165
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 165: مكانك تحت قدمي
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
خارج الأطلال القديمة، احتشد لفيف من الخبراء متأهبين لانتظار عودة عباقرة عشائرهم وطوائفهم.
لقد انصرم شهران ونصف الشهر تقريبًا منذ أن ولج المشاركون غياهب الآثار القديمة، وانقطع بهم حبل التواصل عن العالم الخارجي تمامًا.
ومن البديهي أن 'باي تيان هنغ'، المنتمي لـ ❲عشيرة باي❳، لم يطق المكوث مرابطًا هناك طيلة تلك الأشهر؛ فآثر الانصراف وحلّ محله شيوخ آخرون.
وكان على رأس هؤلاء الشيوخ، بلا منازع، 'الشيخ الأكبر باي رين'.
ولربما لم تكن ثمة حاجة ملحة لحضوره في شأن كهذا، لولا أن الموازين قد انقلبت رأسًا على عقب بظهور ذلك الشخص الذي انتدبه المزارعون الأشرار لحماية عباقرتهم.
'غو ياو'!
الجنرال الشيطاني الثالث!
وتحسبًا لدرء خطره وتأمين حماية مضادة، كان لزامًا عليهم الدفع بخصم يضاهيه بأسًا وقوة.
ولم يقتصر هذا التدبير على ❲عشيرة باي❳ فحسب، بل حذت عشائر أخرى حذوها، فدفعت بأعتى شيوخها وأسلافها إلى الميدان.
إذ ينبغي للمرء أن يعي تمامًا أن الظفر بالميراث وحده لم يكن كافيًا؛ بل يتحتم عليه ضمان القدرة على حماية الوريث ومواكبته سالمًا في رحلة الإياب.
وقد تجلّت هذه الحقيقة بوضوح أكبر في هذا الميراث تحديدًا، والذي حُصّن بمصفوفة من الدرجة الثامنة أو ربما ما يفوقها.
فحتى أقوى العشائر أو الطوائف المتناحرة قد تكون عرضة للإبادة، إن قُدّر لخصومها الاستحواذ على ميراث ذي بأس شديد.
وبالطبع، وبعد طول انتظار قارب الشهرين ونصف الشهر، تراخى حذر الكثيرين واستسلموا لملل الانتظار.
ارتجاف! اهتزاز!
!!!
ثم دوى ارتجاف مباغت انبعث من جوف الآثار القديمة، ليخطف أنظار الجميع ويأسر انتباههم بالكلية.
لتتلاشى أخيرًا تلك الطبقة الواقية التي طالما حصّنت الآثار القديمة.
«الآثار القديمة تتهاوى!»
صاح أحدهم فزعًا.
«أين المشاركون؟»
وحالت كثافة الغبار والدخان المتصاعد دون وضوح الرؤية.
مهلًا! هاهُم أولاء!
هتف آخر.
فقد لاحت وسط الغبار والدخان أطياف لعدة أشخاص، وأيقن الجميع أنها تعود للمشاركين.
ولم يبدُ عليهم أنهم قد طُمروا تحت أنقاض الآثار القديمة المتداعية.
تريث الجمع بضع ثوانٍ أخرى ترقبًا لخروجهم، لكن بدا وكأنهم قد تسمروا في أماكنهم دون حراك يذكر.
«هل يقع خطبٌ ما هناك؟»
لم يملكوا سوى نسج التكهنات؛ ففي النهاية، وقفت سحب الغبار الكثيفة حائلًا دون قدرتهم على فعل شيء.
كان بوسعهم المبادرة وتفقد الوضع بأنفسهم، ولكن مَن ذا الذي يجرؤ على خوض غمار مجازفة كهذه؟
فماذا لو كان التشكيل لا يزال قائمًا بفعاليته؟ فالجميع يدرك جيدًا العواقب الوخيمة التي تحلّ بكل مَن تجاوز الثلاثين من عمره إن ولج إليه.
لذا عقدوا العزم على التريث ريثما تنقشع غيوم الغبار من تلقاء نفسها، وحينها سينجلي الغموض ويتضح الجواب.
ولم يطل بهم الانتظار، إذ سرعان ما تبدد الغبار، غير أن المشهد الذي تجلى أمام نواظرهم قد ألقى في قلوب الكثيرين بصدمة مروعة.
فقد وقعت أعينهم على (باي تشيهان) وهو يطأ بقدميه وجه 'مو تيان جي' الممدد أرضًا.
• • •
قبل بضع دقائق…
ومصداقًا لقول بقايا الروح، فبعد دقائق معدودات من الانتظار، نُقل (باي تشيهان) بسلام من ساحة المحاكمة.
وبالطبع، تواجد آخرون برفقته، بمن فيهم 'باي شينيو'، التي رمته بنظرة خلت من الود.
لعلّها كانت تبيّت النية للانتقام بعد أن طالت يدها أخيرًا القوة اللازمة لذلك، وكانت تزن خياراتها؟
لكن، كان هناك مَن هو أشد توقًا للانتقام من (باي تشيهان) منها، ولم يكن هذا الشخص سوى 'مو تيان جي'.
«باي تشيهان!»
صرخ بصوتٍ جهوري ليسمعه القاصي والداني.
رمق الجميع (باي تشيهان) بنظرات يغمرها الفضول، متلهفين لمعرفة ما إذا كان هو مَن ظفر بالميراث أم لا.
فإن كان هو الفائز، لتأهبوا للانقضاض عليه وسلب الميراث لأنفسهم.
وبالطبع، وأمام تأهب 'مو تيان جي' للإقدام على فعلته لدوافع يعلمها الجميع، آثروا التريث لبرهة والاكتفاء بالمراقبة.
وتوقع الجميع أن يثب 'مو تيان جي' منقضًا على (باي تشيهان)؛ ثأرًا لكرامته التي مُرّغت في الوحل على يديه.
لكن المفاجأة أنه أرجأ هجومه!
«هل حصلت على الميراث؟»
سأل 'مو تيان جي'.
ويمكن القول إن 'مو تيان جي'، على الرغم من تهوره وجنونه، يحتكم لعقله متى دعت الحاجة.
فمهما بلغ به الغضب مبلغه، فإنه يدرك يقيناً أنه إن كان (باي تشيهان) هو صاحب الميراث، فلن يقوى على مجابهته، لاسيما وأنه ميراث يعود لإمبراطور خالد.
لذا، أحجم عن شن هجوم فردي على (باي تشيهان) ريثما يتبين له الجواب اليقين.
«وما الذي يحدوك للاعتقاد بذلك؟»
وبطبيعة الحال، لم يكن (باي تشيهان) من الطراز الذي يجود بإجابات مباشرة، وكأنه مدين له بشيء.
«همم! أنت والفتاة الأخرى فقط مَن غاب عنا. من المؤكد أن أحدكما أو كلاكما قد استحوذ على الميراث.»
قال 'مو تيان جي'.
لم يكن (باي تشيهان) على دراية بأنه إبان انهماكه في صقل جسده، قد نُقل جميع الآخرين إلى حجرة المحاكمة الأولى.
غير أنه استشف وقوع أمر من هذا القبيل، بناءً على ما تفوه به 'مو تيان جي'.
«لحسن طالعك، لم أكن أنا مَن فاز بالميراث!»
أجاب (باي تشيهان).
ساور الشك قلب 'مو تيان جي'، وشاركه الآخرون الريبة ذاتها!
ففي نهاية المطاف، لم يكن وارداً البتة أن يقر بحصوله على الميراث حتى وإن ناله، لعلمه المسبق بما سيترتب على ذلك من عواقب وخيمة.
وتتأكد هذه الفرضية أكثر عند الحديث عن شخص مراوغ كـ (باي تشيهان).
لكن في الوقت الراهن، لم يجدوا بُدّاً من تصديق قوله.
وجال 'مو تيان جي' بنظره باحثاً عن شخص آخر، وكان جلياً مَن الذي يقصده.
وما إن وقعت عيناه على 'باي شينيو'، حتى بادرها بطرح السؤال عينه.
«'باي شينيو'، إذن لا مراء في أنكِ أنتِ مَن نال الميراث!»
قال 'مو تيان جي'.
وبالنظر لطبيعة شخصية 'باي شينيو'، كان من المستبعد تماماً أن تلجأ للكذب هرباً من العواقب.
فضلاً عن إدراكها التام بأن الأمر لن يستغرق سوى قليل من البحث والتقصي لتتجلى الحقيقة من تلقاء نفسها.
«همف! وما ضير ذلك؟ لقد ظفرت به عن جدارة واستحقاق!»
هكذا صدحت بالحقيقة.
فتركزت أنظار الجميع صوب 'باي شينيو'، وأضمر الكثيرون في صدورهم نية القتل.
وعلى الضفة الأخرى، وقف 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' و'تشو تشيان' وبقية أفراد ❲عشيرة باي❳ في حيرة من أمرهم، لا يدرون ما العمل.
فرغم جهل أعضاء ❲عشيرة باي❳ و'تشو تشيان' بجذور الصراع، إلا أنهم كانوا يعلمون يقيناً أن (باي تشيهان) لا يضمر وداً لـ 'باي شينيو' – والعكس صحيح.
وخالجهم شعور بأن (باي تشيهان) لن يمد يد العون لـ 'باي شينيو'، التي يعدّها عدواً له.
وانسحب الأمر ذاته على 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، رغم إلمامها بأسباب الخلاف.
وباستثناء 'هان تشنوو'، الذي كان يبيّت النية للاعتناء بـ 'باي شينيو'، تأهب آخرون من ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ لمؤازرتها.
فالجميع كان يدرك أن البقية سيشرعون في مهاجمتها الآن، بعد أن شاع خبر وراثتها للميراث.
وفي حقيقة الأمر، رواد بعض أعضاء ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ التفكير في الإقدام على الفعل ذاته؛ فرغم انتمائهم لطائفة واحدة، إلا أن الغنيمة هي ميراث إمبراطور خالد.
فلم يكن وارداً بأي حال من الأحوال أن يتركوا شخصاً آخر يستأثر بالميراث – حتى وإن كان هذا الشخص رفيقهم في الطائفة.
فما نفع الانتماء لـ ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ أصلاً، إن كان بإمكانهم الحيازة على ميراث إمبراطور خالد؟
وكانت 'باي شينيو' تدرك هذه الحقيقة جيداً، لذا اتخذت أهبة الاستعداد.
بيد أنها كانت واثقة تمام الثقة من قدرتها على مجابهتهم بفضل قوتها العميقة – رغم أن الحسابات قد تختلف كلياً إن تدخل في الأمر البالغون.
«هاها… رائع! رائع! تكفلوا جميعاً بأمر 'باي شينيو'. أما (باي تشيهان) فهو من نصيبي!»
صاح 'مو تيان جي' بنشوة عارمة.
وبعد أن استيقن أن (باي تشيهان) لم ينل الميراث، أدرك أن بمقدوره الإيقاع به وتصفيته بمفرده.
ووش!
ولم يهدر ثانية واحدة، بل انقض كالبرق صوب (باي تشيهان).
«هذا ثأري لما أذقتني إياه من هوان!»
اكتفى (باي تشيهان) بابتسامة سخرية رمق بها هذا الأحمق الذي يسعى حثيثاً لتجرع كأس المهانة مجدداً.
تلاشت صورة 'مو تيان جي' في خضم اندفاعه، وتاججت طاقته الحيوية بعنفٍ يحاكي عاصفة هوجاء.
وتصدعت الأرض من تحته وطأة ضغط اندفاعه، ووجه نية قتله خالصة نحو (باي تشيهان)، كوحش كاسر ينقض على طريدته.
واستجمع الحاضرون شجاعتهم وترقبوا.
فهذه هي اللحظة الفاصلة – جولة الثأر التي طال انتظارها.
ولكن قبل أن يرتد إليهم طرفهم –
انفجار!
انطلقت لكمة واحدة وحيدة.
فبددت قوة 'مو تيان جي' في طرفة عين.
تجمد جسده في أوج اندفاعه، ثم ارتد للخلف بقوة، ليطير في الهواء كدمية محطمة قبل أن يهوي بوجهه ليرتطم بالأرض.
بومↈ
وتشكلت حفرة غائرة إثر سقوطه المدوي. وتصاعدت سحب الغبار. ثم ساد صمت مطبق.
وتسمّر الجميع في أماكنهم. وقد ارتخت فكوكهم، واتسعت حدقات أعينهم دهشة.
بينما لم يبرح (باي تشيهان) مكانه قيد أنملة.
ورفع ذراعه بهدوء، ونفض عنها الغبار بحركة خفيفة، ثم أطلق تنهيدة.
«يُفترض بالمرء أن يستوعب الدرس بعد كل هذا الوقت.»
ثم تقدم بخطى وئيدة، وكأنه يملك كل الوقت في العالم.
وتأوه 'مو تيان جي' الملقى أرضاً، والدماء تنزف من أنفه وفمه. وحاول النهوض متكئاً على ذراعين ترتجفان.
لكن قبل أن يقوى على الوقوف—
دوس!
هوت قدم (باي تشيهان) على رأسه بقسوة، لتغرس وجهه في الوحل.
«الزم مكانك أيها الكلب!»
وضغط بكعبه بقوة أشد، ليدفن وجه 'مو تيان جي' أعمق بين الأنقاض. وأردف قائلاً.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية: «إن التمرغ في التراب يليق بك تماماً».
ألا تشاركونني الرأي جميعاً؟
تساءل، بيد أن صدمة الجميع ألجمت ألسنتهم وحالت دون تفوههم بكلمة.
أو لعل خشيتهم من إثارة حنق 'مو تيان جي' هي ما منعتهم من الإجابة.
حاول 'مو تيان جي' أن يزأر من فرط غيظه، غير أن كل ما صدر عنه لم يتعدّ أنيناً مخنوقاً وصوت صرير أسنانه وهي تطحن الحصى.
«إن كان بينكم مَن يخال نفسه قادراً على هزيمتي، فليتفضل ويثبت ذلك.»
قالها بتحدٍ.
ورفع قدمه قليلاً، بما يكفي ليسمح لـ 'مو تيان جي' بالتقاط أنفاسه بصعوبة – ثم هوى بها مجدداً ليضرب بها الأرض.
جلجل!
فأصيب 'مو تيان جي' بتشنجات عنيفة.
وبعد معاينة مشهد مروع كهذا، تبددت أي رغبة قد تراود أياً منهم في تحديه – حتى وإن كانوا يضمرون ذلك.
وسرى الأمر ذاته على أفراد عشيرتي لين وتشاو، بل وحتى 'دوجو ليانشن'، الذين لم يملكوا سوى التحديق بذهول وعدم تصديق.
وازدادت نظرة (باي تشيهان) حدة وصرامة.
«ولكن إن لم تجدوا في أنفسكم الجرأة…» قالها ببطء، تاركاً كلماته تخترق جدار الصمت المشحون بالتوتر، «..فالزموا أماكنكم. وإلا، فسيكون مصيركم كمصير هذا القابع تحت قدمي.»
فتراجع نفر قليل من المزارعين خطوة للخلف بدافع الغريزة.
حتى أن بعض ذوي المطامع، الذين كانوا يتأهبون للانقضاض على 'باي شينيو'، أخذهم التردد.
فلم يعد بوسعهم البتة عصيان أمر (باي تشيهان) بعد استعراضه المرعب للقوة.
وهمس أحدهم متسائلاً: «ألم يقل إنه لم ينل الميراث؟»
«لكن امتلاكه لقوة كهذه…»
«أيعقل أنه كان يكذب؟»
«بيد أن 'باي شينيو' قد أقرّت بظفرها بالميراث.»
وفي كلتا الحالتين، لم يعد للأمر كبير أهمية.
ففي اللحظة الراهنة، لم يرغب أحد في أن يكون الأحمق التالي الذي يُتخذ من وجهه ممسحة للأرض.
حتى 'باي شينيو'، التي كانت تتهيأ لصدّ هجوم حشد من المجانين، ضيقت عينيها قليلاً وهي تتأمل (باي تشيهان).
‹هذا الرجل… كيف له أن يكون بهذه القوة الغاشمة؟›
فقد كانت على يقين تام من أنه لم ينل الميراث، كما أكد هو وبقايا الروح ذلك.
لكن القوة التي أظهرها… كيف كان ذلك ممكناً بدون الميراث؟
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية