208
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 208: الاقتراح الملكي
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
خفتت نغمات آلة القيثارة الناعمة قليلًا، بينما كان آخر شيوخ ❲عشيرة باي❳ يتراجع إلى الوراء، ليقترب منه شخصٌ طويل القامة يرتدي رداءً أرجوانيًا ملكيًا، منتصب القامة، وبعينين تحملان حدةً نبيلةً.
كان الأمير الثالث لإمبراطورية السماء القاحلة، 'يو وينتشاو'، ينضح بهالةٍ هادئةٍ ومتزنةٍ – تليق بالدماء الإمبراطورية.
وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مهذبةٌ وهو يتوقف أمام (باي تشيهان).
عيد ميلادٍ سعيدٍ، أيها السيد الشاب باي!
قالها وهو يقدم علبةً طويلةً وضيقةً مصنوعةً من خشب الحديد الداكن، منقوشةً بأنماط السحب والشعار الملكيِّ.
«هذا مجرد عربون تقديرٍ مني.»
تقبّل (باي تشيهان) الأمر بهدوءٍ وفتح الهدية.
كان بداخلها سيفٌ مصنوعٌ بدقةٍ من درجة الأرض ذات الرتبة المنخفضة، نصله مغمدٌ في غمدٍ أزرقَ داكنٍ، ورموزٌ دقيقةٌ تومض على امتداد سطحه كالماء المتدفق تحت ضوء القمر.
أشار 'يو وينتشاو' نحوه برفقٍ.
«السيف يُدعى 'التدفق الصافي'. صُنع في القاعات الداخلية للترسانة الإمبراطورية، وتمت تقويته بالفولاذ الجليديِّ من الهاوية الشمالية.»
همس الحشد مرةً أخرى. فقد كان هذا الشيء نادرًا وثمينًا للغاية.
بل لربما عُدَّ إرثًا لإحدى العشائر المتوسطة، بيد أنه بالنسبة لـ (باي تشيهان)، كان يُعدُّ واحدةً من أقل الهدايا إثارةً.
فبامتلاكه سيفًا من الدرجة السماوية، ما عساها أن تكون الفائدة المرجوة من سيفٍ من درجة الأرض ذات الرتبة المنخفضة؟
لكن بالطبع، سيُصاب الحاضرون في الحفل بالصدمة؛ نظرًا لأن القطع الأثرية من الدرجة الأرضية لا تزال ذات قيمةٍ كبرى بالنسبة إليهم.
ولولا ما عاينوه بالفعل، لكانت هذه الهدية قد أحدثت ضجةً كبيرةً.
ففي نهاية المطاف، لم يكن من المألوف أن يقدم أميرٌ هديةً كهذه لشخصٍ آخر – إذ عادةً ما يحدث العكس.
شعر 'يو وينتشاو' بخيبة أملٍ بعض الشيء، لاعتقاده أن هديته ستكون الأبرز بين الجميع.
لكنه استهان كثيرًا بـ ❲عشيرة باي❳، ولا سيما بـ 'مو يوي لان'.
وعلى أيِّ حالٍ، ظلت هديته من بين أثمن الهدايا، وظن أن (باي تشيهان) سيقدرها.
لكن بالطبع، لم يطرأ تغييرٌ يُذكر على ملامح (باي تشيهان) – وبدا وكأنما يرمق كومةً من القمامة.
«أشكر سموك!»
شكره (باي تشيهان) بأدبٍ، بيد أنه لم يسع أحدًا الجزم إن كانت الهدية قد أثارت اهتمامه البتة.
ضيّق 'يو وينتشاو' عينيه قليلًا إزاء ردة فعل (باي تشيهان) الباردة. وانحنى قليلًا ليخفض من صوته.
«المحكمة تراقب صعود التنانين. وهناك الكثير ممن يفضلون الحذر منك على دعمك.»
وابتسم ابتسامةً خفيفةً – كنصلٍ مخبأٍ خلف الحرير.
«ولكن ليس أنا. فالإمبراطورية في أمس الحاجة إلى ركائزَ حقيقيةٍ – أولئك الذين لا يكتفون بالتألق فحسب، بل سيحملون السماوات على عاتقهم.»
كان هذا تحذيرًا مبطنًا.
وحبلًا خفيًا امتد على هيئة تملقٍ ووعودٍ.
وقبل أن يتسنى له قول المزيد، أمال (باي تشيهان) رأسه قليلًا، وكأنه ارتبك.
ونظر إلى السيف مرةً أخرى، ثم إلى الأمير.
وقال بعفويةٍ: «إن الإمبراطورية لا تدخر جهدًا في إتقان الحرفية».
«وإن نيل شيءٍ صُنع في الترسانة الإمبراطورية هو… شرفٌ عظيمٌ!»
تجمدت ابتسامة 'يو وينتشاو' قليلًا.
لقد حاك كلماته بعنايةٍ ليلمح إلى عقد تحالفٍ – عبر تملقٍ، وولاءٍ مقنّعٍ، وموقفٍ حذرٍ.
لكن (باي تشيهان) رد وكأنه لم يسمع شيئًا.
محافظًا على أدبه، ولكنه لم يبدِ أيَّ التزامٍ البتة.
فحاول مرةً أخرى، بصوتٍ أعمق قليلًا.
وقال: «'باي تشيهان'، ما أرمي إليه هو أن الوقت قد حان ليحالف أصحاب الرؤى بعضهم بعضًا. فالهدايا ليست سوى لفتاتٍ عابرةٍ. والأهم من ذلك هو أن نتفهم بعضنا البعض.»
رمش (باي تشيهان) مرةً واحدةً، وعقد حاجبيه في حيرةٍ مصطنعةٍ.
وقال ببطءٍ: «آه».
«إذن… ما يعنيه سموكم هو أننا… نتشارك الشغف ذاته بالحرفية؟»
لم تشُب نبرته أيُّ شائبةٍ من الخبث، بل مجرد حيرةٍ صادقةٍ.
أو بالأحرى، تظاهرٌ متقنٌ بالارتباك.
أطبق 'يو وينتشاو' على فكيه، بيد أنه حافظ على ابتسامته.
لم يلحظ الحشد الكثير، غير أن الأمر كان جليًا بالنسبة للأمير: كان هذا الفتى يسخر منه – بأدبٍ وحذرٍ، ولكن على نحوٍ لا لبس فيه.
قال 'يو وينتشاو' بعد هنيهةٍ من الصمت: «..حسنًا. أتمنى أن يعود عليك بالنفع.»
ودون انتظار ردٍّ آخر، استدار فجأةً وانصرف، وأكمامه ترفرف بانفعالٍ مكبوتٍ.
فقد أيقن أن (باي تشيهان) لم يكن أحمقَ وكان يتعمد تجنب الموضوع، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بشيءٍ واحدٍ – أنه لم يكن يكترث أبدًا لعقد أيِّ تحالفٍ.
ولربما كان 'يو وينتشاو' ليتصرف على نحوٍ غير لائقٍ لولا تواجده في أراضي ❲عشيرة باي❳ – حيث كانت العيون تترصده من كلِّ حدبٍ وصوبٍ.
ولاحظ بعض الشيوخ ذوي البصيرة الثاقبة قبضة الأمير الثالث المضمومة إبان انصرافه.
وفيما شرع التوتر في الانقشاع، خيّم صمتٌ رقيقٌ على الفناء – في تحولٍ طفيفٍ في مجرى الرياح، وكأن الهواء ذاته قد استشعر حضورًا جديدًا.
فتقدم شخصٌ من بين صفوف الضيوف.
ودخلت 'يو تشينغيو'، الأميرة الرابعة للإمبراطورية، مرتديةً ثوبًا حريريًا بنفسجيًا متدفقًا يتلألأ كضوء القمر على سطح الماء الساكن، برشاقةٍ وهدوءٍ.
كانت نظرتها هادئةً، وتعبير وجهها غامضًا – جميلًا، ولكنه بعيد المنال.
ولم تُعِر أخاها حتى نظرةً واحدةً.
كانت خطواتها خفيفةً، وكلُّ خطوةٍ منها موزونةٌ برصانةٍ إمبراطوريةٍ.
وعلى النقيض من ثقة الأمير الثالث المصطنعة، كانت ثقتها عفويةً – متأصلةً في كلِّ حركةٍ، وفي كلِّ نَفَسٍ.
وتوقفت أمام (باي تشيهان).
«عيد ميلادٍ سعيدٍ يا (باي تشيهان)!»
قالتها بنبرةٍ ناعمةٍ ولكنها باردةٌ – كالخزف الذي لفحه الصقيع.
وكانت تحمل بين يديها صندوقًا مستطيلًا طويلًا معقودًا بشريطٍ ذهبيٍّ.
«هذا درعٌ روحيٌّ نادرٌ. مختومٌ بطاقة تشي، ومنسوجٌ من حرير ضوء النجوم. من فئة الأرض ذات الرتبة العالية. ويسعه تحمل ضرباتٍ حتى من مزارعٍ في عالم [الصعود العظيم].»
وانتشرت همسات الدهشة بين الحشود.
فقد تفوقت هذه الهدية بوضوحٍ على سيف الأمير الثالث.
وكان في وسع أيِّ شخصٍ أن يدرك أن الأمير والأميرة كانا جادين في مساعيهما لاستمالة (باي تشيهان) إلى صفهما.
وإلا لما تجرأوا على إنفاق كلِّ هذا القدر على شخصٍ واحدٍ.
ونظر الأمير الثالث إلى 'يو تشينغيو' بغضبٍ وإحباطٍ.
فلم يقتصر الأمر على إخفاقه فحسب، بل إن هديته قد تضاءلت الآن أمام هدية أخته – في ضربةٍ لكبريائه جعلته يبدو أدنى منزلةً منها.
استلم (باي تشيهان) الصندوق بكلتا يديه وانحنى انحناءةً خفيفةً.
«شكرًا جزيلًا يا صاحبة السمو!»
كان صوته مهذبًا وهادئًا، لا باردًا ولا ودودًا، بل متوازنًا تمامًا.
حدقت فيه 'يو تشينغيو' مليًا، وعيناها هادئتان كأعماق المياه. وفتحت مروحتها بحركةٍ خفيفةٍ، وانحنت نحوه – ليس على نحوٍ قريبٍ جدًا، ولكن بما يكفي للإفصاح عن نواياها.
«ولكن، حتى الدروع المباركة بضوء النجوم،» همست قائلةً، «تعجز عن حماية المرء من كافة المخاطر.»
سكونٌ.
والتمعت عيناها بشيءٍ خفيٍّ. ثم أردفت بصوتٍ لم يطرق سوى مسامع القلة القريبة منها.
«ولكن، ماذا لو كنت متزوجًا من أميرةٍ؟»
فانتشرت الشهقات كتموجاتٍ على سطح الماء الساكن.
وتجمد العديد من النبلاء، والشيوخ، والمبعوثين المحتشدين في أماكنهم.
اقتراحٌ إمبراطوريٌّ!
فقد عرضت 'يو تشينغيو' للتو نفسها للزواج.
وبهذا، عرضت على ❲عشيرة باي❳ تحالفًا وثيقًا مع العائلة الإمبراطورية.
مستقبلٌ مكفولٌ برباط الزواج والدماء الإمبراطورية.
حتى إن بعضًا من شيوخ ❲عشيرة باي❳ الأكبر سنًا، الذين آثروا السلبية إبان المناقشات السابقة، قد غيّروا من وضعيات جلوسهم.
فمنهم من استقام في جلسته. ومنهم من عبس. ومنهم من… ابتسم.
لقد أدركوا كنه ما طُرح على الطاولة.
قوةٌ!
وحمايةٌ!
وبالطبع، فقد عنى هذا أيضًا التورط في أتون حرب خلافةٍ لا ناقة لهم فيها ولا جملٌ.
فضلًا عن حقيقة أن (باي تشيهان) كان مخطوبًا بالفعل.
ولم تتزعزع نظرة 'يو تشينغيو' أبدًا. وكان صوتها، على الرغم من برودته، حازمًا وقويًا.
وقالت بهدوءٍ: «'باي تشيهان'، انضم إليَّ، ولن تقف ❲عشيرة باي❳ وحيدةً مرةً أخرى».
واسترقت نظرةً خاطفةً واحدةً فحسب صوب 'تشو تشيان'.
فقد كان مقصدها جليًا.
لقد كان هذا تحديًا صارخًا.
امتقع وجه 'تشو تشيان'. وانقبضت أصابعها قليلًا في حرير أكمامها.
لطالما أدركت مطامع الآخرين في (باي تشيهان). ففي النهاية، باتت سمعته مختلفةً تمامًا عما كانت عليه إبان خطبتها له.
فرغم أن لقبها كخطيبته قد أقصى الكثيرين، إلا أنه من الواضح لم يكن رادعًا كافيًا لشخصيةٍ كالأميرة.
لكن أن يتم تهميشها بالكلية – أن يتم تجاهلها وكأنها غير موجودةٍ من الأساس؟
لقد كان ذلك إذلالًا مريرًا.
وبدت غاضبةً بوضوحٍ، بيد أنها أجبرت نفسها على التظاهر بالهدوء. ونظرت نحو (باي تشيهان)، بنظرةٍ يعتريها التردد، والترقب… والخوف.
ولكن، ماذا عن (باي تشيهان)؟
لقد ابتسم.
ابتسامةً دافئةً ولطيفةً.
ثم استدار قليلًا – بما يكفي ليراه الحشد – ومدَّ يده.
وبحركةٍ سريعةٍ وعفويةٍ، أمسك بيد 'تشو تشيان'.
وقال بخفةٍ: «يا صاحبة السمو، إن هذا الشخص يشعر بالفخر البالغ. حقًا!»
واستدار ليواجه 'يو تشينغيو' بكامل هيئته الآن، وما زال ممسكًا بيد 'تشو تشيان' وكأنه الأمر الأكثر طبيعيةً في العالم.
«لكنني أخشى أن المكان المجاور لي قد حجزته بالفعل… خطيبتي الحسناء.»
توقفٌ.
ثم ساد صمتٌ أعمق من ذي قبل.
ورمشت 'تشو تشيان' مصدومةً، وانفرجت شفتاها.
واتسعت عيناها.
فلم تكن تتوقع منه أن يتفوه بذلك.
وبكلِّ تأكيدٍ، ليس بتلك النبرة – الدافئة، المازحة، والصادقة.
فكان قلبها يخفق بشدةٍ بين ضلوعها، واكتسى وجهها بحمرةٍ شديدةٍ.
‹كادت الحيلة أن تنطليَ عليّ—›
هكذا حدثت نفسها. فمن الواضح أن (باي تشيهان) كان يتخذها ذريعةً لرفض الأميرة، مع أنها لا تنكر شعورها ببعض السعادة إزاء صنيعه هذا.
ضيّقت 'يو تشينغيو' عينيها قليلًا.
وحولت نظرها نحو 'تشو تشيان'، بتعبيرٍ هادئٍ كالثلج.
وقالت بهدوءٍ: «الخطوبة ليست سوى مسألةٍ من الماضي. وفي الإمكان فسخها».
وخطت خطوةً رشيقةً إلى الأمام، بنظرةٍ تخترق المسافة الفاصلة بينهما كسيفٍ مغلّفٍ بالحرير.
«فأنا أقدم ما هو أكثر من مجرد المودة أو الجمال. أقدم شيئًا تعجز أيُّ فتاةٍ أخرى عن تقديمه.»
كانت تلمّح بوضوحٍ إلى العرش.
«عليك أن تتمعن في الأمر بجديةٍ، أيها السيد الشاب (باي تشيهان). وأن توافيني بإجابةٍ وافيةٍ.»
وعقب ذلك، استدارت.
فلا مجال للاستعراضات المسرحية. ولا للنظرات المطولة.
وببساطةٍ، انصرفت – تنساب كضوء القمر عبر حقلٍ من العشب المرتعش، وتتوارى عائدةً إلى البلاط النبيل.
بيد أن حضورها ظلَّ طاغيًا. مُلِحًّا. وثقيلًا.
وتهامس الشيوخ. ودوّن الضيوف ملاحظاتهم الذهنية. بينما حدّق النبلاء الشباب بإعجابٍ وحسدٍ.
وماذا عن (باي تشيهان)؟
وقف بهدوءٍ في الفناء، ممسكًا بيد 'تشو تشيان' المرتبكة، وكأنه لم يرفض للتو الأميرة الرابعة للإمبراطورية.
أعمال أخرى لنفس المترجم
ISRΛWΛTΛN
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية
إتضح أنني من عشيرة الأشرار