صوت اصطدام سيوف ورماح الجنود بالدروع واختراقها للأجساد.
صوت اندماج المانا في ظواهر متعددة قبل أن تتصادم مع جدران السحر والفولاذ.
صوت انهيار المباني.
صوت أنين المحتضرين.
لقد اندلعت معركة ضارية في قلب مدينة بيتسبرغ، عاصمة ديفايد؛ معركة بين أولئك الذين يرغبون في العبور للنجاة، وأولئك الذين أُمروا بصدهم وإيقافهم.
«احترقوا عبر الخط الأمامي بأي ثمن!»
«اوقفوهم!»
«إنهم المتسللون!»
«بل هم الإرهابيون! لا تبدوا أي رحمة!»
كانت لدى كلا المجموعتين نظرة تجاه الأخرى تختلف تماماً عن الواقع، مما جعل الاصطدام بينهما أمراً حتمياً لا مفر منه.
ومع تقدم المعركة، أخذت الحدود بين كلا المعسكرين تتلاشى شيئاً فشيئاً.
بوم
تردد صدى انفجار هائل عبر خطوط القوتين.
ورغم أن ميزان القوى بين الطرفين كان متكافئاً في البداية، إلا أن المعركة نفسها كانت تميل بوضوح لصالح القوة المسلحة لمملكة ديفايد. وبطريقة ما، كان هذا أمراً متوقعاً؛ فقد كانت قوات ديفايد مصطفة بالفعل في تشكيلات محكمة، مع إقامة الحواجز باستراتيجية مدروسة لإعاقة أي هجوم مضاد من اتحاد الملوك الغربية. لقد تنبأوا بأن الاتحاد سيمر عبر هذا الموقع، وتملكوا زمام السيطرة على المنطقة قبل فترة طويلة من المناوشة.
من ناحية أخرى، كان على اتحاد الملوك الغربية القتال دون إعداد كافٍ. وعلاوة على ذلك، مهما بلغ حجم التقارب بين تلك الدول على المستوى الدبلوماسي، فإن المشاركين في هذه القوة التحالفية ظلوا يمثلون دولاً منفصلة. لم تستطع القوات الحليفة التحرك كجسد واحد، وكان هناك عدد كبير جداً من القادة الذين يطرحون توجيهات فردية.
ودون وجود فارق هائل في الكم أو الكيف، فإن الأخطاء والتشتت البسيط اللذين قد يبدوان غير ذي أهمية، كان لهما تأثير بالغ في معركة تُخاض في مساحات ضيقة للغاية وتحت موقف غير متكافئ جغرافيًا وتكتيكيًا.
«احموا جلالة الملك!»
«عززوا الدفاع المركزي!»
وحتى أثناء المعركة، كانت قوات ديفايد تطلق التعاويذ باستمرار نحو الأعضاء البارزين في اتحاد الملوك الغربية؛ مما زاد من هيجان جنود القوات الحليفة واضطرابهم. لقد كان هذا التصرف متطرفاً للغاية بحيث لا يمكن اعتباره مجرد محاولة لإخضاع زوار في مهمة دبلوماسية، مما عزز قناعتهم بأن ديفايد قد استُولِيَ عليها بالكامل من قبل المتسللين.
وفي النهاية، لم يجد حلفاء الملوك الغربية خياراً سوى تركيز قوتهم في مركز تشكيلهم لحماية شخصياتهم الهامة ضد هذه الهجمات المتوالية. وكان لهذا العبء عواقب وخيمة على القوة الإجمالية لتشكيلهم، كما يحد بشكل كبير من التكتيكات المتاحة والتأثير الفردي للجنود.
ومع اقتراب الهزيمة وتأكدها تقريباً للقوات الحليفة، كان من المدهش أن بعض التحركات الفردية استطاعت إعادة إشعال فتيل الأمل.
«الفرقة الثانية! استعدوا لـ…!»
أحد قادة ديفايد، الذي كان على وشك أن يأمر جنوده بالإطلاق، سقط فجأة على الأرض؛ بينما تدفقت الدماء بغزارة من ثقب ظهر في صدره.
وعندما انهار القائد فجأة، نظر جنود ديفايد حولهم بفزع وخوف.
هجوم قوي لم يترك أي أثر سوى جثة هامدة؛ شيء قادر على ثقب سحرهم الدفاعي تماماً كالمثقاب.
افترض جنود ديفايد أنه سحر قنص واستدعوا سحر الكشف على الفور، لكنهم لم يجدوا أي أثر للقناص. وكان هذا أمراً طبيعياً؛ فقد كان ذلك من عمل "رومانتيكا إيرو"، والتي كانت تمتلك أثراً سحرياً يخفي وجودها.
«الوردة الزرقاء (Blue Rose)».
إن وظيفة الإخفاء في هذا الأثر لا تجعلها غير مرئية للعين المجردة فحسب، بل تمتلك أيضاً وظيفة إضافية تمكنها من خداع سحر الكشف نفسه.
هاتان الوظيفتان جعلتا الأثر يستحق رتبته المتقدمة كأثر سحري من الفئة A.
بانغ
اخترق صوت جاف وصارم الصمت الذي خيّم على قوات ديفايد. وهذه المرة، ترنح فارس كان يقود الجنود في الخط الأمامي وهوى للأمام؛ ليقع رأسه على الأرض مباشرة.
كان من المستحيل تجنب هذه الهجمات.
وسرعان ما انهارت سلسلة القيادة لدى ديفايد بعد أن فقدت قائدها. ولم يكن "برام" خاملًا هو الآخر.
شق "برام" طريقه عبر معسكر العدو ملوحاً بسيفه دون تردد. كانت قدرته على المناورة، المعززة بقدرته على الانتقال السريع لمسافات قصيرة، مذهلة للغاية ولم يستطع أي من الجنود العاديين لقوات ديفايد متابعة حركته.
«آارغ!»
«انـ-انتظر!»
شلال دماء
تفجرت نافورات الدماء في كل بقعة يظهر فيها "برام" فجأة، وسقط جنود ديفايد واحداً تلو الآخر. وبأقل حركة ممكنة، مبرهناً على سيطرته الفائقة على جسده، حصد أرواح العديد من الأعداء بكفاءة عالية.
عدد قليل جداً من الجنود استطاعوا إبداء حتى أضعف الدفاعات ضد هجمات "برام" الدقيقة للغاية. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى استخدامه الماهر لأثره السحري، "مشاة السحاب (Cloud Walkers)". وفي غضون فترة قصيرة، وجد "برام" نفسه عميقاً خلف خطوط العدو. لكنه لم يتساهل في الأمر، بعد أن حدد بضعة رجال كانوا بارعين بما يكفي لمناقسته وجه لوجه.
والشق الصغير الذي فتحته "فرقة ستارلينغ (Starling Party)" أخذ يتسع تدريجياً. وتقدم جنود القوات الحليفة عشرات الأمتار متجاوزين الحواجز.
وبدأ المبنى الذي يحتوي على بوابة النقل السريعة يظهر شيئاً فشيئاً في الأفق.
«هذا يكفي.»
فارس يرتدي درعاً أسود أوقف تقدم "برام".
صليل
السيف الذي استخدمه لإيقاف شفرة "برام" كان له رنين مختلف عن المعدن العادي؛ لقد كانت شفرة مشبعة بالهالة، من النوع الذي لا يستطيع حمله سوى السيافين الذين وصلوا إلى أعلى المستويات.
صليل
تقاطعت سيفاهما واندلع انفجار مصغر من الضوء.
حافظ "برام" على مسافته من الفارس الواقف أمامه بينما أخذ لحظة لتفحص ما حوله. وقبل أن يدرك، كان الفرسان المرتدون للدروع السوداء قد أحاطوا به من كل جانب.
وسرعان ما جرد الفرسان السود القوات المتقدمة من أفضليتها.
لم يكن عددهم كبيراً، لكن الفارق في المهارة كان هائلاً مقارنة بالجنود العاديين.
عض "برام" على شفته السفلى:
«الإنكشارية…»
حتى عندما تواجهوا قبل اندلاع المعركة مباشرة، حزر "برام" أن مهاراتهم ستكون هائلة. لكن بعد رؤيتها بأم عينيه، كانت في الحقيقة تتجاوز توقعاته بكثير.
«طالما أن القوة الرئيسية مكرسة للدفاع، فقد ظننتُ أن القتال سيكون كافياً لكسب الوقت فحسب.»
تمتم الفارس الذي صد "برام" بشكل غير متوقع.
ومن الواضح أنه بفضل أداء فرقة ستارلينغ المذهل، تمكنت القوات الحليفة من التقدم إلى هذا الحد. لقد كان خصومهم أقوياء بما يكفي لجلب التعادل، لكنهم لم يكونوا سوى أهداف هشة أمام فرقة ستارلينغ.
لكن الطاولة انقلبت مرة أخرى عندما تقدم فرسان الإنكشارية.
«أرغ…!»
فرسان القوات الحليفة الذين تقدموا مع "برام" سُحقوا دون رحمة بفعل الهجوم المضاد لفرسان الإنكشارية. ورغم أنهم كانوا يفخرون بمهاراتهم أيضاً، إلا أن الفارق كان شاسعاً للغاية.
كان فرسان الإنكشارية أشد قوة بكثير من أي فارس آخر. وإذا لم يستطيعوا إيقافهم هنا، فإن الأضرار التي ستلحق بالقوات الحليفة ستتراكم بسرعة.
وللحظة، استخدم "برام" أثر "مشاة السحاب" للتحرك نحو ظهر الفارس الواقف أمامه. لقد كانت هجمة مباغتة مثالية، من المستحيل الدفاع ضدها دون معرفة التوقيت الدقيق للهجوم.
«كنتُ أتوقع منك فعل ذلك!»
لكن فارس الإنكشارية استدار برود أفعال وسرعة غير بشرية.
ومع ذلك، كان "برام" قد جمع بالفعل كمية هائلة من الهالة، والتي بدأت تتجسد، وهي علامة صريحة على ارتقاء "برام" إلى فئة الأسقف (Bishop Class).
تجمع الضوء عند طرف سيفه. وانطلقت الهالة التكثيفة الشديدة كشهاب ساقط، ضاربة الفارس قبل أن يتمكن حتى من إبداء أي رد فعل. أفق شعاع الضوء الأبيض سيف الفارس، ثم جسده، بسرعة تجاوزت الصوت نفسه. وتناثرت شظايا السيف المكسور في كل الاتجاهات كالشظايا المتفجرة.
«……!»
فرسان الإنكشارية الذين حاصروا "برام" أظهروا علامات الارتباك والذهول؛ ففتى صغير، مجرد مراهق، قد قتل أحسن فرسان ديفايد في لحظة خاطفة.
وبينما حاول فرسان الإنكشارية استخدام هجوم كماشة على "برام" للانتقام لرفيقهم…
«سأتولى أمر هذا الفتى. أنتم أوقفوا الأعداء الآخرين.»
صوت ثقيل طغى على المنطقة بأكملها. وفي الوقت نفسه، شعر "برام" بحركة كمية هائلة من الهالة تتجه نحوه.
رفع سيفه بسرعة وإلحاح.
صليل
القوة جعلت جسد "برام" يرتد للخلف، رغم أنه حصر دفاعه بأفضل ما يمكن؛ ولُفت أصابعه بالخدر.
وعذل وضعيته بسرعة، رافعاً رأسه وناظراً مباشرة إلى مصدر الهجوم.
قائد الإنكشارية، "بريبون"، كان يقف أمامه. ثم ثنى إصبعه مشيراً:
«تعال.»
كز "برام" على أسنانه.
كان "بريبون" سيافاً من فئة الملك (King Class).
ولم يكن "برام" نداً لخصم كهذا؛ فليس لديه أوراق رابحة خفية كـ "أدجيست" التي تستطيع تعزيز قدراتها الجسدية، ولا يمكنه البقاء على مسافة وقنصه كـ "رومانتيكا"، ولا يسعه التخطيط للمواجهة بأكملها محركاً العدو كدمية في يد القدر لينهي أمره بتعويذة خيالية كـ "ديزير".
لكنه لم يستطع التراجع؛ فإذا لم يوقف "بريبون" الآن، فإن الأضرار التي ستلحق بالقوات خلفه ستكون بالغة الخطورة.
(ليس أمامي خيار سوى إخراج كل ما لدي منذ البداية.)
ركز "برام" هالته إلى أقصى الحدود. وتجمعت الهالة حول السيف مطلقة ضوءاً باهراً. ولو كان سيفاً من الحديد العادي، لانهار وتجعد فوراً تحت هذه القوة، لكنه احتوى الهالة دون أي مشكلة، ويرجع ذلك إلى كونه مصنوعاً من معدن البلاينكيوم (Blankium).
«إنه سيف جيد بحق.»
«آاااه!»
اندفع "برام" مجدداً من الأرض مع صرخة مدوية.
حركة "برام"، السياف الذي وصل إلى فئة الأسقف، كانت تتجاوز إدراك البشر العاديين وقدرتهم على المحاكاة. وحركته التي عززها إلى الحد الأقصى باستخدام كل هالته لم تكن قابلة للمقارنة بأي وقت آخر قاتل فيه من قبل.
ولم يهمل استخدام "مشاة السحاب"؛ فمستخدماً إياها في اللحظة المثالية، غير زاوية اقترابه فوراً في حركة بدت وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء. وعندما وصل إلى علامة العشرة أمتار، دفع "برام" بسيفه للأمام، مطلقاً الهالة المكثفة.
اصطدم سيفان.
بوم
أحدث انفجار الهالة ضوضاء رعدية مدوية، كانت عالية جداً لدرجة بدت وكأنها من عمل السحر، لا من فنون السيف.
«مذهل! لم أظن قط أنك ستصل إلى هذا الحد في سنك هذه.»
كان "بريبون" مسترخياً للغاية، حاصداً هجوم "برام" بلا أدنى جهد.
«ولكن لمجرد أنك سريع وقوي، فهذا لا يعني أنك سياف قوي.»
دفع "بريبون" "برام" للوراء وهز سيفه.
قطع "بريبون" وطعن عدة مرات نحو "برام". وفي اللحظة التي فعل فيها ذلك، أُجبر "برام" على التخلي عن كل هجوم ووضع كل ما يملك في الدفاع.
(إنه قوي جداً.)
كل ضربة كانت قاتلة. ولو لم يضع كل قوته في الدفاع، لكان قد مات عدة مرات في تلك المواجهة السريعة.
وما كان مثيراً للدهشة هو أن هذه لم تكن حتى القوة الكاملة لـ "بريبون"؛ إذ كان يلوح بسيفه بتعابير مسترخية تماماً.
«أرغ…»
أنّ "برام".
(ولكن إن كان عليّ الصمود بطريقة ما…)
لكن في تلك اللحظة تحدث "بريبون"، وكأنه يقرأ أفكار "برام":
«لا تظن أن أفعالك ستؤثر بأي شكل على هذه المعركة لمجرد أنك تبقيني مشغولاً.»
ضربت عدة أقواس من البرق الأرض حول "برام" و"بريبون"؛ وكان الاتجاه الذي أتت منه في الهواء.
رفع "برام" رأسه، فامتلأت رؤيته بالسحر المنهال دون توقف.
(جيش الويفيرن!)
كان جيش الويفيرن التابع لديفايد يفرض سيطرة كاملة على السماء؛ وكانوا يطلقون السحر باستمرار نحو القوات الحليفة، ودون أن يحتاجوا للقلق بشأن الدفاع تقريباً.
لم يكن من السهل إيقاف هجومهم الذي يواصلون تنفيذه أثناء التحرك السريع على متون الويفيرن. وعلى الأقل، كان سحرة البرج بقيادة "زود" يصبون مواردكم بالكامل في سحر الدفاع، لذا لم تكن هذه الضربة القاضية بعد لاتحاد الملوك الغربية؛ ومع ذلك، كانوا يصمدون بشدة وبصعوبة بالغة.
أقوى القوات السحرية التي ملكتها القوات الحليفة في هذه المعركة أصبحت الآن مكرسة بالكامل للدفاع فحسب.
وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير
لا حول و لا قوة الى أقسم له النعمة وله الفضل و له الثناء الحسن مخلصين له الدين و لو كره الكافرون
لا تدعو الروايات و ملذات الحيات تلهيكم عن الصلاة و العبادات و سائر مسؤولياتكم في الحياة يا اخوان و السلام عليكم