ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استعاد فايلور وعيه ببطئ وبدء في تفقد محيطه بفضول.
هو لم يعد في مدينة النور او في عالمه الاصلي، بل في عالم مختلف تماماً وموحش.
اسفله كان يوجد فراغ تام ومظلم، لا يعرف الى ان يقود او اين ينتهي، ويفضل الا يعرف.
كان فايلور يطفوا في ذلك الفراغ، وكان يشعر انه يقف على ارضية لينة وصلبة، ولكنه في نفس الوقت لم يكن يرى شيئاً سوى الظلام اسفله.
بينما كان في الأسفل لا توجد حدود او معرفة الى اين تقود هذه الهاوية التي لا قاع لها، فقد كان في الأعلى سحاب احمر دموي كثيف، بالكاد يتسلل من خلاله اي شعاع ضوء، بينما كان المكان مضائاً بالكاد بنور احمر خافت وكئيب.
وفي منتصف هذا المكان الشاسع، وقفت خمسة تماثيل شامخة، مصنوعة من حجر رمادي عتيق. بدى كل واحد منهم حياً ومدركاً لما يحدث حوله. ثابتين اماكنهم لا يتزعزعون. خشيت الهاوية ان تبتلعهم، وخشي الضوء المتسلل من بين السحاب الدموي ان يقترب منهم!
لقد عرفهم فايلور جيداً، كل واحد من اولئك التماثيل الخمسة.
لقد نقشت اسمائهم بقوة عميقاً داخل سلالته. وقد كانت اسمائهم من اول الأشياء التي عرفها فايلور من ذكريات السلالة.
في الجهة اليمنى، وقف تريانت عملاق ذو مهابة وجلال، نظرة هادئة وعميقة، ينظر الى كل شيء حوله وكأنه بلا معنى… وكأن كل شيء عاري ومكشوف امامه، وكأن كل شيء مجرد من كل الزوائد والإضافات، وكأن لا شيء يستحق اهتمامه.
وقف فايلور ينظر الى ذلك التمال بعيون معقده. لقد عرفه جيداً، لقد عرفه اكثر من بقية التماثيل.
لقد كان هذا هو شجرة الهاوية الأولى، وسلف كل اشجار الهاوية… فالكار العظيم!
وبجانب السلف فالكار من الجهة اليمنى، كان يقف تمثال اخر، ولكن ليس لوحش او شجرة، بل لإنسان!
انسان مفتول العضلات ذو ستة اذرع، وقرنين غليظين فوق رأسه، وأنياب حادة في فمه، ومخالب فتاكة في ازرعه الستة.
لقد كان يشبه في هيئته العامة ذلك الفتى الذي واجه العنقاء ريكي، شيطان الهاوية سولار زاريث.
وقد كان هذا امراً متوقع، فقد كان هذا سلف عرق شياطين الهاوية… زاريث الطاغية!
وبالانتقال الى اقصى اليسار. كان يوجد تمثال ذو هيئة انسان شديد الوسامة، لديه عشرة اجنحة كبار. كل جناح منهم اطول من التمثال نفسه.
كان هذا هو سلف عرق اجنحة الهاوية… سايروس المهيمن!
وبجانب السلف سايروس وقف تمثال لرجل مفتول العضلات شديدة البروز، بدت كل عضلة في جسده وكأنها محددة بدقة وعناية.
بدا ان ذلك التمثال ليس حقيقياً، بل ان صانعه قد بالغ في نحت العضلات، وكأنه صنع هذا التمثال ليكون تجسيداً لمعنى القوة والوحشية. ولكن حتى هذا التمثال المهيب لم يوفي الشخصية الحقيقة حقها.
لقد كانت هذه هي هيئة العرق المعروف بأنه اضخم عرق واقوى عرق بشري من حيث القوة البدنية… عمالقة الهاوية — الثانوس.
وكان هذا هو سلف ذلك العرق… ريغار الوحشي!
اربعة اعراق واربعة اسلاف…
فالكار العظيم، سلف اشجار الهاوية.
زاريث الطاغية، سلف شياطين الهاوية.
سايروس المهيمن، سلف اجنحة الهاوية.
ريغار الوحشي، سلف عمالقة الهاوية.
اربع كيانات عظيمة وقفت على قمة العصر الأول قبل مئتين وخمسين مليون عام، ولكن الأن لا احد يعلم الى اين ذهبوا… وعلى الأغلب تحولوا الى تراب!
الحياة والموت، الخلق والفناء، الوجود والعدم. لا احد يسلم من هذه الدورة.
وقف فايلور ينظر الى تلك المخلوقات التي هيمنت على الكون ذات مرة، يتفكر الى اين سيؤل مآله، والى اين سيتجه مصيره. فهؤلاء كيانات فرضت وجودها ذات يوم على كامل الكون، ولكنهم اليوم على الأغلب اسفل التراب، مستسلمين رغماً عنهم لنهر الزمن الذي يجرف الجميع دون رحمة او شفقة على احد.
لم يطل فايلور التفكير في هذه الأشياء التي لا داعي لها في الوقت الحالي، ونظر نحو التمثال الخامس والأخير، والذي كان يتوسط تلك التماثيل الأربعة.
مجرد تمثال لإنسان عادي ذو شعر طويل، لا يظهر عليه اي تحور عرقي، مجرد انسان نقي دون اية ملامح تظهر على وجهه، وكأن من نحت هذا التمثال نسي ان ينحت ملامحه.
ولكن رغماً عن بساطة هذا التمثال، فقد كان هناك شعور غريب يشعر به كل من ينظر نحوه. شعور يجعل من ينظر الى منطقة التماثيل يظن ان الأسلاف الأربعة مجرد هواة او اطفال يقفون بجانب كيان عتيق وهائل.
لقد عرفه فايلور كما عرف بقية الاسلاف، وقد كان يخشاه اكثر من بقية الأسلاف الأربعة. بل اكثر من اي شيء اخر!
لم يكن يعرف عنه الكثير، سوى ان هذا الكيان هو من قاد العصر الأول، وهو من انشأ اول محكمة بين المحاكم الخمسة، محكمة الهاوية.
لقد كان هذا الشخص هو حاكم الهاوية الأول والوحيد… سلف الهاوية!
"ايها النظام" حاول فايلور استدعاء النظام، ولكن على عكس المتوقع لم يجبه احد!
….
"ايها النظام؟ شاشة الحالة؟ عرض البيانات؟" حاول فايلور مجدداً عدة مرات بعدة طرق مختلفة، لكن لم يجبه احد!
"هيهيهيهيهي، يبدوا ان سلتطك في النهاية لا تشمل هذا المكان" ضحك فايلور بسعادة حقيقية لعلمه ان النظام ليس مطلق القدرة، وان هناك اشياء حتى النظام لا يستطيع التدخل فيها.
لقد كان هذا المكان هو المكان الثالث الذي لا يستطيع النظام التدخل فيه.
وكان المكان الأول هو عالم الحجاب، وكان المكان الثاني هو العالم الذي تم اسر وعي فايلور فيه اثناء سيطرة ريوس على الجسد، وكان المكان الثالث هو هذا المكان… عالم الأسلاف!
قد يظن البعض ان عدم قدرة النظام على التدخل في هذه العوالم هو امر سيء، بحجة انه قد يساعدهم اذا وقعوا في مأزق، وقد كان فايلور يعتقد هذا ايضاً.
ولكن خبر عدم قدرة النظام على التدخل في بضعة اشياء كان خبراً عظيماً لشخص لا يريد ان يتحكم احد في مصيره او ان يتعامل معه كدمية مثل فايلور.
لقد كان يستغل النظام بأقصى قدر ممكن للخروج بأكبر قدر من الفوائد، ولكن ان كانت هناك فرصة لأن يتحرر منه، فلن يمانع… بل على العكس، سيكون سعيداً للغاية!