210
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 210: العودة إلى ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
وبعد انقضاء ثلاثة أيامٍ على الاحتفال بعيد الميلاد، كان مقررًا أن يعود (باي تشيهان) أدراجه إلى ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ – برفقة كلٍّ من 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' و'تشو تشيان'.
وفيما كانت السفينة الطائرة الضخمة ترسو على الأرصفة العائمة لـ ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳، ترجل (باي تشيهان) بهدوءٍ.
بيد أن الأجواء بدت على النقيض تمامًا مما كانت عليه يوم وطأت قدماه الطائفة لأول مرةٍ.
ففي ذلك الحين، كانت همسات التندر بوصفه نفايةً تطارده كالظلال.
وسخر الكثيرون من انضمامه – ناعتينه بالفاشل المنحدر من ❲عشيرة باي❳، والذي يتكئ على نفوذ عائلته.
أما الآن؟
فالآن، يرمقونه وكأنما هو كائنٌ سماويٌّ هبط من عليائه.
وكانت العيون تترصده بإعجابٍ ورهبةٍ.
وتسمر المزارعون في أماكنهم – من تلاميذ وشيوخٍ على حدٍّ سواء – وشرع الكثيرون يتدافعون لاستراق النظر.
«'باي تشيهان'! لقد عاد أخيرًا!»
«تناهى إلى سمعي أنه قد بلغ عالم [تكوين الروح] بالفعل! ويُشاع أيضًا أنه قد أدرك نية السيف. إنه لأمرٌ لا يُصدق!»
«من زعم يومًا أنه عديم النفع، حريٌّ به أن يُلقى للوحوش الروحية لتنهشه!»
«يا للهول! لقد ضيعت فرصة التقرب منه مبكرًا.»
• • •
وانتشرت موجةٌ من الهمسات والثناء بين الجموع كالنار في الهشيم.
ولم تكن التلميذات بمنأىً عن ذلك.
فتنهد البعض منهن علانيةً، واضعاتٍ أيديهن على خدودهن، وعيونهن تلمع بالشوق.
«هل رأيتن كيف ترجل من السفينة؟ لقد كان رشيقًا كأحد النبلاء السماويين!»
«كم هو موهوبٌ ووسيمٌ للغاية… إنه حقًا رفيق الداو الذي طالما حلمنا به!»
«لا أمانع حتى أن أكون محض محظيةٍ له!»
وازدادت ضحكاتهن وهمساتهن ارتفاعًا، حتى أن 'تشو تشيان'، التي كانت تسير إلى جوار (باي تشيهان)، قد أدارت رأسها قليلًا.
ورمقتهن بنظرةٍ حادةٍ وباردةٍ، جالت بها على المجموعة بأسرها.
فخيّم الصمت على الفور!
أما أكثرهن رجاحة عقلٍ، فقد بادرن بخفض رؤوسهن أو تفرقن في وجهاتٍ شتى، متظاهراتٍ بأنهن لم يتفوهن بشيءٍ.
ولم تنبس 'تشو تشيان' ببنت شفةٍ. فلم تكن بحاجةٍ لذلك.
أطلقت 'تشو تشيان' نفسًا عميقًا، وهي تفرك صدغها بانزعاجٍ.
‹في بادئ الأمر، كانوا يزعمون أنني أفضله بمراحلَ… وها هم الآن يصطفون جميعًا كالمغرمين.›
‹وليس ثمة داعٍ لذكر الأميرة الرابعة…›
فبسبب إعلان الأميرة الرابعة، لم ينفك كبار عائلة 'تشو تشيان' عن إلحاحهم المستمر عليها – بضرورة معاملة (باي تشيهان) بالحسنى، وألا تدعه يفلت من بين يديها.
بل إن البعض قد تمادى ليقترح أنه من الأفضل تعجيل موعد الزفاف قدر الإمكان… ولربما حتى إنجاب طفلٍ.
فمجرد التفكير في الأمر كان كفيلًا بإثارة غضبها.
وبدا الأمر وكأنه في اللحظة التي ارتفعت فيها أسهم (باي تشيهان) عاليًا، انحدرت قيمتها هي لتغدو بلا أهميةٍ.
وبالطبع، لم يكترث (باي تشيهان) لأيٍّ من ذلك.
الشهرة؟ الثناء؟ الإعجاب؟
لم يكن أيٌّ من ذلك يحمل معنًى بالنسبة إليه. فسواءً أمطره الناس بالمديح أو كالوا له الإهانات، فقد كان ماضيًا في طريقه لا يلوي على شيءٍ.
فالسعي وراء المظاهر الزائفة لم يكن يومًا مما يستهويه.
استدار قليلًا نحو 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' و'تشو تشيان'، بملامحَ هادئةٍ.
«سأتوجه إلى فناء منزلي أولًا.»
«مم.»
وأومأت 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
«اذهب ونل قسطًا من الراحة! فقد كابدت ما يكفي من الضوضاء لبعض الوقت.»
ولوّحت 'تشو تشيان' بيدها مودعةً إياه.
• • •
دلف (باي تشيهان) إلى فناء منزله.
فحرك النسيم العليل أوراق الخيزران المحيطة، بيد أن الفناء ذاته ظل ساكنًا – نقيًا، هادئًا، ووادعًا.
وفي اللحظة التي وطأت فيها قدماه الممر الحجريَّ المصقول، ناداه صوتٌ مألوفٌ.
«سيدي الشاب!»
انتفض 'لين شوان' مذهولًا، ونهض مسرعًا من حيث كان يكنس بالقرب من البوابة الداخلية.
كان الفتى يرتدي رداءً بسيطًا، وقد طوى أكمامه، وبدا عليه الارتباك للحظاتٍ، ثم انحنى باحترامٍ.
«مرحبًا بعودتك!»
فتوقف (باي تشيهان).
«'لين شوان'؟»
وعلى الرغم من كونه الآن تلميذًا أساسيًا، إلا أن 'لين شوان' ما زال يخاطبه بالأسلوب ذاته – وكأن شيئًا لم يتبدل.
لم يكن ذلك تواضعًا مصطنعًا، بل دفئًا وامتنانًا حقيقيين.
لم يتوقع (باي تشيهان) رؤيته هنا. فمن الجليِّ أن ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ قد شملت 'لين شوان' برعايتها، وكرّست جهودها لتنشئته على النحو الأمثل – فقد كان قابعًا في عزلته طيلة الوقت تقريبًا.
ولكن يبدو أن عزلته قد انقضت أخيرًا.
ألقى (باي تشيهان) نظرةً خاطفةً على الفناء.
لم تكن ثمة ورقة شجرٍ واحدةٍ في غير محلها. وكان حوض الماء يتلألأ نظافةً، والممرات الحجرية قد نُظّفت بعنايةٍ، في حين رُتبت أواني الأعشاب وفقًا لأنواعها وأحجامها، وقُصَّ العشب بانتظامٍ.
لقد كان الأمر بالغ الدقة لدرجةٍ يستحيل معها أن يكون صنيع مرةٍ واحدةٍ فحسب. بل كان 'لين شوان' يواظب على ذلك بانتظامٍ.
«هل كنت تعتني بهذا المكان طوال الوقت؟»
حكَّ 'لين شوان' خده بخجلٍ طفيفٍ.
«حسنًا، إنها من صميم واجباتي كخادمٍ للسيد الشاب. وكان لزامًا عليَّ أن أحافظ على نظافته على أكمل وجهٍ ريثما يعود السيد الشاب.»
أومأ (باي تشيهان) برأسه إيماءةً خفيفةً، بتعابيرَ عصيةٍ على القراءة، غير أن بريقًا خفيفًا من الدفء قد لاح في عينيه.
فبفضل مكانته، كان من اليسير إيكال هذه المهمة لأيِّ خادمٍ. بيد أنه ما زال مصممًا، على ما يبدو، على أدائها بنفسه كما كان يفعل إبان عمله كخادمٍ.
ثم استقرت نظراته على 'لين شوان' مرةً أخرى – وبشكلٍ أشد حدةً هذه المرة.
عالم [النواة الذهبية]!
بأساسٍ متينٍ وثابتٍ. بلا تقلباتٍ، ولا عدم استقرارٍ. لقد حقق اختراقًا منذ وقتٍ ليس ببعيدٍ، غير أنه قد صُقل بالفعل.
ولم تكن هذه حتى جلَّ قوته، بل إن قوته الحقيقية قد كمنت في إدراكه وفهمه.
فامنحه أسلوبًا، وسيفك شفرته في غضون ساعاتٍ. وسيتقنه في أيامٍ معدودةٍ. وسيبلغ فيه الكمال في غضون أسابيعَ.
لقد كانت تلك هي قدرته الحقيقية التي تفوق الخيال.
ففي واقع الأمر، كانت سرعة نموه أدنى من المستوى المأمول مقارنةً بقدرته الفذة على الفهم، ومع ذلك فقد تمكن من بلوغ عالم [النواة الذهبية].
وكان (باي تشيهان) يوقن أنه بينما تمكن هو من بلوغ عالم [تكوين الروح] – وهو إنجازٌ أعظم شأنًا – إلا أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا دعم نظامه.
وفي حقيقة الأمر، فقد كان 'لين شوان' بطلًا رئيسيًا.
«في عالم [النواة الذهبية] الأساسية بالفعل؟»
قالها (باي تشيهان) بهدوءٍ.
وبدا 'لين شوان' محرجًا بعض الشيء.
«مقارنةً بإنجازات السيد الشاب، فهذا لا يُعدُّ شيئًا يُذكر.»
قالها 'لين شوان' وهو يفرك مؤخرة عنقه بابتسامةٍ خجولةٍ.
«مباركٌ لك، أيها السيد الشاب!»
واستقام قليلًا، ولم يعد ذلك الخادم الخجول الذي كان عليه سابقًا، بل أمسى الآن يتمتع بهيبة المزارع الواثق من نفسه.
«أن تبلغ عالم [تكوين الروح] في سنك هذا… وأن تستوعب نية السيف… لقد غدوت حديث الطائفة بأسرها.»
وأطلق ضحكةً خفيفةً.
وقال 'لين شوان' بجديةٍ: «لقد بات السيد الشاب قدوةً يُحتذى بها للكثيرين. ويتخذه الشيوخ مثالًا لشحذ همم التلاميذ الصغار. ويقولون إنك تجسد تمامًا المزارع الذي يتوجب على الجميع السعيَ لأن يكونوه.»
أطلق (باي تشيهان) ضحكةً خفيفةً قصيرةً. لم تكن ساخرةً تمامًا، غير أنها لم تكن مفعمةً بالانبهار أيضًا.
فقد كان يدرك أن أولئك الشيوخ أنفسهم هم من رفضوا قبوله كتلميذٍ لهم في الماضي.
حسنًا، لم يكن يضمر لهم الكراهية، بل كان يأمل لو أن مساعيه لإقناعهم قد أفلحت – فحينها لربما كان سيتجنب الانضمام إلى ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ من الأساس.
ولكن بالنظر إلى مجريات الأمور الآن، لربما كان ذلك هو الخيار الأمثل.
فقد طرأت أحداثٌ جمةٌ منذ ذلك الحين، بخيرها وشرها، ولكن لربما كان لقاؤه بـ 'لين شوان' هو أعظم مكاسبه.
وكان يودُّ الاعتقاد بأن علاقتهما وطيدةٌ، وأن 'لين شوان' لن يغدو عدوًا له يومًا ما.
ولكن ذلك كان أمرًا متروكًا للمستقبل وحده ليحكم فيه – فمن ذا الذي يسعه التكهن بما تحمله الأيام.
وتابع 'لين شوان' قائلًا: «حتى زعيم الطائفة قد ذكرك وأثنى عليك في مناسباتٍ شتى».
أومأ (باي تشيهان) برأسه متأملًا، واستقرت كلمات 'لين شوان' بهدوءٍ في قرارة نفسه.
وقال بابتسامةٍ خفيفةٍ: «يبدو أنني قد أحدثت ضجةً واسعةً. بيد أن الألقاب والثناء لن تزيدني قوةً، فالعمل الدؤوب وحده هو الكفيل بذلك.»
فابتسم 'لين شوان' بدوره، وقد تجلى الإعجاب في عينيه.
ففي واقع الأمر، كان سيده الشاب شخصًا لن يسمح للآخرين أبدًا بأن يملوا عليه مجريات حياته أو يوجهوا خياراته.
كان 'لين شوان' يعتقد أن هذا هو بالضبط سبب اختياره من قبل السيد الشاب.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN