًا من النبلاء القابعين في المدرجات السفلية، وصولًا إلى الشيوخ في المقاعد العليا – بل إن الوزراء الجالسين إلى جوار الأمير الأول قد انحنوا إلى الأمام قليلًا في اهتمام بالغ.
لقد وصل (باي تشيهان).
كانت خطواته هادئة، تكاد تخالطها مسحة من الكسل، وكأن المشهد برمته يبعث في نفسه الملل.
ومع ذلك، كان الهواء المحيط به ينضح بهالة من الحدة الخفية – كنصل سامٍ قابع في غمده، ينتظر لحظة الانقضاض.
مر بجوار تلاميذ ❲باي❳ دون أن ينبس ببنت شفة.
ولم يكلف نفسه عناء الانحناء تحية للشيوخ.
بل سار بخطى واثقة نحو المقعد الأوسط في الجناح المخصص لـ ❲عشيرة باي❳ – وهو المقعد الذي لا يعتليه سوى زعيم العشيرة – وجلس بكل هدوء.
لم يعترض طريقه أحد.
ولم ينبس أحد بكلمة استنكار.
وحتى كبار الشيوخ، المشهود لهم بالتمسك الصارم بقواعد البروتوكول، اكتفوا بإيماءة صامتة تحمل في طياتها الإقرار والقبول.
لم يُدلى بأي إعلان أو تصريح رسمي.
لكن في تلك اللحظة الحاسمة، تجلت الحقيقة واضحة للعيان.
في غياب 'باي تيان هنغ'…
بات (باي تشيهان) هو القائد المتوج.
لم يكن هذا القبول قسريًا أو مفروضًا.
ولم يكن مخططًا له مسبقًا.
بل جاء عفويًا وطبيعيًا كجريان النهر.
وكأن ❲عشيرة باي❳، بوعي منها أو بدونه، قد ارتضته بالفعل زعيمًا مستقبليًا لها.
«هاها… 'تشيهان'، ها قد وصلت أخيرًا!»
ضحك أحد الشيوخ بصوت دافئ، لا يخلو من نبرة احترام عميق.
رد (باي تشيهان) بإيماءة خفيفة، محافظًا على هدوء ملامحه المعتاد.
وقال بنبرة كاسلة: «لقد كلفني والدي بتمثيل ❲عشيرة باي❳. وبما أنني متواجد هنا بالفعل، رأيت أن من الأنسب القيام بذلك.»
ثم تحولت أنظار الحضور نحو الشاب الغريب الذي يقف منتصبًا خلف (باي تشيهان) في صمت.
«ومن يكون هذا؟»
سأل أحد الشيوخ، وقد ضاقت عيناه بفضول واضح.
اعتدل الشاب في وقفته، وقد بدت عليه ملامح التوتر جلية، رغم محاولاته الحثيثة لادعاء الهدوء.
وتقدم خطوة إلى الأمام، ضامًا قبضتيه في تحية احترام.
«أيها الشيوخ الأجلاء، أنا 'كونغ تشانغهونغ'. وأتشرف بخدمة السيد الشاب 'تشيهان'.»
كان صوته ثابتًا لا يرتجف، رغم أن حبات العرق كانت تتصبب على ظهره.
ألقى الشيوخ عليه نظرة سريعة، قبل أن يصرفوا انتباههم عنه بلامبالاة.
فاكتفى البعض بهز رؤوسهم في شرود، بينما لم يكلف آخرون أنفسهم عناء الالتفات إليه من الأساس.
فبالنسبة لهم، لم يكن سوى مجرد خادم – ولا أهمية لهويته. فيكفي أن (باي تشيهان) هو من جاء به ليُمنح حق الحضور.
كما لم يتطرق الشيوخ لمسألة دعوة (باي تشيهان) لـ 'ني فنغتشو' للانضمام إلى ❲عشيرة باي❳؛ لثقتهم التامة بأن له مآرب ومبررات وحكمة في ذلك.
ففي النهاية، قد أثبت بُعد نظره بقراره السابق بضم 'لين شوان' إلى العشيرة – وهي خطوة تُعد من أعظم وأنجح استثمارات (باي تشيهان) على الإطلاق.
وعبر الجناح الممتد، كست ملامح التجهم وجوه الحاضرين.
ففي جانب ❲عشيرتي لي وتشاو❳، هبطت درجة الحرارة بشكل ملموس في اللحظة التي اتخذ فيها (باي تشيهان) مقعده.
وضيق العديد من الشيوخ أعينهم، وارتسمت على وجوههم علامات الازدراء والاحتقار. وزمجر أحدهم بصوت خافت يقطر سمًا:
«إنه حتى لا يكلف نفسه عناء تحية كبار السن. يا له من فتى متعجرف حتى النخاع!»
ومال آخر هامسًا، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة.
«أيحتمي خلف جدار سمعته؟ لابد أن الخوف قد تملكه. وإلا، فلماذا يعزف عن المشاركة؟»
وتعالت بضع ضحكات حادة – خافتة ولكنها مليئة بالمرارة.
«يتصرف وكأن الفوز قد حُسم لصالحه. هذا هو الغرور الذي لطالما عهدناه من ❲عشيرة باي❳.»
ولكن، خلف قناع التباهي والخيلاء هذا، كانت هناك حقيقة مؤلمة لا يجرؤ أحد على البوح بها: لم يصدق أحد منهم في قرارة نفسه أن (باي تشيهان) كان خائفًا أو ضعيفًا.
بل إن اكتفاءه بالحضور كمشاهد وليس كمنافس، كان أبلغ رسالة – فقد اعتبر هذه المسابقة لا ترقى لمستواه.
كان بوسعهم أن يسخروا.
وبوسعهم أن يوجهوا له الإهانات المبطنة.
لكنهم، عجزوا تمامًا عن تجاهل وجوده.
وعلى جانب الطوائف—
كان شيوخ ❲قصر البرق القرمزي❳ يقطبون حواجبهم بغضب واضح.
فقد لقِي تلميذهم، الذي كان يُعد من ألمع العباقرة الواعدين، حتفه على يد (باي تشيهان) في الأطلال القديمة.
وما زاد من مرارة خسارتهم، هو وقوفهم مكتوفي الأيدي، عاجزين عن الرد، بينما ظل (باي تشيهان) يلوح بتهديد حياة بقية تلاميذهم.
فبعد أن فقدوا أحدهم بالفعل، لم يمتلكوا الجرأة للمخاطرة بفقدان آخر.
وكان هذا هو الحال مع أغلب الطوائف والعشائر التي تواجد أفرادها في تلك الأطلال المشؤومة.
وفي جناح ❲طائفة الشمس الزرقاء المقدسة❳، كان بعض التلاميذ الأصغر سنًا يتململون في مقاعدهم بتوتر وقلق.
فلا يزال اسم (باي تشيهان) يثير الرعب في كوابيس الكثيرين ممن كُتبت لهم النجاة من تلك الرحلة.
فقد رسخت في أذهانهم صورتان لا تُمحيان؛ صورة له وهو يذل 'مو تيان جي' ويتلاعب به كدمية، وأخرى وهو يُردي عبقري ❲قصر البرق القرمزي❳ قتيلًا في لمح البصر.
لقد أدرك الجميع – وإن لم يفصحوا عن ذلك علانية – أنه رغم حداثة سنه، إلا أن (باي تشيهان) كان الأدهى والأكثر خطورة وفتكًا من أي عبقري آخر في جيله.
لقد كان يقف في منزلة تعلوهم جميعًا.
حتى الأمير الأول 'يو زين' لم يخفِ دهشته ورفع حاجبه متعجبًا.
«إذن هذا هو،» همس بصوت يمزج بين الفضول والحذر الشديد.
«لا يبدو بتلك الأهمية…»
لكنه كان يعلم الحقيقة المرة.
فقد قصد شقيقه الأصغر حفل ميلاد (باي تشيهان) في العام المنصرم، طامعًا في كسب وده واستمالته إلى صفه.
كما كان يعلم أن شقيقته، المعروفة بنفورها الشديد من الرجال، قد ألقت بكبريائها وعرضت عليه الزواج طمعًا في التقرب منه.
وهذا بحد ذاته كافٍ ليُلخص الأمر برمته.
لذا، فمن الطبيعي أن يسعى 'يو زين' لكسبه هو الآخر – فإذا كان إخوته يقدرون (باي تشيهان) بهذه المنزلة العظيمة، فكيف له ألا يحرص على ذلك؟
ورغم ما بدا عليه من تواضع لا يتناسب مع وسامته الطاغية، إلا أن نظرة فاحصة لملامح الوجوه المحيطة به كانت كافية لتأكيد عكس ذلك تمامًا.
لقد كان وجوده يبعث في النفوس إما الخوف، أو الكراهية، أو الإعجاب – وفي أحيان كثيرة، يجتمع الثلاثة معًا.
وشعر 'يو زين' بالأسف لعدم تمكنه من تقدير قوة هذا الشاب على الوجه الصحيح؛ لامتناعه عن المشاركة في المنافسة.
لقد استنفد كل السبل في محاولة لجلبه إلى صفه – ولكن خياراته كانت محدودة للغاية.
سعى حثيثًا للبحث عن أشخاص يحظون بمكانة خاصة في قلب (باي تشيهان) أو يكن لهم مشاعر الحب، ليستخدمهم كورقة ضغط ومساومة. لكن جهوده باءت بالفشل الذريع وخيبة الأمل.
والداه؟
لربما كان هذا هو الملاذ الطبيعي، لكنه لم يكن واثقًا من نجاعته مع شخص كـ (باي تشيهان). وعلى أي حال، كيف يمكنه توظيف هذه المعلومة؟
هل يجرؤ على تهديد أو ابتزاز زعيم أقوى عشيرة في الإمبراطورية بأسرها؟
وإذا كان يمتلك هذا القدر من النفوذ والقوة، فما حاجته لـ (باي تشيهان) من الأساس؟
والدته؟
هي الأخرى لا تقل شأنًا. فهي خيميائية من الرتبة السادسة – وتُعد من النخبة في هذا المجال على مستوى الإمبراطورية.
شقيقته؟
لم يكن هناك أي رابط عاطفي يُذكر بينهما. وتجلى ذلك بوضوح حين استمال (باي تشيهان) خطيبها السابق أمام عينيها مباشرة. بل إن ذلك الموقف أثبت مدى استهتاره بها وعدم اكتراثه لمشاعرها.
خطيبته؟
ليست سوى مجرد لقب. فلا وجود لأي عاطفة بينهما. إنها مجرد صفقة سياسية مغلفة بإطار الخطوبة.
أعداؤه؟
أعدادهم لا تُحصى ولا تُعد!
لكن، وعلى خلاف الآخرين، لم يكن بمقدوره أن يقدم لـ (باي تشيهان) الحماية منهم مقابل ولائه.
فالإقدام على خطوة كهذه قد يضعه في مواجهة مباشرة مع ❲عشيرتي لي وتشاو❳، وهما قوتان قد يضطر للجوء إليهما والاستعانة بهما يومًا ما.
الكنوز؟
هل يُعقل أن شخصًا كـ (باي تشيهان) يفتقر إلى أي شيء مادي؟
فالشائعات تروي أنه يحمل سيفًا من رتبة السماء، بل وبلغ به الثراء حد مكافأة خادمه بقطعة أثرية من رتبة الأرض.
قد يبدو الأمر ضربًا من الخيال والمبالغة، ولكن حتى لو كان نصفه حقيقة، فإنه يحمل دلالات خطيرة.
وبعد كل تلك التقصيات والتحريات، لم يصل إلا إلى قناعة واحدة وحاسمة:
إياك أن تتخذ من (باي تشيهان) عدوًا لك أبدًا.
فمهما بلغت سطوتك وقوتك، لم يُسجل التاريخ أن أحدًا قد خرج سالمًا معافى بعد أن وقف في وجهه وعاداه.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN