منذ الصباح الباكر، بدأت الساحة تمتلئ بطريقة مختلفة عن أيام الطقس الشهري. لم يكن هناك صمت مفروض هذه المرة، بل ضجيج إنساني كامل: أصوات نساء يتحدثن بسرعة أكبر من المعتاد، أطفال يركضون بين الصفوف غير مدركين تمامًا خطورة اليوم، وشباب يقفون في مجموعات صغيرة يتبادلون كلامًا يحاول أن يبدو عاديًا أكثر مما هو عليه.
كانت هذه الدفعة الثالثة التي تشهدها القرية خلال العام، وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الناس يعرفون كيف يتصرفون؛ من أين تبدأ الصفوف، وأين يقف الأهالي، ومتى يجب أن يبدأ الوداع الفعلي قبل أن يصبح مزعجًا لمن حولهم.
وقفت امرأة قرب بداية الساحة، تضع في يد ابنها كيسًا من الخبز أثقل بكثير مما يحتاجه ليوم واحد. "خذه، ستحتاجه في الطريق أكثر مما تحتاج أي شيء آخر،" قالت، وهو يحاول أن يرفض بلطف قبل أن يستسلم ويأخذ الكيس دون جدال أكثر.
بالقرب منهما، كان رجل عجوز يكرر على ابنه اسم قريب بعيد يعيش في إحدى المدن التي قد يمر بها الجيش. "إن وصلت إلى هناك، اسأل عنه في حي الحدادين. سيعرفك من وجهك وحده، أنت تشبه أباك حين كان في سنك."
على بعد خطوات، كان ثلاثة شبان يضحكون بصوت عالٍ أكثر من اللازم، أحدهم يقلد صوت ضابط متخيل بينما يقف الآخران باستقامة مبالغ فيها، والضحك يتوقف بسرعة كلما مرّ أحد الأهالي قريبًا منهم، كأنهم يخجلون من أن يُرى فرحهم المصطنع أمام من لا يشاركهم إياه بنفس السهولة.
لم تكن كل الوجوه متشابهة. بعض الشباب بدوا متحمسين فعلاً، وليس مجرد تمثيل؛ واحد منهم، ابن صاحب الحانة الذي أعاد فتح متجره قبل أسابيع بعد إغلاق قصير، كان يتحدث بصوت عالٍ عن رغبته في رؤية شيء غير هذه القرية أخيرًا، وكأن التجنيد بالنسبة إليه بابًا لا تهديدًا. آخرون وقفوا صامتين تمامًا، عيونهم على الأرض أكثر مما هي على من حولهم، وأمهاتهم يمسكن بأذرعهم بقوة أكبر مما يحتاجه الوداع العادي.
وقفت مارِن عند طرف الساحة، بمفردها تقريبًا، تراقب الحشد دون أن تشارك في أي حديث بعينه. لم تكن تعرف أن هذا اليوم سيحمل لها شيئًا يخصها مباشرة؛ جاءت فقط، كما يفعل كثيرون في القرية، لأن يوم استلام المجندين أصبح حدثًا يخص الجميع، حتى من لم يكن لديه أحد بينهم.
وصل الجنود قبيل منتصف النهار، عربتان بسيطتان توقفتا عند مدخل الساحة، ونزل منهما أربعة رجال بزي رسمي رمادي داكن، أحدهم يحمل سجلاً جلديًا ثقيلاً ضمّه إلى صدره وهو يتقدم نحو منصة صغيرة أُعدّت له مسبقًا من قبل موظفي المحكمة المحليين.
لم يكن هناك خطاب طويل. فتح الجندي السجل، ونظر إلى الحشد للحظة، ثم بدأ ينادي الأسماء بصوت واضح ورتيب، بلا حماسة وبلا قسوة، بالطريقة نفسها التي يُقرأ بها أي إجراء إداري تكرر مئات المرات من قبل.
تقدّم الأول حين نودي اسمه، شاب طويل، ووقف أمام الطاولة الصغيرة ريثما تحقق الجندي من هويته وأشار له بالانتقال إلى الجانب الأيمن حيث بدأت مجموعة صغيرة تتشكل.
نودي الاسم الثاني، فتقدم آخر.
عند الاسم الثالث، ساد صمت قصير قبل أن تتحدث امرأة من الحشد: "غادر إلى المدينة الشمالية منذ أسبوعين، عند عمه. مرض والده هناك."
كتب الجندي ملاحظة بجانب الاسم دون تعليق، وانتقل إلى الاسم التالي.
عند اسم آخر، لم يجب أحد، ولم يتقدم أحد ليشرح غيابه. نظر الجندي إلى الحشد للحظة، ثم كتب ملاحظة أخرى، وواصل القراءة.
استمرت العملية على هذا النحو، اسم يتبعه شاب يتقدم، أو صمت يتبعه توضيح من أحد الحاضرين، أو صمت أطول لا يفسره أحد. كانت الغيابات أكثر مما توقعه من يقف بعيدًا، ثلاثة أو أربعة أسماء مرت دون أن يظهر أصحابها، بعضها بتفسير معقول، وبعضها بلا تفسير على الإطلاق.
ثم نودي اسم أورِن.
لم يتقدم أحد.
كرر الجندي الاسم مرة ثانية، بالنبرة الرتيبة نفسها، وكأن التكرار جزء من الإجراء لا استثناء يستدعي انتباهًا خاصًا.
بدأ بعض من في الحشد ينظرون حولهم، بحثًا عن وجه يعرفونه، وسمعت مارِن اسم أخيها يتردد في الساحة قبل أن تدرك تمامًا ما الذي يعنيه سماعها له في هذا السياق بالتحديد.
"أورِن؟" قالت لنفسها أكثر مما قالتها لأحد، ثم التفتت إلى امرأة تقف بجانبها. "هل رأيتِه اليوم؟"
هزّت المرأة رأسها بلا معرفة، وكان انتباهها منشغلاً بالاسم التالي على القائمة أكثر من انشغالها بسؤال مارِن.
نظرت مارِن نحو اتجاه الأرشيف، كأن جزءًا منها يأمل أن يكون قد تأخر هناك لسبب ما، عمل متراكم أو مهمة نسيها، رغم أن يوم استلام المجندين كان عطلة رسمية للجميع، وكان يعرف ذلك جيدًا.
كتب الجندي ملاحظة بجانب اسم أورِن، دون تعليق إضافي، وانتقل إلى الاسم التالي في القائمة.
في تلك اللحظة، كان أورِن يجلس في العلية المتربة فوق مخزن أدوات قديم يملكه أحد معارف والده منذ سنوات، مكانًا يعرفه منذ طفولته لأنه لعب فيه مرات كثيرة قبل أن يتوقف الرجل عن استخدام المخزن أصلاً. كانت العلية تطل، عبر فتحة صغيرة في الجدار الخشبي، على جزء من الطريق المؤدي إلى الساحة، بعيدًا بما يكفي ليكون بمأمن من أي نظرة عابرة، لكن قريبًا بما يكفي ليسمع أصداء ما يجري هناك حين يهدأ الهواء.
سمع الأسماء تُنادى واحدًا تلو الآخر، صوتًا بعيدًا يصله محملاً بضجيج الساحة، دون أن يستطيع تمييز كل كلمة بوضوح تام.
ثم سمع اسمه.
لم يكن الصوت واضحًا كما لو كان واقفًا هناك، لكنه كان كافيًا تمامًا ليعرف أن ما سمعه هو اسمه بالتحديد، لا اسمًا آخر يشبهه. جلس ساكنًا تمامًا، يداه على ركبتيه، وشعر بشيء يضيق في صدره، ليس خوفًا من الجنود بالمعنى المباشر، بل إدراكًا مفاجئًا أن اللحظة التي كان يتجنبها منذ أسابيع أصبحت الآن حقيقة معلنة أمام القرية كلها، بصوت عالٍ، في مكان لا يستطيع فيه هو نفسه أن يفعل شيئًا سوى الانتظار.
فكر في مارِن.
لم يكن يعرف إن كانت في الساحة أم لا، لكنه افترض، بيقين هادئ لا يحمل أي شك حقيقي، أنها هناك، كما هي في كل مناسبة تخص القرية. تخيلها تسمع الاسم، وتنظر حولها، وتبحث عنه بعينيها بين الوجوه، دون أن تجده.
لم يفكر في عشرات الاحتمالات، ولا في خطة بديلة، ولا في كيفية شرح الأمر لاحقًا. فكر فقط، بشكل مباشر وبسيط، أن الأمر أصبح حقيقيًا الآن بطريقة لم يكن مستعدًا لها تمامًا، مهما ظن أنه استعد لها في الليالي الماضية.
بقي جالسًا، ساكنًا، يستمع إلى بقية الأسماء تُنادى، بعضها يتبعه صوت خطوات تتقدم، وبعضها يمر في صمت مشابه للصمت الذي تبع اسمه.
بعد أن انتهى الجندي من القائمة كاملة، أغلق سجله، وتحدث للمرة الأولى بجملة أطول من مجرد قراءة اسم.
"من نودي اسمه ولم يحضر اليوم، أمامه ثلاثة أيام من الآن ليقدم نفسه إلى مكتب المحكمة، وفق أمر التجنيد الذي وصله. بعد انتهاء هذه المهلة، يُعتبر غيابه رفضًا للأمر الرسمي، وتُتخذ الإجراءات اللازمة لإحضاره، بما في ذلك المساءلة القانونية والعسكرية."
لم تحمل نبرته تهديدًا شخصيًا، بل نبرة من يقرأ نظامًا مكتوبًا سلفًا، مألوفًا له من كثرة تكراره في قرى أخرى قبل هذه. أشار إلى زميله، الذي علّق ورقة رسمية على لوح خشبي مثبت قرب مدخل الساحة، يحمل، كما بدا من بعيد، قائمة الأسماء الغائبة والمهلة الممنوحة لكل منها.
غادر الجنود بعد ذلك بوقت قصير، والمجندون الذين حضروا يتجمعون خلف العربتين استعدادًا للرحيل، ووداعات أخيرة تُقال بسرعة أكبر مما تستحقها اللحظة، لأن العربة لا تنتظر طويلاً.
بقيت مارِن واقفة في مكانها لفترة، تراقب الساحة وهي تفرغ تدريجيًا، والناس يعودون إلى بيوتهم بمزيج من الحزن المعتاد وارتياح من لم يكن اسمه أو اسم أحد أقاربه ضمن القائمة هذه المرة.
اقتربت من اللوح الخشبي حيث عُلقت الورقة، وقرأت الأسماء ببطء حتى وجدت اسم أخيها، مكتوبًا بخط واضح.
قرأت المهلة: ثلاثة أيام.
لم تبكِ، ولم تصرخ. وقفت فقط، تنظر إلى الورقة، ثم استدارت وبدأت تمشي نحو البيت بخطى أسرع من المعتاد، دون أن تعرف بالضبط ماذا ستفعل حين تصل، سوى أنها تحتاج أن تتأكد أولاً أنه ليس هناك، في مكانه المعتاد، وأن كل هذا مجرد سوء فهم كبير يمكن حله بمجرد أن تجده وتسأله بنفسها.
لم يكن في البيت.
جلست على الكرسي في المطبخ، والباب مفتوحًا خلفها، تفكر في آخر مرة تحدثا فيها عن العمل والقوائم، وكيف أجابها بإيجاز حين سألته إن كان سيبقى في القرية خلال الأشهر القادمة. تذكّرت الآن، بوضوح مزعج، أن إجابته لم تكن كاملة، وأنها لم تلحّ حينها لأنها ظنت أن الأمر يخصها هي فقط، حلمها بالعاصمة وترددها في الحديث عنه بجدية أكبر.
خرجت مرة أخرى بعد قليل، واتجهت نحو الأرشيف، رغم معرفتها أنه مغلق اليوم، فقط لتتأكد. وجدت الباب موصدًا كما توقعت، وسألت رجلاً كان يمر قريبًا إن كان قد رأى أورِن في وقت سابق من اليوم.
هزّ الرجل رأسه بالنفي، ثم أضاف، بنبرة لم تقصد الأذى: "سمعت اسمه اليوم في الساحة، مع الغائبين. ألم يكن معك؟"
"كان من المفترض أن يكون،" أجابت، بصوت أهدأ مما شعرت به بداخلها.
على مقربة من هناك، كانت عائلة أخرى تعيش لحظة مشابهة، وإن لم تكن مارِن تعرف تفاصيلها. امرأة تقف أمام بيت صغير قرب طرف القرية، تسأل جارتها إن كانت رأت ابنها منذ الصباح، بصوت يحمل قلقًا أعمق مما يحمله سؤال عادي عن شاب تأخر في العودة.
"ربما ذهب إلى أخته في القرية المجاورة،" قالت الجارة، محاولة أن تخفف من قلق واضح في وجه المرأة. "لا تفترضي الأسوأ بهذه السرعة."
"لكنه كان يعرف أن اليوم هو يوم الاستلام. لماذا لم يخبرني إن كان ينوي فعل شيء كهذا؟"
لم تكن الجارة تملك إجابة، واكتفت بالبقاء بجانبها بصمت، بينما كانت المرأة تنظر إلى الطريق الفارغ أمام بيتها، بالطريقة نفسها التي كانت مارِن تنظر بها، في مكان آخر من القرية، إلى الباب المفتوح لبيتها هي.
في العلية، بقي أورِن حتى تأكد أن الأصوات في الساحة قد خفتت تمامًا، وأن العربتين غادرتا بالفعل. لم يخرج فورًا؛ جلس فترة إضافية، يستمع إلى صمت القرية العائدة تدريجيًا إلى إيقاعها المعتاد، وفكر في المهلة التي أعلنها الجندي، ثلاثة أيام، عدد يبدو صغيرًا حين يُقال بصوت عالٍ في ساحة مزدحمة، لكنه بدأ يتضخم في ذهنه الآن وهو جالس وحده، محاولاً أن يقرر ماذا يفعل بها بالضبط.
لم يكن يعرف بعد إن كان سيقدم نفسه في نهاية المهلة، أو يحاول تأجيل الأمر أكثر، أو يفعل شيئًا آخر لم يفكر فيه بعد. لكن سؤالًا واحدًا بدأ يطرح نفسه بإلحاح لم يكن موجودًا بهذا الوضوح قبل اليوم:
إذا بقي مختبئًا، فإن مارِن ستستمر في البحث عنه، تسأل الجيران، تراقب الطريق، تفكر في أسوأ الاحتمالات دون أن تعرف الحقيقة الأبسط، أنه هنا، قريب، مختبئ فقط، لا مفقودًا ولا مصابًا بأذى.
كان قد قرر إخفاء الأمر عنها لحمايتها من القلق قبل أن يحدث شيء فعلي. الآن، وقد حدث الشيء الفعلي، أدرك أن اختفاءه نفسه أصبح مصدر القلق الذي كان يحاول تجنيبها إياه منذ البداية، وأن كل يوم إضافي يقضيه بعيدًا عن البيت دون أن تعرف أين هو بالضبط، لن يحميها أكثر مما سيضعها في مشكلة لا تعرف حتى أنها موجودة.
نزل من العلية أخيرًا، حين تأكد أن الطريق خالٍ، ووقف للحظة عند الباب الخشبي المتهالك للمخزن، ينظر نحو اتجاه القرية، والبيوت التي بدأت مداخنها تُظهر خيوطًا رفيعة من الدخان مع اقتراب المساء.
لم يكن يعرف بعد ماذا سيقول لها حين يراها. لم يكن يعرف حتى إن كان سيعود إلى البيت الليلة أم سينتظر حتى يجد الكلمات المناسبة. كل ما عرفه، وهو يمشي أخيرًا بخطى بطيئة بعيدًا عن المخزن، أن الثلاثة أيام التي بدت له، منذ ساعة فقط، مهلة يستطيع أن يقررها بنفسه، أصبحت الآن شيئًا يشاركه معها أحد آخر، سواء أراد ذلك أم لا.