الفصل 58:الصيد [5]
قصر كبير.
غمرتني مشاعر مألوفة.
مرة أخرى، شعرت أنني حاضر، ولكن في نفس الوقت، لست كذلك.
يمكنني أن أرى وأتحرك، ولكنني لم أكن… “هنا”.
”…..هل سأتمكن من اكتساب أي شيء؟”
نظرت من حولي.
المكان كان مزينًا بأثاث ولوحات في كل مكان.
من الواضح أن من يعيش هنا ثري جدًا.
ركزت انتباهي على إحدى اللوحات المعلقة على الحائط.
“عائلة مكونة من أربعة أفراد.”
شخصان بالغان، وطفلان. ذكر وأنثى.
”….هل هؤلاء هم أصحاب القصر؟”
“م-ساعدة…!”
حينها سمعت ذلك.
صوت شاب، يبدو أنه لطفل.
فرقعة—!
“ل-لا أستطيع التنفس…”
النيران اجتاحت المكان.
“أ-خي… لا أستطيع التنفس.”
طفلان كانا متجمعين في زاوية الغرفة.
كانا يحدقان بالنيران المشتعلة بخوف.
شعرت بإحساس مألوف بينما تدفقت المعلومات إلى عقلي.
عائلة من الطبقة العليا.
عائلة تحظى باحترام كبير داخل الإمبراطورية.
الطفلان في الغرفة كانا الوريثين الوحيدين للعقار.
كان الفتى أكبر من الفتاة بعام واحد، وكان هو الأخ الأكبر.
وسط هذه النيران المشتعلة.
“أمي وأبي سيأتيان…”
غلبته غريزته لحماية الفتاة.
“إنه مؤلم… إنه مؤلم…”
الفتاة انكمشت بين ذراعيه.
“لا تقلقي، أمي وأبي قادمان… فقط انتظري قليلًا…”
على الرغم من قوله ذلك، لم يبدو الفتى واثقًا.
شعرت بكل المشاعر التي كان يشعر بها.
كان الخوف يسيطر عليه بشكل كبير، لكنه بذل قصارى جهده ليخفيه.
من أجل أخته…
“سأحميك.”
كان مستعدًا لتجاوز مخاوفه.
فرقعة!
“آخ…!”
لكن النيران استمرت في الاشتعال.
“إنه مؤلم…! أ-خي.”
“ابقي خلفي.”
غطاها بذراعيه.
حرارة النار أحرقت جسده.
كان عمره ثماني سنوات فقط، ومع ذلك…
“أخ…”
فهم واجبه جيدًا.
”….”
حدقت بصمت في المشهد أمامي.
المشهد أثر في أكثر مما توقعت.
ذكرني كثيرًا بنفسي.
لا، كان انعكاسًا مثاليًا لما كنت أحاول أن أكونه.
ولكن…
“لقد هربت من واجبي.”
“هاه.”
شعرت بألم مألوف يخترق صدري.
“إيلي! إميلي!”
صوت قاطع أفكاري.
في المسافة، ظهرت شخصية.
كانت تبدو مرهقة ومضطربة.
فرقعة!
النيران استمرت في الاشتعال.
ولكن وسط ألسنة اللهب، أضاءت وجوه الطفلين.
*"لقد وصلت أخيرًا."*
في الوقت المناسب.
*"أمي!"*
قفز الطفلان بسرعة ليقتربا من مكان وجود والدتهما.
ولكن…
*بانغ—!*
*"آاااااه!"*
انهار السقف، وانتشر الحريق أكثر.
*"إيلي! إميلي….!!"*
صرخة الأم ترددت وسط بحر النيران، بينما انحنى الطفلان خوفًا.
*"إنه مؤلم."*
*"لا أريد أن أموت."*
*"أمي."*
*"أبي."*
*"أنقذونا."*
أصواتهم تسربت إلى وعيي وهم يمسكون برؤوسهم.
*"….أرجوك أنقذني."*
*"أمي!"*
*"أنا خائف."*
*"أنا خائف جدًا…"*
اشتدت النيران، واحترقت الجدران.
صوت تشقق النار تردد، وانهد السقف للداخل.
تناثرت الجمرات في كل اتجاه، وغطى الدخان كل شيء.
*"كح…! كح….!"*
وسط الكفاح، تمسك الشقيقان ببعضهما.
كما لو كانا الشيء الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه.
*بانغ!*
*بانغ!*
بدأ المبنى ينهار.
بدا أن كل الأمل قد تلاشى، ولكن…
*"أمسك بيدي!"*
يد امتدت من خلف النيران.
ظهرت ملامح والدتهما من خلفها.
*"أمسك بها!"*
*"أمي!"*
*"أمي…!"*
الأمل اشتعل في عقول الطفلين وهما يمدان أيديهما نحو اليد الممدودة.
مدّا أيديهما في نفس اللحظة، ولكن…
يد واحدة فقط أمسكت باليد الممدودة.
الفتى نظر إلى والدته التي كانت تحدق فيه بعينين مفتوحتين.
سحبت ذراعه للخلف وشعر باختفاء أخته.
*فرقعة!*
بعد وقت قصير، غمرت النيران مجال رؤيته بالكامل، وغمرت جسده بآلام شديدة.
لكن الشيء الوحيد الذي كان يشغل عقل الفتى هو والدته.
*"إنه مؤلم…"*
*"أمي."*
*"….أين أنت؟"*
انتظرها.
*"أنا هنا…"*
*"هل ستعودين؟"*
*"أمي."*
انتظر أن تمد يدها له مرة أخرى.
ولكن…
لم تفعل أبدًا.
حتى مع إحساسه بجسده يحترق بالكامل.
الأمل.
ظل موجودًا، وشعرت به.
لكنها لم تعد أبدًا.
حتى النهاية.
—
**∎ المستوى 2. [غضب] الخبرة + 3%**
الظلام استحوذ عليه منذ ذلك الحين.
لكن هذا الظلام لم يدم طويلًا، إذ تحطم فجأة عندما اختفى ذلك الشعور بالحرارة التي كانت تجتاح جسد الطفل، وشعر بوجود شخص آخر.
*"أمي…؟"*
هل وصلت أخيرًا؟
غمره شعور بالراحة وهو يستسلم للظلام الذي احتضن وعيه.
لكن هذا الشعور بالراحة لم يدم طويلًا.
*"استيقظ."*
صوت أعاده إلى الواقع.
كان صوتًا خشنًا وجافًا.
عندما فتح عينيه مجددًا، وجد نفسه داخل كهف كبير.
لكنه لم يكن وحده.
كان هناك العديد من الأطفال الآخرين حوله.
كلهم تجمعوا معًا، خائفين.
*"أمي؟"*
ناداها، لكنها لم تكن موجودة.
*"انس كل ما عرفته. لم تعد هويتك مهمة. إذا كنت تريد الحرية، فعليك أن تكسبها."*
ابتسم الرجل.
ابتسامة بدت دافئة لمن يراها من الخارج.
لكنها كانت نفس الابتسامة التي أجبرت الأطفال على الجوع.
*"اعمل بجد أكثر."*
لقد كان لقيطا تماما.
"أنت لم تعمل بما فيه الكفاية. لن تأكل اليوم!"
"لا … أنا جائع… سأعمل بجد أكثر… من فضلك… فقط …قليلا"
*"اصمت!"*
*'آآآآه—!'*
حتى عندما غرقت خدي الأطفال بسبب الجوع، لم يهتم.
*"…..من أجل السماء المقلوبة! صلّوا!"*
متطرف.
*"ليس كافيًا!"*
مجنون يستمتع بتعذيب الأطفال الصغار.
*""أيها الأشياء عديمة الفائدة! لن تكون مفيدا بهذا المعدل!"*
كان يجوعهم.
*'أنا عديم الفائدة…'*
يغسل عقولهم.
*'إنه مؤلم… إنه مؤلم… لكنه من أجل السماء المقلوبة.'*
*'أنا جائع…'*
هذا هو ما كان علية.
*'….كل شيء من أجل السماء المقلوبة.'*
تدريجيًا، نسي الأطفال الألم والجوع.
حتى عندما أغشي عليهم بسبب الجوع والألم، كانت الكلمات الوحيدة التي همسوا بها هي…
*"من أجل السماء المقلوبة."*
وكأن حياتهم لم تعد تهم.
راقبت هذا المشهد يتكرر مرارًا وتكرارًا.
جاء الآلاف من الأطفال وذهبوا.
وبالنهاية، لم يبقَ سوى دمى عديمة العقل تؤمن بشيء واحد فقط.
*"عاشت السماء المقلوبة."*
هويتهم جُردت منهم.
وكذلك إنسانيتهم.
لم يبقَ سوى أصواتهم.
*"ج-جائع… م-ؤلم…"*
لكن حتى أصواتهم كانت على وشك الاختفاء.
طفل واحد فقط لم يفقد صوته.
*"…."*
في الصمت، اقتربت منه.
*"مؤلم… جائع… أمي…"*
حتى الآن، ظل متعلقًا بالماضي. بأمه التي تركته وسط ألسنة اللهب.
توقفت خطواتي تدريجيًا، والتفت الطفل نحوي.
وجهه المحترق بدا مألوفًا.
وعيناه، رغم براءتهما، حملتا وضوحًا معينًا وهو يحدق فيَّ.
*"…..أنت لست جوليان."*
أغلقت عيني ببطء قبل أن أهز رأسي بالإيجاب.
*"أنا لست كذلك."*
أومأ الطفل برأسه كما لو كان يفهم الموقف.
نظر حوله.
*"كانت هذه ذكريات قد نسيتها منذ زمن طويل."*
*"…."*
استمعت بصمت.
*"ذكرياتي عن عائلتي ضبابية إلى حد ما. كيف حالهم الآن؟ هل هم بصحة جيدة؟ هل أختي بخير؟ هل ما زالوا يفكرون بي…؟"*
تغيرت ملامح وجهه فجأة، وشعرت بفكي ينقبض.
"لقد رأيتَ ذكرياتي، أليس كذلك؟ كيف حصلت على وجهي."
النظرة التي وجهها إليّ…
جعلت القشعريرة تسري في جسدي.
*"تلك اليد…"*
مال رأسه قليلاً، وشعرت بأنفاسي تتوقف.
مجموعة من المشاعر اجتاحت صدري فجأة.
لكن أكثرها وضوحًا كان…
*"….هل كانت من أجلي أم من أجل أختي؟"*
كل ما شعرت به كان الغضب.
إحساس غريب بالاختناق استحوذ عليّ، مع ازدياد الثقل في صدري.
*"لقد رأيتَ وجهها. من كانت تحاول إنقاذه؟"*
ظل وجهه ثابتًا بلا تغيير، لكن غضبه لم يكن كذلك.
لقد غلى بشكل أكثر شراسة.
*"هل كان ذلك لأنها وصلت قبل أن أصل؟ هل هذا هو السبب؟ ماذا كان سيحدث لو كنت أنا من وصل لليد أولاً؟"*
شعرت وكأن صدري يتمزق بينما بقيت عيناه مثبتة عليّ.
*"….هل كانت ستأخذ مكاني؟ أم أنني كنت سأُهمَل على أي حال؟"*
اختفى في تلك اللحظة عندما عاد الظلام.
لكن حتى مع ذلك، لم يختفِ وجهه.
ظل عالقًا في ذهني. صوته يهمس في الجزء الخلفي من عقلي.
*'من كانت تحاول إنقاذه؟'*
*'أنا؟'*
*'…أم هي؟'*
في النهاية…
—
**∎ المستوى 1. [غضب] الخبرة + 13%**
لم أستطع أبدًا الإجابة عن سؤاله.
*"…."*
لكن لم يكن لدي وقت للتفكير في الأمر.
فور استعادة بصري، وجدت نفسي أمام اثنتي عشرة عينًا مختلفة تحدق في اتجاهي من بعيد.
أدركت حينها أن طريقي قد أصبح مسدودًا.
لكنني لم أهتم.
مددت يدي إلى الأمام، حيث ظهرت خمسة خيوط ببطء.
دائرة سحرية أرجوانية طفت فوقها بينما تغيرت ألوان الخيوط.
ثم…
بينما كنت أحدق في المخلوقات القادمة، قبضت يدي.
*سويش—!*
***
”….هل تعتقد أنهم ينتظروننا هناك بالأسفل؟”
تردد صوت إيفلين عبر الأنفاق الفارغة، ممتزجًا مع صوت خطواتهم السريعة نحو الحفرة التي أمامهم.
كانت في آخر المجموعة، بينما قاد ليون المجموعة من الأمام.
تعبير وجهه كان صعب القراءة، لكنه كان واضحًا أنه قلق.
“لا أعلم.”
هزّ ليون رأسه.
لم يمر سوى دقيقة منذ أن تمكنوا من هزيمة الـ نيكسفرنال المصنف كمرتبة مبتدئ.
قرروا تأجيل جمع الفطريات، وتوجهوا مباشرةً إلى الحفرة للبحث عن جوليان وويسلي.
ثود…ثود…
في اللحظة التي لمسوا فيها الأرض، لم يقابلهم سوى الظلام.
الهواء كان رطبًا، ورائحة كريهة خيمت في المكان.
“أوه…”
“ما هذه الرائحة؟”
كانت الرائحة بشعة لدرجة أن إيفلين اضطرت لتغطية أنفها لتجنب التقيؤ.
رغم أنها لم تظهر ذلك بوضوح، إلا أن ملامح أويف بدت تشير إلى نفورها، حيث تجعد أنفها.
تنقيط…تنقيط…..!
صوت خافت لتقطير الماء لفت انتباه الجميع.
حطم الصمت الذي كان يسيطر على المكان.
بدون تردد، مد ليون يده إلى حقيبته ليخرج مصباحه.
كان يريد أن يلقي نظرة أفضل على المكان المحيط به.
….وحين أضاء الضوء أخيرًا، تجمد مكانه.
وكذلك فعل الجميع.
“آه…”
كانت الأرض مغطاة بالجثث المتناثرة.
رفع ليون رأسه ببطء لينظر إلى الشخص الجالس فوقها.
مبلل بالكامل بالدماء، كان جسده يرتعش بمجرد أن سُلط الضوء عليه.
ثم…
رفع رأسه ببطء لينظر إليهم، وسمعوا صوته الخشن يردد:
“لقد وصلتم…”
_______
ترجمة : TIFA