في منطقة بعيدة عن غابة النور بآلاف الكيلومترات، كانت توجد منطقة شاسعة مليئة بالهضاب والتربة الفضية على مد البصر.
كانت هذه هي منطقة الهضاب الفضية التي كان يسكنها ذات يوم المليارات من الأشخاص من الأعراق الذكية، وكانت أيضًا المنطقة الأولى التي ظهر فيها العمالقة قبل مائة وخمسين عامًا!
بعد أن ظهر العمالقة في هذه المنطقة، قاموا بتدمير المدن والقرى وإبادة السكان حتى لم يتبقَّ شخص واحد من الأعراق الذكية في منطقة الهضاب الفضية بالكامل، مما عُرف فيما بعد بأسوأ إبادة جماعية في التاريخ.
بعد هذه الإبادة، اتخذ العمالقة منطقة الهضاب الفضية موطنًا لهم ومركزًا لعرقهم، ومنها انتشروا إلى بقية الأراضي.
في منطقة الهضاب الفضية، وبالقرب من مركز المنطقة، برزت هضبة عملاقة على شكل سداسي تغطي مساحة تساوي مدينة متوسطة تقريبًا، وفي أحد هذه الأضلاع الستة كان يوجد كهف عملاق، مدخله وحده بطول مائة متر.
كان هذا هو الكهف الرئيسي لعرق العمالقة.
كان يقف أمام الكهف عشرة عمالقة بطول ثلاثين مترًا، يمسكون برماح ومطارق حديدية، وينتبهون إلى أصغر التحركات، ولا يجرؤون على التخاذل ولو للحظة واحدة.
كان كل عملاق من هؤلاء في ذروة المستوى الثالث، ويستطيع الواحد منهم سحق أشخاص مثل إيثام وجاو بسهولة تامة، لكنهم وقفوا أمام هذا الكهف كحراس!
بالتعمق أكثر داخل الكهف، وتحديدًا على بُعد بضعة كيلومترات إلى الداخل، حيث المنطقة الأساسية، جلس ستة عمالقة مشكّلين نصف دائرة، ناظرين إلى جدار الكهف أمامهم.
كان كل واحد من هؤلاء العمالقة يجلس على عرش حجري، وكان طول كل عملاق ثلاثين مترًا، ولكن الهالة التي كانوا يطلقونها كانت أشد قوة وقسوة من هالات العمالقة الذين وقفوا خارج الكهف كحراس.
نظر العمالقة الستة إلى جدار الكهف العملاق نظرة باردة، وأمامهم عُلِّق عملاق آخر بطول خمسين مترًا على جدار الكهف.
كان هذا العملاق مختلفًا عن البقية؛ فعلى عكس الهيئة العضلية شديدة القوة والقسوة للعمالقة، كان هذا العملاق منتفخًا من كل الجهات، وخاصة منطقة المعدة.
انتشرت العروق الزرقاء في جميع أنحاء جسده، وكانت تنبض مع كل نبضة من نبضات قلبه، وخرج من فمه سيل من الرغوة البيضاء، وكانت عيناه بيضاوين بالكامل دون أثر لأي قزحية.
كانت معدته شبه شفافة، ترتفع وتنخفض مع كل نبضة من قلبه الهادئ، وفي الداخل كان يوجد جنين عملاق بطول عشرة أمتار!
"على هذا المعدل، قد يكتمل نمو هذا الجنين خلال ثلاثة أعوام كحد أقصى"، تحدث عملاق ذو شعر طويل وأسود، وبشرة رمادية وذراعين زرقاوين، وعينين ضيقتين، ونصف وجهه العلوي بلون أحمر، متأملًا نمو ذلك الجنين.
كان هذا أحد العمالقة الستة، روداك، أنحف العمالقة.
"جريمار، أنت أقدمنا، هل رأيت يومًا جنين عملاق بهذا الحجم قبل أن يولد؟" سأل نيمروك، عملاق آخر ذو شعر طويل ولحية حمراء كثيفة، وكانت الضفائر تملأ شعره ولحيته، ووجهه يشبه وجه عجوز في بداية الستين من عمره، ولون بشرته رمادي مزين بالعديد من النقوش.
كان جريمار، الذي أشار إليه نيمروك، ذا مظهر عجوز مفتول العضلات، وكان أقواهم من حيث البنية الجسدية والكتلة العضلية. وكان جريمار ذا بشرة زرقاء ورأس أصلع، ولكن كانت لديه لحية بيضاء كثيفة تصل إلى أسفل صدره.
"عندما وُلدتُ أنا شخصيًا، كان طولي سبعة أمتار، والعملاق الوحيد الذي تفوق عليَّ في هذا هو براجون"، تحدث العملاق جريمار بصوت هادئ وعميق، مشيرًا إلى العملاق الذي يجلس أمامه مباشرة. "لقد كان طوله عندما وُلد ثمانية أمتار!"
كان براجون عملاقًا عاري الصدر ومفتول العضلات، ذا مظهر شاب، وكان لون بشرته أزرق رماديًا مع العديد من الأوشام الرمادية على جسده، وعلى عكس بقية العمالقة المشعرين، كان براجون أملس تمامًا، دون شعرة واحدة على جلده.
كانت تعابير براجون هادئة، على عكس التعابير القاسية والمغرورة لبقية العمالقة، ولم يكن يرتدي سوى قطعة قماش بنية حول خصره ومعصميه، وكانت توجد حول رقبته عدة قلائد من الجلود والتمائم.
"هذا الشبل سيتفوق حتمًا علينا نحن ملوك العمالقة، وفي اليوم الذي يكتمل فيه نموه، سيحين وقت إنهاء أمر هذه القارة!" تجاهل براجون نقاش البقية، وتحدث بصوته الهادئ، وكأن إبادة سكان قارة كاملة لا تعني له شيئًا.
نظر العمالقة الخمسة إلى براجون، ولم يقولوا شيئًا لفترة من الوقت.
من بين العمالقة الخمسة، شكَّ أربعة منهم في مدى قوة براجون الحقيقية. وبين براجون والعملاق جريمار، اللذين تنافسا على مرتبة أقوى عملاق، لم يعلم أحد من سيخرج منهما حيًا إن خاضا قتالًا حتى الموت.
"بمناسبة الإبادة، هل سيطر أولئك الأغبياء على غابة النور بالكامل أم لا؟" تحدث عملاق في منتصف العمر، لديه ضفيرتان بنيتان وذقن قصير، بصوت أجش، ساخرًا من العمالقة الذين يعيثون فسادًا في القارة.
"لا يهم إن سيطروا عليها بالكامل أم لا، وعلى الأغلب أن أولئك الحمقى يلهون الآن في المناطق الشاسعة التي سيطرنا عليها، أو يصطادون الوحوش في مناطق جديدة. عندما يحين وقت خروجنا، سينتهي أمرها بشكل طبيعي"، تحدث عملاق يرتدي خوذة معدنية يخرج من جانبيها قرنا ماموث، ويرتدي حول خصره ومعصميه فراء ماموث بنيًا.
كان هذا أشد العمالقة جنونًا بالمعركة، ماغنوس، عملاق اللهب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان هذا هو الوقت الذي بدأ فيه ريوس بالتهام شجرة الحياة، وقد غاب عن الوعي بالكامل، وبدأت شرنقة مصنوعة من خيوط طاقة بيضاء تلتف حوله وحول شجرة الحياة.
في هذه اللحظة، في السماء، وعلى بُعد بضعة آلاف من الكيلومترات فوق مدينة النور، ظهر شبح أسود ذو هيئة تشبه إلى حد ما هيئة بشرية، دون أي ملامح تقريبًا، ولم يكن يمتلك سوى عينين حمراوين تشعان بنية قتل حادة، قادرة على قتل أي شخص يقع ضمن نطاق وجوده.
مدَّ الشبح يده نحو مكان ريوس، وتجمعت عدة خصلات من الطاقة الحمراء القانية حول يديه، وشكَّلت عدة تنانين دموية. كان ينوي مهاجمة ريوس، لكن قبل أن تنطلق تلك التنانين الدموية، ظهرت العديد من ثعابين البرق الأزرق حول الشبح، ودمَّرت تنانين الطاقة على الفور، وأتى من خلفه صوت فتاة شابة:
"لن أسمح لك بفعل ما تريد هذه المرة."
ظهرت خلف الشبح شابة في العشرين من عمرها، محاطة بهالة ذهبية من كل مكان، ولم يكن يظهر منها سوى وجهها الفاتن وشعرها الذهبي اللامع، وكأنه خصلات من الشمس. وزادها إبهارًا وجلالًا التاج الذي ترتديه فوق رأسها، وكأنها إمبراطورة هذا العالم.
نظرت الفتاة إلى الشبح الأسود بعينيها الذهبيتين، ولم تُخفِ نية قتلها، وقالت:
"ألم يكفك عشرات المرشحين الذين قتلتهم بالفعل؟ ألم يكفك أيضًا ذلك العرق النجس، جالب الدمار والخراب، الذي جلبته إليَّ؟ ما الذي تريده بعد؟"
التفت الشبح بعد سماع كلمات الشابة، ونظر إليها بنفس النية القاتلة، وقال بنبرة باردة وصوت أجش:
"مرشحوك صنعتِهم باستخدام قوتي، وتقدمك وقوتك اكتسبتِهما بفضلي، وكل ما لديكِ هو ملكي."
ثم توقف قليلًا قبل أن يقول وهو يختفي:
"العمالقة ليسوا سوى البداية، وكل ما هو لي سأستعيده، أما أنتِ فستخضعين عاجلًا أم آجلًا."