الفصل الثاني: صوت في المرآة
كان الليل باردًا، والمطر يضرب نافذة غرفتنا القديمة كأن السماء تحاول أن توقظ شيئًا في داخلي. أمي نائمة في الغرفة المجاورة، متعبة من عملها الطويل في المخبز. أما أبي، فلم يعد يزور إلا نادرًا — زيارات قصيرة، متوترة، كأنها واجب ثقيل أكثر من كونها حنينًا.
كنت أجلس أمام المرآة. نفس المرآة التي كنا أنا وAlisha نقف أمامها لنضحك على وجوهنا المتشابهة، ونبدّل الأدوار. أتذكّر يوم قالت لي ضاحكة:
“لو يومًا غبت عنك، انظر في المرآة، بتلقاني فيك.”
في تلك الليلة، وبعد سنوات من رحيلها، عدت أنظر في المرآة كما أمرتني. كانت الغرفة مظلمة إلا من نور خافت يأتي من الشارع. نظرت إلى عينيّ — وفي لحظةٍ قصيرة جدًا… رأيت ظلًّا خلفي.
ظننت أنه انعكاس ضوء، لكن الظل لم يتحرك مع جسدي. بل كان صغيرًا… بنفس طولها وهي في الثانية عشرة.
همست دون أن أشعر:
“Alisha؟”
لم يجبني أحد. فقط المرآة كانت ترتجف كأنها تأنّ. ثم سمعته — الصوت الذي كنت أظنه خيالًا:
“Van… ما تبكِ. أنا هنا.”
قلبي تجمّد. الصوت كان واضحًا، قريبًا جدًا، وكأنه يتحدث من داخل صدري. نظرت حولي، لا أحد. عدت إلى المرآة، فوجدت البخار يزحف على سطحها رغم برودة الغرفة. وبخطٍ صغيرٍ متردد، كأن يدًا غير مرئية رسمت، ظهرت كلمات:
"لا تتركني أنطفئ في النسيان."
صرخت، فسقطت الكرسيّ خلفي، ودخلت أمي مسرعة، شعرها مبعثر وعيناها نصف مغمضتين. سألتني وهي تمسكني بذراعَيها:
“Van، شو في؟ ليه تصرخ؟”
لم أعرف كيف أشرح. قلت فقط:
“شفتها، ماما… شفت Alisha.”
نظرت إليّ طويلاً، بعينٍ يملؤها الحزن أكثر من الشك. ثم جلست بجانبي وقالت بصوتٍ مبحوح:
“هي مو هنا يا حبيبي… خلاص راحت.”
لكنني لم أصدق. في تلك الليلة، لم أنم. وبينما كانت أمي تغفو من جديد، جلست أمام المرآة حتى الفجر، أراقبها، أنتظر أن تعود الكلمات… أو يعود الصوت.
وعندما أشرقت الشمس أخيرًا، رأيت شيئًا صغيرًا على الطاولة — السوار الوردي الذي كانت ترتديه Alisha يوم رحلت. أقسم أنني وضعته في صندوق الذكريات المقفل منذ سنوات.
هل كانت هنا فعلًا؟ أم أن الحنين بدأ يخلق لي عالمًا آخر؟
في قلبي، لم أعد أفرق بين الحقيقة والخيال، كل ما أعرفه أنني… لا أريد أن أتوقف عن سماعها.