216
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 216: ضجة في الساحة
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
غصّت ساحة الفنون القتالية المركزية بجموع غفيرة من الجماهير، الذين توافدوا لمشاهدة نزالات حافلة بالإثارة.
وبالطبع، خلت المدرجات من النبلاء أو أصحاب المقامات الرفيعة؛ فقد كانت هذه المعارك في نظرهم أمراً يبعث على الملل.
إذ كانت هذه النزالات مخصصة عادةً لصغار المزارعين، ممن تقصر قدراتهم عن تذوق متعة المعارك الطاحنة بين كبار الخبراء؛ لا سيما وأنهم يعجزون حتى عن مجاراة حركاتهم الخاطفة بالنظر.
لذا، كانت المواجهات التي تجمع بين العباقرة الصاعدين، وخاصة أولئك الذين بلغوا عالم [النواة الذهبية]، تمثل غاية المتعة بالنسبة لهم.
كما حضرت عائلات المشاركين، لترتفع أصوات تشجيعهم وهتافهم من جنبات المدرجات.
وفي ممر الانتظار المظلل، وقف 'ني فنغتشو' وذراعاه معقودتان خلف ظهره.
رفرف رداؤه الأسود والفضي قليلًا مع نسائم الريح، وقد طُرّز عليه شعار ❲عشيرة ني❳ – وهو عبارة عن طائر كركي فضي يشق عنان السماء وسط غيوم عاصفة.
كان الجو مشحونًا بمزيج من التوتر والإثارة، بينما ظلت رائحة الدماء المنبعثة من جولات الصباح السابقة عالقة في الهواء.
لكن 'ني فنغتشو' ظل هادئًا لا يعكر صفوه شيء.
أغمض عينيه، ونظم أنفاسه، تاركًا صخب الجماهير يتلاشى في خلفية وعيه.
ومن حوله، كان المزارعون الشباب الآخرون يتململون في أماكنهم، بين من يعدل سلاحه، ومن يتمتم بتعاويذه في سره بعصبية ظاهرة.
اختلس البعض نظرات سريعة إليه، لكنهم سرعان ما أشاحوا بوجوههم عنه.
ورغم أن صيت 'ني فنغتشو' لم يكن ليداني شهرة (باي تشيهان) أو 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، إلا أنه ظل اسمًا لامعًا بين المتنافسين؛ إذ كان يُعد واحدًا من أشرس المشاركين، وأوفرهم حظًا لاقتناص مقعد الترشيح في هذا الاختيار العام.
لم يُعِر 'ني فنغتشو' تلك الأنظار المسلطة عليه أدنى اهتمام.
فبعد كل المآسي التي تجرعها، أدرك يقينًا أن آراء الناس ونظراتهم لا تحمل أي قيمة تُذكر.
وأيقن أن صب تركيزه على تطوير ذاته أجدى من إهدار وقته في الالتفات إلى أحكام الآخرين.
علاوة على ذلك، كان يشعر بأنه بات قريبًا جدًا -قريبًا للغاية- من تحقيق انتقامه، ورد الاعتبار لكرامته التي أُهينت سلفًا.
‹'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، سأجعلكِ تندمين على ذلك أشد الندم!›
هكذا حدث 'ني فنغتشو' نفسه.
وفجأة، خفتت أصوات الجماهير المتحمسة في الساحة حين شق صمتها صوتٌ جهوري انطلق من المنصة المركزية.
«انتهت الجولة الثالثة من الاختيار!»
كان المُنادي، الذي يرتدي أثوابًا فضفاضة تحمل شعار الإمبراطورية، يطفو على ارتفاع عدة أقدام فوق الأرض، بينما يتردد صدى صوته مضاعفًا عبر تشكيلات مصفوفة تضخيم الصوت.
«المجموعة التالية: المجموعة الرابعة! أيها المشاركون، تقدموا إلى الساحة!»
فتح 'ني فنغتشو' عينيه.
بنظرة حادة. باردة. وشديدة التركيز.
«أخيرًا، حان دوري!»
خرج من بين الظلال، يخطو خطوات واسعة، تفيض بالهدوء والثقة.
ومن الجانب المقابل للساحة، تقدم أربعة مشاركين آخرين – وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الحذر الممزوج بالعزيمة.
سرت الهمسات بين الحشود.
«ها هو ذا! لقد حان دور 'ني فنغتشو'!»
«مَن يكون؟»
«ألا تعرفه؟ إنه ذلك الشاب الذي كان خطيبًا لـ 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'!»
«تقصد تلك الحثالة؟»
«أي هراء تتفوه به؟ منذ أن فُسخت خطوبته، أحرز تقدمًا مذهلًا – حتى أنهم يقولون إنه قد بلغ عالم [أصل الروح] بالفعل. من الواضح أنه أحد أقوى المشاركين هنا.»
«ومع ذلك، لا يبدو أن فوزه سيكون نزهة يسيرة. فمن الواضح أن الأربعة الآخرين قد تحالفوا للإطاحة به أولًا. وحتى مزارع في عالم [أصل الروح] سيتكبد مشقة كبيرة في مواجهة أربعة خصوم من عالم [النواة الذهبية] في آنٍ واحد.»
• • •
تعلقت الأنظار بالساحة على الفور بمجرد أن أدرك الجميع أن الدور قد حان لـ 'ني فنغتشو'.
اعتلى 'ني فنغتشو' منصة النزال، ووقف ثابتًا كالطود، بينما أخذ الحكم يتلو قواعد المعركة من جديد.
«المجموعة الرابعة! خمسة مشاركين. الخاسر يُقصى. معركة طاحنة – ولن يصمد سوى واحد فقط!»
رفع الحكم يده عاليًا.
«ابدؤوا!»
تبادل المتنافسون الأربعة النظرات – وكما كان متوقعًا، فقد عقدوا العزم على إقصاء 'ني فنغتشو' أولًا.
ففي النهاية، كان اجتماعهم للإطاحة بالخصم الأشرس، قبل أن يتواجهوا فيما بينهم، هو السبيل الأضمن الذي يمنحهم فرصة أكبر للانتصار.
وإلا، فقد كانوا يدركون تمام الإدراك أنهم في أي مواجهة فردية، لن يمتلكوا ذرة أمل أمام 'ني فنغتشو'، الذي يتفوق عليهم بمرحلة زراعة كاملة.
اكتفى 'ني فنغتشو' بابتسامة ساخرة.
«همف! هذا لن يزيد الأمر إلا سرعة وحسمًا.»
تمتم 'ني فنغتشو' بثقة تامة.
وفي تلك اللحظة بالذات، ساد صمت مطبق فجأة على الحشود التي كانت تهتف بحماس قبل قليل.
«هل هذا… لا يعقل!»
«ما الذي جاء به إلى هنا؟»
«لكن الأمر جلي تمامًا…»
• • •
تحولت الأنظار بأكملها. وانقطعت الأحاديث.
ارتسمت علامات الصدمة الجلية على الوجوه – حتى المُنادي نفسه نسي أمر النزال للحظات، وبدا عليه الذهول التام.
لم يكترث 'ني فنغتشو' بهذا التغير المفاجئ في الأجواء، بل صب كل تركيزه على الخصوم الماثلين أمامه.
حتى تناهت إلى مسامعه تلك الكلمات.
«❲عشيرة باي❳!»
«إنه هو – إنه (باي تشيهان)!!»
«ما الذي يفعله هنا؟»
• • •
في كسر من الثانية، تصلب جسد 'ني فنغتشو' بالكامل.
وانعطفت أنظاره بحدة نحو الاتجاه الذي تعلقت به عيون الجميع – وهناك رآه.
(باي تشيهان)!
وحتى لو ساوره أدنى شك في هويته، فإن شعار ❲عشيرة باي❳ المنقوش على ردائه كان كفيلًا بأن يخبر 'ني فنغتشو' بكل ما يحتاج إلى معرفته.
«ما الذي يفعله شخص من ❲عشيرة باي❳ في مكان كهذا؟»
تمتم 'ني فنغتشو' في سره.
لقد كان على دراية تامة بـ (باي تشيهان) أيضًا – فمن المستحيل ألا يكون كذلك.
فمع ذيوع صيت (باي تشيهان) في كل الآفاق، حتى لو توارى المرء في أقصى القرى نأيًا، فلا بد أن تطرق أخباره مسامعه بطريقة أو بأخرى.
كما حظي (باي تشيهان) بإشادة واسعة، بوصفه المزارع الأقوى والأعظم موهبة بين عباقرة جيله. ومما لا شك فيه أن 'ني فنغتشو' كان يترقب أخباره باهتمام بالغ.
وعلاوة على ذلك كله، فقد كان الأخ الأصغر لألد أعداء 'ني فنغتشو'.
‹هل أُقدم على فعلها؟›
ارتعشت أصابع 'ني فنغتشو' وهو يحدق شزرًا في (باي تشيهان)، بينما كان قلبه يخفق بعنف تحت وطأة مزيج هائج من الكراهية والاندفاع.
لم يكن هناك دافع وراء ذلك سوى انتمائه إلى ❲عشيرة باي❳ – تلك العشيرة التي يكن لها أشد درجات الحقد والبغضاء.
العشيرة ذاتها التي داست على كبريائه، وكادت أن تمحو عائلته من الوجود.
ثارت طاقته الروحية، وبدأت تنبض بعنف، بينما تسربت نية القتل القاتمة من جسده دون وعي منه.
ولكن، في تلك اللحظة الفاصلة—
«اهدأ يا فنغتشو.»
تردد صدى صوت مألوف في ذهنه – صوت موغل في القدم، هادئ النبرة، ولكنه صارم وحازم.
اتسعت عينا 'ني فنغتشو' قليلًا.
لقد كان سيده!
تجلى طيف غامض ببطء في أعماق خاتمه الروحي، يتلألأ خفوتًا كشمعة ترتجف في مهب الريح.
كان يرتدي رداءً باليًا، يخفي ملامح وجهه، ويحوم وذراعاه معقودتان خلف ظهره، مصوبًا نحو 'ني فنغتشو' نظرة من عينين متعبتين طواهما النسيان.
«لقد تدربت طويلًا… وتكبدت الكثير من المشاق… فهل أنت مستعد الآن للتفريط في كل شيء إرضاءً لثورة غضب عابرة؟»
صرّ 'ني فنغتشو' على أسنانه بغيظ.
«لكنه ينتمي إلى ❲عشيرة باي❳. لا بد أنهم أرسلوه إلى هنا خصيصًا من أجلي! يجب عليّ أن—»
«ثم ماذا بعد؟»
قاطعه صوت الروح بحدة مفاجئة.
«أتريد الانتقام من 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، أم أن غايتك هي إسقاط ❲عشيرة باي❳ بأكملها؟»
أطبق 'ني فنغتشو' شفتيه صمتًا.
«إذا ما تجرأت على مهاجمته هنا، فستمنحهم الذريعة المثلى لتعقبك كالطريدة. ستُوصم بلقب المجرم، وستُساق قسرًا إلى حرب أنت لست أهلًا لخوض غمارها بعد.»
«قد تفلح في سحق هؤلاء الضعفاء هنا، لكن هل تعتقد حقًا أنك تمتلك القوة لمجابهة ❲عشيرة باي❳؟ أظننت أنك قادر على الصمود في وجه عشيرة عُرفت بدك الجبال وتسويتها بالأرض ثأرًا لإهانة واحدة؟»
ناهيك عن يقينه التام بأن 'ني فنغتشو' لا يرقى إلى مستوى مجابهة (باي تشيهان) على الإطلاق.
فحتى هو نفسه لم يتوقع أن ينتابه ذلك الشعور الغريب – رهبة عصية على التفسير تنبعث من شاب في مقتبل العمر.
أمعن النظر في (باي تشيهان). بدا مجرد شاب عادي لم يكن ليحظى باهتمامه في الظروف العادية. لكن هاتفًا في أعماقه كان ينذره: هذا الفتى محفوف بالخطر.
كان الأمر مدعاة للسخرية حقًا. فكيف له، وهو ذلك الكيان العتيق المرعب الذي لم يكن يستشعر الخطر حتى من أعتى مزارعي عالم [الخلود]، أن توقظ فيه هذه… الغريزة… رهبةً تجاه فتى يافع.
شد 'ني فنغتشو' على قبضتيه، وجسده ينتفض من فرط العجز والإحباط.
تنهدت الروح بصوت خافت.
«يجب أن تدرك غايتك الحقيقية بوضوح. هدفك المنشود هو 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' – وليست ❲عشيرة باي❳.»
كان هذا التحذير نابعًا من حرص الروح البالغ على تلميذها.
وببطء، بدأ ضباب الغضب ينقشع عن عيني 'ني فنغتشو'.
استنشق هواءً عميقًا.
ثم زفره ببطء.
سكنت الفوضى العارمة في طاقته الروحية، وتبددت نية القتل التي تلبسته. ارتخت قبضته المشدودة على سيفه، وعادت ملامحه لتلتحف بهدوء جليدي قارس.
لقد كان معلمه محقًا.
فهو لم يبلغ بعد من القوة ما يكفي لفتح تلك الجبهة.
ولم يكن هدفه الأصيل هو (باي تشيهان)، بل أخته الكبرى.
أومأ 'ني فنغتشو' لنفسه إيماءة خفيفة، وتمتم بكلمات بالكاد تُسمع:
«أنا أعي جيدًا ما أريد.»
صرف نظره عن (باي تشيهان)، وحوّل تركيزه بالكامل نحو الخصوم الأربعة، الذين بدت عليهم الآن علامات الارتباك – مترددين بعد أن لفحتهم موجة التعطش للدماء التي انبعثت منه لوهلة قصيرة.
رفع 'ني فنغتشو' رأسه بشموخ، وقال بصوت بارد وحاد كشفرة السيف:
«أنتم الأربعة… لا تخيبوا ظني.»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN