الفصل 99: الرجل بلا وجه[2]
“….ماذا لدينا هنا؟”
وصل الصوت إلى أعماق عقلي، مما أرسل قشعريرة عبر جسدي كله. كان خشناً، يكاد يكون أجشاً، وكأنه مكنسة تخدش زجاجاً مكسوراً.
تملكني شعور غريب عند سماع الصوت.
ومض.
تغير العالم من حولي مرة أخرى.
وجدت نفسي في غرفتي.
أبقيت عيناي مفتوحتين بقوة. شعرت، بل كنت أعرف، أنني إذا أغمضت عيني مرة أخرى، سأعود إلى ذلك العالم.
“…ما هذا؟”
تساءلت مع نفسي، متفحصاً محيطي بينما كنت أشعر بالعرق يسقط على الأرض الخشبية تحتي.
بدأت نبضات قلبي تتسارع، وبدأ صدري في الارتفاع والهبوط بسرعة.
…شعرت بحرقة في عيني.
ما الذي يحدث؟!
كانت الأسئلة كثيرة في ذهني، لكن كان هناك شيء واحد أعرف إجابته. أيًّا كان هذا الكائن عديم الوجه، فهو خطير.
خطير للغاية—
“…!”
توقفت أفكاري عندما لاحظت انحناء نسيج الفضاء أمامي على شكل يد.
ومض.
تغير العالم مرة أخرى.
“هاا…”
أخبرتني جميع غرائزي أن أهرب، لكن عندما نظرت إلى المنظر أمامي، شعرت بالعجز.
كل ما رأيته كان جبالاً وصخوراً حادة لا نهاية لها.
كان الهواء بارداً وجافاً.
…لم يكن هناك مكان للاختباء.
وكأن الكائن قرأ أفكاري، همس صوت في أذني، مما أرسل قشعريرة أخرى عبر عمودي الفقري.
“لا يوجد مكان تختبئ فيه.”
ومض.
أغمضت عيني مرة أخرى على أمل الهروب، لكن…
“لن يجدي ذلك بعد الآن. لقد قمت مؤقتاً بقفل الفضاء حولنا.”
بقيت في نفس العالم.
ومض. ومض.
بغض النظر عن مدى محاولتي، لم أستطع العودة. بدأت نوبات من الذعر تسيطر على عقلي، لكنني أجبرت نفسي على إخفاء أي علامات عليها.
لم أستطع السماح للخوف بأن يسيطر علي.
“هممم، يبدو أن عقلك قوي للغاية.”
انحنى الفضاء أمامي، كاشفاً عن الشكل عديم الوجه الذي رأيته من قبل. على الرغم من أنني لم أتمكن من رؤية ملامحه الحقيقية، إلا أنني كنت متأكداً أنه كان لرجل.
كان يطوي نسيج الفضاء كما لو كان غلافاً بلاستيكياً، وهو يتجول حولي، يراقبني عن قرب. أو ربما كان يستشعرني؟
كان من الصعب وصف ذلك.
…من طريقة حركته، بدا وكأنه لا يستطيع رؤيتي فعلياً. بل كأنه كان يشعر بوجودي.
أم أنني كنت أفكر في الأمر كثيراً؟
على أي حال، امتنعت عن القيام بأي حركة طائشة.
“أنت حذر، أليس كذلك؟”
“…!”
طوى الفضاء بجانبي وأمسكت يد بكتفي.
متى حدث هذا؟
“نبضات قلبك سريعة للغاية. هل أنت متوتر؟”
ابتلعت ريقي.
“أوه؟ إنها تتسارع أكثر الآن… هل أخافتك كلماتي؟”
“…”
“لا داعي للخوف. لا أستطيع إيذائك حقاً. نحن بعيدون جداً عن بعضنا. أقصى ما يمكنني فعله هو قفل الفضاء لبضع دقائق. فقط شممت رائحة مألوفة قادمة منك. رائحة مثيرة للاهتمام.”
خفض نظره نحو السيف الذي أمسكه بيدي، حيث انحنى وشمه قليلاً.
“هاا… نعم، رائحة مألوفة.”
في غمضة عين، كان بجانب السيف، يمرر إصبعه على نصله.
“له نفس الطول تقريباً، لكن…”
توقف فجأة ونظر إليّ.
“…لقد تم استخدامه. هممم.”
وكأنه أدرك شيئاً، ابتسم الرجل عديم الوجه.
“فكرة مثيرة للاهتمام.”
ربما كانت كلماته محيرة بالنسبة لي، لكن حتى مع ذلك، بقيت صامتاً. كانت غريزتي تخبرني أن القليل من الكلام يعني تقليل الخطر.
لكن حتى مع ذلك…
“هممم.”
ظهر مرة أخرى بجانبي، وأمسك بكتفي.
“الكونسورتيوم ( القنصلية ).”
رن صوته في الأرجاء. وبينما كنت أستمع إلى كلماته، بقيت صامتاً.
في حالته، كنت متأكدًا أن أي كلمة أنطقها قد تكون مفتاحًا لشيء خطير. لم أرد أن يحفظ صوتي أو أن أُفصح عن شيء لا يجب عليّ قوله.
“….”
“لا؟ لا يبدو مألوفًا؟”
بدا خيبة أمله واضحة قبل أن يستطرد.
“هممم، إذن…نظام نوكتورن؟”
“….”
مرة أخرى، أبقيت فمي مغلقًا.
واصل حديثه.
“السماء المقلوبة.”
“….!”
فجأة، أصبح الجو خانقًا.
تجمدت أفكاري، لكنني حرصت على ألا أقوم بأي حركة أو إصدار أي صوت.
كيف…
بينما كنت أعتقد أنه التقط شيئًا، تابع بذكر اسم آخر.
"مجموعة ستايجين؟”
“….؟”
هل لم يلاحظ أي شيء؟
كنت على وشك التنفس بارتياح عندما ترك كتفي وقال بصوت منخفض:
“يبدو أنك من إمبراطورية نور أنسيفا (نورس أنسيفا ).”
في تلك اللحظة، أصبح ذهني فارغًا تمامًا، وكأن جميع أفكاري قد سُلبت مني، مما منعني من التفكير تمامًا.
كيف…؟
كيف عرف؟
كنت صامتًا طوال الوقت، إذن… كيف؟
…. حصلت على الإجابة بعد لحظات.
“الكونسورتيوم( القنصلية )، نظام نوكتورن، سماء مقلوبة، مجموعة ستايجين…”
م:م: يوجد احتمال ان اغير الاسماء في المستقبل.
كرر الأسماء مرة أخرى قبل أن يكمل:
“هذه هي أسماء المنظمات التي أنشأتها.”
“….!”
اتسعت عيناي مرة أخرى.
لكن هذا لم يكن كافيًا، إذ تابع الرجل:
“كل منظمة موجودة داخل واحدة من الإمبراطوريات. بالنسبة للعالم، تبدو مختلفة، لكن بالنسبة لي، فهي كلها واحدة. هل تعرف لماذا أعطيتها أسماء مختلفة؟”
ابتلعت كلماتي، لكنني كنت أعرف الإجابة.
“لأنه من الأسهل معرفة من ينتمي إلى أي منظمة…”
“لأنه من الأسهل معرفة من ينتمي إلى أي منظمة.”
وكأنه يقرأ أفكاري، تمتم بالكلمات نفسها التي كنت أفكر فيها. شعرت بقشعريرة بينما بدأ العرق يتصبب دون وعي من جانب وجهي.
كان الهواء خانقًا، وكنت أتنفس بحذر.
“…. كان من الممكن أن تكون مشكلة لو لم تعرف أيًا من الأسماء. لكن، لا يزال هناك ما يكفي من المعلومات لأعمل عليها.”
بكل بساطة، غمز بعينه واختفى ليظهر أمامي، يتجول بخطوات هادئة وهو يتحدث.
“طريقة عملنا تختلف بين كل إمبراطورية. نحن لا نريد أن نبدو متشابهين في كل الإمبراطوريات، أليس كذلك؟”
توقف للحظة، ممسكًا بذقنه.
“لو جعلناهم يعتقدون أنهم جميعًا متشابهون، فذلك سيهدم الفكرة بالكامل، أليس كذلك؟”
استدار فجأة لينظر إلي.
“بين الإمبراطوريات الأربع، تأكدنا أنه في اثنتين منها، سواء كان عامة الناس أو النبلاء رفيعي المستوى يعرفون عن المنظمة.”
فهمت بسرعة ما كان يحاول قوله، لكنني رغم ذلك بقيت صامتًا، مستمعًا لكلماته.
لم أكن متأكدًا من سبب قوله كل هذا، لكنني كنت أعلم أنه لديه هدف.
لهذا السبب تحديدًا، استمعت بحرص إلى كل كلمة.
“لو لم تكن تعرف أيًا منها، لكنت على الأرجح مواطنًا في إحدى الإمبراطوريتين الأخريين. الإمبراطوريات التي تأكدنا من إبقاء المنظمة فيها سرية، مع عدد قليل فقط يعلمون بوجودها.”
فجأة، اتسعت ابتسامته الخالية.
“…. كنت تعرف عن السماء المقلوبة. شعرت بذلك من نبضات قلبك. هذا هو اسم المنظمة التي تعمل داخل إمبراطورية نور أنسيفا (نورس أنسيفا). وحقيقة أنك تعرف تعني أنك على الأقل نبيل. هممم.”
بدأ الشكل عديم الوجه في المشي حولي مرة أخرى، محتفظًا بمظهره الهادئ طيلة الوقت.
ومع ذلك، بينما كنت أحدق فيه، لم أشعر سوى برعب مطلق.
اهتز جسدي بالكامل تحت وطأة حضوره، بينما بدأت الإشعارات تومض أمام عيني:
∎| المستوى 1. [خوف] الخبرة + 0.1% ∎| المستوى 1. [خوف] الخبرة + 0.01%
كانت تستمر في الظهور بلا توقف.
لم أشعر قط بمثل هذا الرعب في حياتي. حتى عندما استخدمتُ قدراتي لأول مرة.
كان هذا…
ساحقًا.
“بماذا تفكر؟”
همس ناعم دغدغ أذني مرة أخرى، حيث ظهر بجانبي مباشرة. شعرت بجسدي ينتفض عند لمسه. لكن حتى مع محاولتي الابتعاد عنه، بدا جسدي وكأنه متجمد في مكانه، غير قادر على الحركة وكأنه ملتصق بالأرض.
“هممم.”
ظهر أمامي مجددًا، هذه المرة رافعًا معصمه كما لو أنه يتحقق من الوقت.
“حسنًا، يبدو أنه نفد الوقت.”
استدار برأسه، فالتقت عيناي مع وجهه الخالي.
“فقط لتعلم، لا أستطيع سماعك أو رؤيتك. يمكنني فقط أن أشعر بك. لكنك على الأرجح قد أدركت هذا بالفعل.”
خفض معصمه، وابتسم مرة أخرى وهو يشير إلى السيف في يدي.
“سأحتاج إلى هذا قريبًا. احتفظ به جيدًا. سأعود لأخذه.”
ومض.
بغمضة عين، ظهر على بعد سنتيمترات مني.
“…أوه، ولا تفكر حتى في الهروب.”
تشنج جسدي بالكامل عند ظهوره مرة أخرى. خصوصًا مع ابتسامته تلك.
“لن تتمكن أبدًا من الهرب مني.”
ومض.
تغير المشهد مرة أخرى.
هذه المرة، كنت في مسكني.
“…..”
لكن حتى مع ذلك، حبست أنفاسي ونظرت من حولي. ولمست الأريكة، متأكدًا من أن كل شيء كان حقيقيًا.
لسبب ما، رغم معرفتي بذلك، شعرت بالحاجة إلى التحقق.
ظللت على هذا الحال لمدة عشر دقائق قبل أن أجلس على الأريكة وأضع السيف جانبًا.
“…..”
جلست هناك دون أن أنطق بكلمة واحدة.
نظرت إلى الأسفل، ولاحظت أن ساقي لا تزال متشنجة. فكّي كذلك… كل جزء من جسدي كان مشدودًا. حتى عندما نظرت حولي ولم أجد أحدًا، كان هناك هذا الشعور المزعج في مؤخرة عقلي الذي جعلني أكثر حذرًا.
أخيرًا، وجدت صوتي.
“ما الذي حدث للتو؟”
كان يبدو غريبًا لعقلي، حيث خرج الصوت مبحوحًا.
“أين كنت؟ ولماذا أخبرني بكل شيء؟”
لم يكن للأمر أي معنى. لأي سبب قد يقوم بـ…
“آه.”
….لكن الفكرة اتضحت فجأة في ذهني.
السبب الذي دفعه لإخباري بكل هذا.
وضعت يدي على فمي، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي. في حال أفصحت عن كل شيء…
“سيكون لديه فكرة واضحة عمن أكون.”
لقد كان فخًا.
فخًا محكمًا بعناية، لا يمكن ملاحظته إلا إذا كنت منتبهًا للغاية.
وازداد الشعور بالرعب الذي كنت أشعر به.
“هذا…”
اتكأت إلى الخلف، أحدق في السقف الفارغ.
فجأة، شعرت بأن الطاقة تنسحب من جسدي. نظرت إلى السيف الذي كان بجانبي، وشعرت برغبة مفاجئة في التخلص منه.
ماذا لو كان بإمكانه اكتشاف وجوده والعثور عليه؟ ماذا لو…
“هاا.”
غطيت عيني بذراعي.
الشعور الذي أطلقه الرجل عديم الوجه… كان شعورًا بالعجز المطلق. بدا وكأنه لا يوجد شيء يمكنني فعله لإيقافه.
الشعور العابر بالسيطرة الذي كنت أتمسك به بشدة في الماضي… اختفى تمامًا.
وحلّ مكانه شعور بالعجز فقط.
من يكون هذا الرجل؟
__________
ترجمة : TIFA