103
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 103: سقوط مختار السماء
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
انقبضت قلوب شيوخ ❲عشيرة باي❳ الذين كانوا يراقبون المشهد من بعيد في تلك اللحظة.
«هذا… هذا الهجوم يعادل قوة مزارع في مرحلة [أصل الروح]!»
«هل يجب علينا التدخل؟! إن كان هذا الأمر سيلحق الأذى بالسيد الشاب—»
«انتظروا!»
اخترق صوت 'الشيخ الأكبر باي رين' الهادئ والحازم حالة الذعر التي سادت المكان. وظلت ملامحه هادئة، بينما عقد ذراعيه خلف ظهره.
«راقبوا جيداً.»
«ولكن يا شيخنا الأكبر—»
«ثقوا في (باي تشيهان). وإن حدث أي مكروه، فسأتحمل أنا كامل المسؤولية!»
وأمام كلمات 'الشيخ الأكبر'، لم يجد الشيوخ خياراً سوى البقاء في أماكنهم.
كما أيقنوا أن وجود 'الشيخ الأكبر' بينهم يضمن إنقاذ (باي تشيهان) بسهولة إن وقع في مأزق حقيقي.
ومن ناحية أخرى، تعلقت ❲عشيرة مي❳ بأمل أخير في أن يفلح هذا الهجوم في هزيمة (باي تشيهان) وتغيير مجرى الأمور.
تجهم وجه 'مو ييتشن' بمزيج من الغضب واليأس، وهو يهوي بسيفه المشتعل نحو الأسفل.
«ضربة الإبادة السامية!»
فشقت شفرة الطاقة الهائلة والمتألقة عنان الهواء، واصطدمت بـ (باي تشيهان) بقوة تكفي لتدمير كل ما يعترض طريقها.
وتسببت قوتها الساحقة في هبوب رياح عاتية عصفت بالقاعة، فتصدعت الأرضية وارتجت الجدران.
ضيق (باي تشيهان) عينيه، لكنه لم يتحرك من مكانه ليراوغ. والأصح أن نقول إنه كان من المستحيل تفادي هجوم بهذا الحجم الهائل.
فبدلاً من محاولة المراوغة التي ستبوء بالفشل حتماً، كان من الأفضل له أن يركز على الدفاع.
وبينما كانت الطاقة الذهبية المبهرة تغمره بالكامل—
بومↈ
كان الانفجار مدوياً، واجتاحت القاعة موجة صدمة هائلة.
وتناثر الغبار والحطام في كل أرجاء المكان، مما اضطر التلاميذ المحيطين بساحة القتال إلى حماية وجوههم من تلك الرياح العاتية.
وللحظات، سادت الفوضى وعمت أرجاء المكان.
ولما انقشع الغبار، شخصت جميع الأنظار نحو مركز الدمار.
وفي قلب ذلك الخراب، وقف (باي تشيهان)، ورغم أن جسده كان لا يزال منتصباً، إلا أنه كان أبعد ما يكون عن النجاة سالماً.
فقد تمزقت ثيابه وتفحمت وتلطخت بالدماء الحديثة. وظهرت جروح رفيعة ومتقاطعة على ذراعيه وكتفيه، بينما امتد جرح غائر على طول جانبه الأيسر، وكان ينزف بغزارة.
وانحدر خيط رفيع من الدم على جبهته، ليسيل أمام عينيه الحادتين والباردتين.
ومع ذلك كله، ورغم ما أصابه من جروح، ظل وقوفه ثابتاً لا يتزعزع ولا يلين.
وارتسمت على شفتي (باي تشيهان) ابتسامة خفيفة، تكاد تنم عن شعور بالتسلية.
«هذا ما يُتوقع من مختاري السماء…» هكذا تمتم وهو يمسح الدم عن جبينه بظهر يده.
«فهم يمتلكون دائماً ورقة رابحة تمكنهم من قلب أي موقف لصالحهم.»
ثم انزلقت نظراته نحو صدره، حيث لمع ضوء فضي خافت للحظة وجيزة قبل أن يتلاشى – لقد كان هذا درعه المنتمي للدرجة الأرضية، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلته قادراً على الوقوف دون عناء شديد.
فحتى مع بلوغه مرحلة [النواة الذهبية] في الزراعة، وامتلاكه جسداً مصقولاً بـ تقنية جسد الفوضى البدائية، فإن القوة الهائلة لـ ضربة الإبادة السامية التي وجهها 'مو ييتشن' كادت تدفعه إلى أقصى حدود احتماله.
«لو لم أكن في عالم [النواة الذهبية]…» حدث (باي تشيهان) نفسه، وقد اكفهرت ملامحه قليلاً.
«لكنت قد وقعت في ورطة عظيمة.»
ولهذا السبب، لا ينبغي للمرء أن يتخلى عن حذره الشديد عند مواجهة بطل مثله؛ إذ يمتلك دائماً مخزوناً سرياً يمكنه من قلب موازين المعركة لصالحه بكل سهولة.
فحتى 'مو ييتشن'، الذي لا يعدو كونه مختاراً سماوياً من فئة النجمة الواحدة، كان يمتلك مثل هذا الهجوم المدمر.
فما بالك بما قد يخبئه أمثال 'لين شوان' و'باي شينيو' كأوراق رابحة أخيرة في جعبتهم.
حول انتباهه مجدداً نحو 'مو ييتشن'، الذي كان يقف على بعد بضع عشرات من الأمتار، وهو يلهث بصعوبة بالغة.
وكان الإشعاع الذهبي المحيط بـ 'مو ييتشن' آخذاً في الخفوت، وتلاشت هالته المهيبة التي كانت تحيط به بسرعة ملحوظة.
وخفت بريق سيف الروح الأبدية في يده، وانطفأ نوره السامي.
وبدا وجه 'مو ييتشن' شاحباً ومكسواً بحبات العرق.
وكشف شعره الرمادي ومظهره الذابل عن الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل إطلاق العنان للقوة الكاملة والمطلقة لسيفه.
ولكن، حتى في حالته المزرية تلك، ظلت عيناه تشتعلان بنار التحدي والعناد.
«أنت… هل ما زلت واقفاً…؟»
فتح 'مو ييتشن' فمه على مصراعيه، واتسعت عيناه من فرط الصدمة والرعب.
«لا… هذا مستحيل…»
فقد كان هجوماً كفيلاً بقتل مزارع من عالم [أصل الروح]، فكيف بـ (باي تشيهان) الذي لم يتجاوز عالم [النواة الذهبية].
بل إنه ضحى بجزء من قوة حياته من أجل تعزيز تلك الضربة، مما سد كل المنافذ أمام (باي تشيهان) للدفاع عن نفسه وصد ذلك الهجوم.
فلم يكد يصدق أن (باي تشيهان) قد استطاع الوقوف على قدميه بعد تلقيه ضربة مباشرة من أقوى هجماته وأشدها فتكاً.
«كان من المفترض أنـــ…»
«كان من المفترض ماذا؟» سأله (باي تشيهان) وهو يتقدم خطوة إلى الأمام، فارضاً سيطرته التامة على الموقف. ثم أردف: «أن تلعب دور البطل؟ وأن تنقذ ❲عشيرة مي❳؟»
مد 'مو ييتشن' أصابعه المرتجفة محاولاً التقاط سيفه، لكن قدم (باي تشيهان) داسته بقسوة، لتثبته على الأرض بقوة.
وقال (باي تشيهان) بصوت بارد يخلو من أي رحمة: «أنت لست سوى لا شيء».
«مجرد أحمق توهم أن حظه الجيد سيجعله كائناً لا يُقهر.»
نظر (باي تشيهان) إلى 'مو ييتشن'، فرآه بشعر أبيض ووجه شاحب كالموتى، وكأن حياته باتت معلقة بخيط شديد الرقة.
وبدا الأمر وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة حقاً، وقد استنفد كل أوراقه الرابحة.
«بدون هذا السيف، ما الذي تساويه حقاً؟»
اتسعت عينا 'مو ييتشن' ذهولاً، وازداد وجهه شحوباً حين صفعته الحقيقة المرة وكأنها موجة عاتية.
وعلاوة على ذلك، بدت كلمات (باي تشيهان) وكأنها تكشف عن معرفته التامة بالسر وراء صعود 'مو ييتشن' إلى تلك المكانة المرموقة.
فهل كان (باي تشيهان) يسعى منذ البداية للاستحواذ على سيف الروح الأبدية؟
كان هذا هو أول خاطر جال في ذهنه بمجرد أن نطق (باي تشيهان) بتلك الكلمات.
لكنه لم يكن يملك أي وسيلة للتأكد من ذلك.
لأن نظرات (باي تشيهان) الباردة ظلت تخترقه، وتنبئه بأنه لن يخرج من هذا المأزق على قيد الحياة.
وأخيراً، أيقن 'مو ييتشن' أن حياته أصبحت على المحك وتواجه خطراً حقيقياً داهماً.
«أنت… لا يمكنك فعل ذلك!»
انكسر صوت 'مو ييتشن' وتهدج، وتشوهت ملامح وجهه الشاحب والذابل من فرط الخوف والرعب.
لقد كان من المفترض أن أرتقي! كان من المفترض أن أقف شامخاً فوق الجميع!
صرخ بصوت يملؤه اليأس المطبق:
«لقد بدأت حياتي تتحسن أخيراً! لا يمكنني أن أموت في هذا المكان! ليس بهذه الطريقة!»
ارتسمت على شفتي (باي تشيهان) ابتسامة ملؤها السخرية.
فبالطبع، كانت حياته تمضي نحو التغيير، وكما جرت العادة مع أمثاله، كان من المحتمل أن يغدو واحداً من أقوى المزارعين في غضون بضع سنوات.
غير أن إظهار الرحمة لعدو، وخاصة إذا كان عدواً قادراً على النهوض والعودة بقوة مثل مختار السماء، كان أمراً مستحيلاً ومرفوضاً تماماً في قاموس (باي تشيهان).
«أرجوك… أنا—»
«أرجوك؟؟»
سخر (باي تشيهان) قائلاً:
«أتتوسل الآن؟ أين ذهبت غطرستك وكبرياؤك؟ ألم تكن ترغب في أن تلعب دور البطل لإنقاذ ❲عشيرة مي❳؟»
كان 'مو ييتشن' يلهث بصعوبة بالغة، وأفكاره تتسارع وتتلاطم في رأسه. لا، لا يمكنه أن يلقى حتفه هنا.
ليس بعد أن لاحت له الفرصة أخيراً للوقوف على القمة، ليتربع على عرش القوة – فقد نجا من مهالك كثيرة، وتجاوز عقبات جمة –
ولكن الآن، وهو يحدق في عيني (باي تشيهان) الباردتين والمجردتين من أي مشاعر إنسانية، بدت كل تلك الأحلام الواعدة وكأنها تنهار وتتطاير كذرات الغبار.
«أرجوك، توقف!»
هكذا صرخ صوت يائس.
لقد كانت 'مي رولان'، بوجهها الشاحب، ويديها المتشابكتين في حركة تنم عن التوسل والرجاء.
«سيدي الشاب باي، أرجوك… أرجوك ارحمه! لقد نال منه الانكسار وانهزم بالفعل—»
«رولان!»
قاطع توسلاتها صوت حازم وخشن.
فقد أحكم والدها 'مي يونهي' قبضته على ذراعها، وكان تعبير وجهه بارداً ولكنه مشحون بخوف دفين.
«اصمتي يا فتاة! ولا تزيدي الطين بلة.»
واشتدت قبضة 'مي يونهي' أكثر، وتحول صوته إلى همس أجش.
«لقد أثرنا غضب (باي تشيهان) بما فيه الكفاية. هل تريدينه أن يوجه نصل سيفه نحو رقابنا تالياً؟ نحن لا نملك الحق ولا القدرة على التوسل من أجل 'مو ييتشن'.»
«ولكن-»
«لا مجال لكلمة «ولكن»!»
وامتلأت عينا 'مي يونهي' بالرعب الخالص.
«ألقي نظرة من حولك؛ لقد سقط 'مو ييتشن' صريع الهزيمة. وقد يحين دورنا بعده مباشرة. إننا لا نمتلك القدرة على التوسط لأحد، ولا حتى إنقاذ أنفسنا.»
فقد أدرك 'مي يونهي' أن المصير المشؤوم الذي ينتظرهم لن يكون أفضل حالاً من مصير 'مو ييتشن'.
فما الجدوى من إطلاق التوسلات طلباً للرحمة من أجل 'مو ييتشن'، وهم في وضع مزرٍ لا يسمح لهم حتى بإنقاذ أنفسهم من الهلاك؟
إن مجرد محاولة إيقاف (باي تشيهان) ستكون بمثابة حفرهم لقبورهم بأيديهم. وحتى لو كان يضمر في نفسه شيئاً من الرحمة، فإن إثارة غضبه في هذه اللحظة لن تجلب سوى تفاقم الأمور وسوء العواقب.
هز 'مي يونهي' رأسه بأسى، وارتسمت خيبة الأمل جلية في عينيه وهو ينظر إلى ابنته.
فلو كانت تملك ذرة من رجاحة العقل لتتدبر بها عواقب أفعالها، لما وجدوا أنفسهم غارقين في بحر هذه المشكلة من الأساس.
خارت قوى 'مي رولان' وانحنت ركبتاها، وانهمرت دموعها مدراراً، غير أنها لم تجرؤ على النطق بكلمة أخرى.
ولم يكن في وسعها سوى الوقوف عاجزة والمشاهدة، بينما كان نصل سيف (باي تشيهان) يحوم نذيراً بالموت فوق رأس 'مو ييتشن'.
ازداد جسد 'مو ييتشن' ارتعاشاً وانتفاضاً، وخرج صوته خافتاً لا يكاد يجاوز الهمس:
«لا… أرجوك… أنا… لا أريد أن أموت…»
فرمقه (باي تشيهان) بنظرة قاسية، ولاحت في عينيه الباردتين ومضة من التسلية والمرح.
«حسناً، كان الأجدر بك أن تفكر في هذا المآل قبل أن تطلق العنان لغرورك وتتحداني.»
«أنا… أنا—»
كان قلب 'مو ييتشن' يخفق بعنف، وعقله يغلي بنيران الندم والحسرة. لقد خيل إليه أنه قادر على تقمص دور البطل.
توهم أنه سيتمكن من إنقاذ ❲عشيرة مي❳، وكسب إعجاب الفتاة التي هام بها حباً، وإلحاق الهزيمة بمن كان يعتبره مجرد سيد شاب متغطرس.
وكان يعتقد واهماً أن عجلة العالم ستستمر في الدوران لصالحه كما اعتاد دائماً، وأنه حتى لو تعقدت الأمور واشتدت الخطوب، فإنه سيجد سبيلاً لقلب الموازين والخروج متوجاً بالنصر.
ولكن، هيهات.
فهذا هو واقعه المرير الآن.
لقد فقد سيفه وذخيرته، واستنفد كل ما لديه من طاقة حيوية، ولم يتبق له سوى رمق أخير من قوة الحياة يبقيه متماسكاً بصعوبة.
وبات الموت هو النهاية الوحيدة والمحتومة التي تنتظره.
وظلت نظرات (باي تشيهان) باردة وخالية من أي اكتراث.
‹هل سيحدث أمر جلل إن أرديته قتيلاً؟›
جالت في خاطره فكرة عابرة تساءل فيها: هل ستتدخل السماء لإنقاذه؟ أم ستحل عليه لعنة ما؟ أم سيواجه نوعاً من العواقب الوخيمة جزاء قتله لأحد مختاري السماء؟
ففي نهاية المطاف، هؤلاء المختارون من السماء ليسوا سوى ثلة من الذين سلكوا الدرب الذي رسمته العناية السماوية لهم، وقد يُعد إزهاق روح أحدهم بمثابة إعلان التحدي للقدر ذاته.
ماذا عساه أن يحدث لو أقدم على قتل أحد مختاري السماء؟ هل ستنقلب موازين العالم؟ وهل سينتقم القدر نفسه لهذا الفعل؟
لم يكن يملك إجابة يقينية.
لكنه عزم على خوض التجربة واكتشاف الحقيقة بنفسه.
ازدادت رؤية 'مو ييتشن' تشوشاً وضبابية، وشعر بوطأة ثقل جسده وكأنه صُب من الرصاص الخالص؛ فعجز حتى عن رفع يديه لصد الضربة القاضية القادمة نحوه.
أومض سيف (باي تشيهان) – ورسم قوساً فضياً لامعاً وهو يشق عنان الهواء.
وهوى للأسفل!
لقد كانت ضربة مثالية قاطعة، خالية من أي ذرة رحمة.
فتناثرت الدماء راسمة قوساً قرمزياً أنيقاً، ليزيد من تلطيخ الأرضية التي باتت أنقاضاً مدمرة.
وبدت عينا 'مو ييتشن' المتسعتان والمشبعتان باليأس وكأن الزمن قد تجمد فيهما للحظة قصيرة، قبل أن ينطفئ بريق الحياة داخلهما للأبد.
جلجل!
وسقط جسده الهامد على الأرض بلا أي حراك.
ليخيم على القاعة صمت مطبق وموحش.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية