ما نسيه العالم الفصل 26 — ما نسيه العالم 26

اقرأ ما نسيه العالم الفصل 26 — ما نسيه العالم 26 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان الدخان لا يزال معلقًا فوق الخط الأمامي حين عاد أورِن إلى موقعه.

لم يسأله أحد أين كان. لم يكن هناك وقت لذلك. صرخ ضابط اسمه لا يتذكره أورِن بطلب صناديق ذخيرة إضافية عند الخط الثالث، وكان هذا كافيًا ليعرف أورِن ما عليه فعله. مدّ يده نحو الصندوق الأقرب، أغلق عينيه للحظة قصيرة كعادته، ركّز أورِن نظره على صندوق الذخيرة، وشعر بالثقل يعصر رأسه وهو يجره عبر التراب، يزحزحه بحذر حول الحفر والجثث حتى وصل إلى قدمي الجندي.

الجندي لم يشكره. لم يكن هناك وقت للشكر أيضًا.

عاد أورِن يبحث عن الصندوق التالي.

كان يؤدي كل حركة بدقة أكبر مما اعتاد عليها، وكأن جسده وجد في التكرار مكانًا يستريح فيه. لا تفكير زائد، لا تردد، لا سؤال عن الجدوى. صندوق، مسافة، نقطة وصول. ثم صندوق آخر.

سمع اسمًا يُنادى من بعيد – اسم جندي أصيب في الهجوم الأخير  ولم يعرف أورِن إن كان الاسم يعني أن الرجل حيّ أم أنهم يبحثون عن جثته. لم يستدر ليعرف. واصل عمله.

مرّ بجانب صخرة كبيرة كان الجنود يستخدمونها للاحتماء في الأيام الماضية، وتذكر للحظة أن أحدهم كان يتكئ عليها دائمًا، رافعًا كتفه اليمنى بطريقة معينة، يتحدث عن شيء لا علاقة له بالحرب. لم يكمل أورِن الفكرة. حمل صندوقًا آخر، ونقله، ثم توقف عند جندي يحاول رفع جسم رفيقه من تحت عارضة معدنية محترقة.

"أمسك من هنا،" قال أورِن، وساعده دون أن ينظر إلى وجه الجثة.

في مكان قريب كان دارِن يعمل أيضًا. رأى أورِن من زاوية عينه كيف يضع يده على قطعة معدن متصدعة، وكيف يتغير سطحها ببطء، يصلب ويستقيم، حتى تعود قابلة للاستخدام كدعامة مؤقتة لخيمة كادت أن تنهار. كان دارِن يعمل بصمت مطبق، لا يرفع رأسه إلا حين يحتاج الأمر، ولا يتحدث مع أحد أكثر من الكلمات الضرورية: "هنا"، "انتظر"، "جاهز".

مرّ جندي بجانبهما يمضغ شيئًا من حصته ويمزح مع رفيقه عن طعم الخبز العسكري، وضحك الرفيق ضحكة قصيرة. لمعة عابرة في وجه أورِن، اختفت بالسرعة نفسها التي جاءت بها. لم يبتسم. لم يتجهم. فقط واصل السير نحو الصندوق التالي.

استمر القتال ساعات أخرى، لكنه بدا مختلفًا عما كان عليه في الأيام السابقة. لم تعد هناك تلك الاندفاعات الحادة، تلك اللحظات التي يشعر فيها الجميع أن الأرض ستنقلب تحت أقدامهم. كان شيئًا أشبه بموجة تتراجع رويدًا رويدًا، تاركة خلفها كل ما جرفته.

ثم، في وقت ما بعد الظهر، بدأت صيحات مختلفة تنتشر بين الصفوف.

"إنهم ينسحبون!"

تردد الخبر من فم إلى فم، ببطء أولًا، ثم بثقة أكبر. لم يكن هناك هتاف كبير، لا صراخ نصر، فقط أنفاس طويلة يطلقها رجال أنهكهم الوقوف. توقف إطلاق النار تدريجيًا، كأن الحرب نفسها كانت متعبة، وتحتاج إلى استراحة قبل أن تقرر التوقف نهائيًا.

نظر أورِن حوله. لم يكن هناك مشهد ينتمي إلى النصر كما تخيله يومًا، حين كان طفلاً يسمع قصص الجنود العائدين من الحروب القديمة. لا رايات مرفوعة، لا صيحات فرح. كانت هناك جثث مغطاة بأقمشة رمادية، وجنود يمشون بين الحفر يبحثون عن أسماء يعرفونها، وضابط يقف عند حافة الخط يراجع قائمة، يشطب اسمًا، ثم يتوقف طويلًا قبل أن يشطب الاسم التالي.

جمع بعض الجنود الأسلحة المكسورة في أكوام، وجمع آخرون الذخيرة المتناثرة كأنها بقايا موسم حصاد فاشل. ارتفع دخان خفيف من مكان بعيد، ولم يعرف أحد إن كان لا يزال هناك نار تشتعل أم أن الأرض نفسها كانت تتنفس بقايا المعركة.

جلس جندي على صخرة، يديه ترتجفان وهو يحاول لف سيجارة، بينما راقبه رفيقه بصمت دون أن يقترب. سمع أورِن اسمًا يُنادى مرارًا من بعيد، اسم لم يجب عليه أحد.

لم يجلس أورِن. ظل واقفًا وسط كل ذلك، ينقل ما يحتاج إلى نقل، يساعد من يحتاج إلى مساعدة، حتى بدأ الظلام يتسلل إلى الأفق، وبدأ الضباط يعلنون أن الخط أصبح تحت السيطرة.

لم يشعر أحد بأنه انتصر. شعروا فقط بأنهم ما زالوا واقفين.

في اليوم التالي، أُعلن أن الجنود سيحصلون على أسبوع من الراحة قبل استئناف التدريب.

كان المخيم في الصباح مكانًا مختلفًا عما عرفه أورِن منذ أسابيع. لم يعد هناك ذلك الضجيج المعتاد الذي يملأ الخيام قبل شروق الشمس، أصوات التذمر من البرد، ضحكات متبادلة، أسئلة لا تنتهي عن الطعام أو موعد الحراسة القادم. كان هناك بدلًا من ذلك صمت ثقيل، يتخلله فقط صوت خطوات بطيئة وحفيف أقمشة الخيام.

مرّ أورِن بجانب سرير فارغ لم يُطوَ بعد. لم يسأل عن صاحبه. لم يكن بحاجة إلى أن يسأل.

رأى جنديًا يجلس عند مدخل خيمته يحمل رسالة مطوية بين يديه، ينظر إليها دون أن يفتحها، وكأن الكلمات بداخلها قد تنهار إن لامسها. رأى آخر يأكل حصته ببطء شديد، عيناه ثابتتان على نقطة في الفراغ لا شيء فيها. سمع من خيمة قريبة صوت بكاء مكتوم، توقف فجأة حين أدرك صاحبه أن أحدًا قد يسمعه.

حاول أحد الجنود أن يمزح مع رفيقه، أن يستعيد نبرة كانت مألوفة قبل أيام قليلة، لكن الجملة توقفت في منتصفها، وابتلع الرجل بقيتها، واكتفى بهزّة كتف صامتة.

لم يكن هناك من يحتاج أن يشرح ما يجري. كان الجميع يعرفونه بالفعل.

جلس أورِن على حافة سريره، ينظر إلى المكان الفارغ الذي كان يجلس فيه سيلِن كل مساء، يتحدث عن أشياء صغيرة لا تستحق أن تُروى، لكنها كانت تملأ الوقت بطريقة ما. لم يشعر أورِن برغبة في البكاء الآن. شعر فقط بثقل هادئ، كأن شيئًا ما استقر في صدره ورفض أن يتحرك.

لم يتحدث مع دارِن كثيرًا في تلك الأيام.

لم يكن الأمر متعمدًا، ولا كان نوعًا من العقاب أو الغضب. كان أورِن يعرف، دون أن يحتاج أحد إلى إخباره، أن دارِن ليس في حال يسمح له بالكلام. رآه في اليوم الأول من الراحة يجلس بمفرده قرب النار، عيناه محمرتان، يداه تتحركان ببطء وهو يعبث بقطعة معدن صغيرة دون هدف واضح، يشكلها ثم يعيدها إلى شكلها الأول ثم يشكلها من جديد.

اقترب أورِن، وجلس على مسافة قريبة، لا لصيقة. لم يقل شيئًا. لم يسأل "هل أنت بخير؟" لأنه يعرف الجواب، ويعرف أن السؤال نفسه لن يفيد بشيء. لم يقل "يجب أن تكون قويًا"، لأن هذا النوع من الكلام لم يخطر بباله يومًا كطريقة صحيحة للتعامل مع الحزن. جلس فقط، ونظر إلى النار معه.

مرّت دقائق طويلة. ثم قال دارِن، دون أن يرفع عينيه عن قطعة المعدن:

"كان سيسألني إن كنت سأصنع له سكينًا لتقطيع البصل."

لم يجب أورِن. لم يكن هناك ما يُقال. فقط أومأ برأسه إيماءة صغيرة، ووضع يده على كتف دارِن للحظة، ثم رفعها.

في الأيام التالية، تكرر الأمر نفسه بأشكال مختلفة. كان أورِن يمر بجانب دارِن وهو يتناول طعامه، فيجلس قربه دون أن يبدأ حديثًا. كان يراه مستيقظًا في الليل، يحدق في سقف الخيمة، فلا يسأله لماذا لا ينام. كان يراه يعمل على قطعة معدن أو خشب، يحوّلها بلا غاية واضحة، وكأن يديه تحتاجان إلى الحركة أكثر مما يحتاج عقله إلى التفكير.

تبادلا كلمات قليلة جدًا خلال تلك الفترة. أحيانًا جملة واحدة في اليوم. أحيانًا لا شيء سوى نظرة عابرة حين يمر أحدهما بجانب الآخر.

لكن لم يكن هذا الصمت باردًا. كان، على نحو غريب، أقرب ما يكون إلى الكلام. كان كل منهما يعرف أن الآخر موجود، وأن هذا الوجود لا يحتاج إلى تبرير أو شرح. لم يكن أورِن يحاول إصلاح شيء لا يمكن إصلاحه. كان فقط يبقى قريبًا، تاركًا لدارِن المساحة التي يحتاجها ليحمل ما يحمله بطريقته الخاصة.

في اليوم الرابع، بدأ دارِن يتحرك أكثر. لم يكن الأمر تعافيًا، ولم يشعر أورِن أنه كذلك. رآه ينهض من مكانه ويساعد في ترتيب بعض المعدات، يتحدث كلمات قليلة مع جندي آخر، يبتسم ابتسامة نصف مكتملة توقفت في منتصف الطريق. لم يكن ذلك عودة إلى ما كان عليه. كان فقط جسدًا يتحرك لأن الحياة العسكرية لا تترك مجالًا طويلاً للتوقف، حتى للحزن.

في أحد المساءات، جلس أورِن بعيدًا عن الخيام، يحمل ورقة صغيرة وقلمًا رصاصًا استعاره من جندي آخر.

فكر طويلاً قبل أن يبدأ الكتابة. لم يكن يعرف بالضبط ما يريد أن يقوله لأخته مارِن، لكنه عرف بوضوح ما لا يريد أن يقوله.

لن يخبرها عن سيلِن.

لم يكن القرار صعبًا بقدر ما كان واضحًا. مارِن تعرف سيلِن معرفة سطحية، اسم ذُكر في رسالة سابقة أو اثنتين، لا أكثر. لم يكن هناك سبب ليجعلها تحمل حزنًا لا تستطيع أن تفهم أبعاده الحقيقية، ولا ليزيد من قلقها عليه هو نفسه، وهي أصلًا تنتظر كل رسالة بخوف لا تفصح عنه.

بدأ يكتب:

"عزيزتي مارِن،

أنا بخير. انتهت المعركة التي كنت أخبرتك عنها في رسالتي السابقة، وأصبح الوضع هنا أكثر هدوءًا الآن. أعطونا أسبوع راحة."

توقف للحظة، القلم معلق فوق الورقة. فكر في سيلِن، في صوته وهو يتحدث عن البصل، وفي اللحظة التي قال فيها إنه لا يريد أن يموت هناك. أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما، وأكمل الكتابة.

"كيف حال البيت؟ هل ما زلتِ تعملين على القماش الذي كنتِ تتحدثين عنه؟ أتمنى أن يكون الشتاء عندكم أخف من هنا. أذكر أن السيدة التي كانت تبيع الخيوط قرب السوق كانت تتذمر دائمًا من البرد المبكر، هل ما زالت هناك؟"

كتب بعض الأسئلة الصغيرة الأخرى، عن حالة المنزل، عن جيرانهم القدامى، عن أشياء لا تحمل وزنًا كبيرًا لكنها تعني الكثير حين تأتي من مكان بعيد كهذا. لم يذكر اسم سيلِن ولا مرة واحدة. لم يذكر المعركة بتفاصيلها. كتب رسالة هادئة، بسيطة، لا تحمل شعرًا ولا مبالغة، لأن هذا لم يكن أسلوبه أبدًا.

في النهاية كتب:

"لا تقلقي عليّ كثيرًا. أنا حريص كما تعرفينني دائمًا. سأكتب لكِ مجددًا حين يتسنى لي ذلك.

أخوك، أورِن."

طوى الورقة بعناية، ونظر إليها لحظة قبل أن يضعها في مكانها. لم يشعر بالراحة الكاملة التي كان يأمل أن يشعر بها بعد الانتهاء من الكتابة. لكنه شعر أن هذا هو الشيء الصحيح الذي يمكنه فعله الآن.

في تلك الليالي، بدأ شيء ما يتشكل ببطء في داخل أورِن، لم يكن فكرة واضحة بقدر ما كان إحساسًا يتسلل إليه في اللحظات الهادئة.

طوال حياته، حاول أن يكون شخصًا عمليًا. أن يزن الخيارات، أن يختار الطريق الأقل خطرًا، أن يتصرف بحذر يحميه ويحمي من حوله. كان يعتقد، دون أن يصوغ الفكرة بوضوح، أن القرارات الصحيحة تقود في النهاية إلى نتائج جيدة، وأن الحرص هو نوع من الضمان.

لكنه أدرك لاحقاً أن سيلِن قفز ليدفع دارِن بعيداً عن السكين، فقط رد فعل نابع من شيء أعمق من التفكير. لم يكن قرارًا خاطئًا. لم يكن سيلِن أحمق، ولا كان القرار نفسه سيئًا بأي معيار يمكن الحكم به. لكن النتيجة كانت أن سيلِن مات، وأن دارِن نجا، وأن لا شيء في هذا كان عادلًا أو منطقيًا بالطريقة التي اعتاد أورِن أن يفكر بها.

جلس ذات مساء عند طرف المخيم، يراقب النار تتراقص أمامه، ويفكر في ذلك.

ربما لم تكن هناك قرارات تضمن نتيجة جيدة بالفعل. ربما كان كل ما يملكه الإنسان هو أن يختار فعله، ثم يحمل ما يترتب عليه، جيدًا كان أم سيئًا. لم تكن الفكرة كاملة بعد في ذهنه، ولم يحاول أن يكملها بالقوة. تركها فقط تستقر هناك، بجانب صورة سيلِن وهو يتحدث عن البصل، بجانب صمت دارِن، بجانب كل ما رآه في الأيام الأخيرة.

لم يشعر أن هذا الفهم يمنحه راحة. لكنه شعر أنه صادق، وهذا كان كافيًا في تلك اللحظة.

في اليوم الخامس من الراحة، جُمع الجنود صباحًا لسماع إعلان من القيادة.

وقف الضابط أمامهم، ووجهه لا يحمل تعابير كثيرة.

"وفقًا للأوامر الجديدة، ستتحول بقية أيام الراحة إلى تدريب مكثف. الوضع على الجبهة غير مستقر، ولا نعرف متى قد يحاول العدو استعادة موقعه. يجب أن نكون جاهزين."

لم يكن هناك تذمر كبير. لم يكن هناك دهشة أيضًا. بدا الأمر وكأنه استمرار طبيعي لما كانوا يعيشونه أصلًا، حرب لا تمنح مهلة كافية حتى للحزن.

بدأ الجنود بالتحرك، يجمعون معداتهم، يستعدون للعودة إلى ساحة التدريب. نظر أورِن حوله، رأى الوجوه المتعبة، الأسرّة التي لم تُطوَ بعد، الأماكن الفارغة التي لم يملأها أحد.

نظر إلى دارِن، الذي كان يقف على مسافة قريبة، يتفحص قطعة من معداته بصمت. لم يقل أورِن شيئًا. لم يحتج إلى ذلك.

نظر إليه دارِن للحظة، أومأ برأسه إيماءة صغيرة، ثم عاد إلى ما كان يفعله.

لم يكن هناك حاجة للكلام بينهما. كل ما كان يمكن أن يُقال، قيل بالفعل بطرق أخرى، في الأيام الماضية، في الصمت، في الجلوس القريب دون سؤال.

حمل أورِن حقيبته على كتفه، ونظر مرة أخيرة إلى المخيم من خلفه، إلى المكان الذي كان يجلس فيه سيلِن، الفارغ الآن كما سيبقى.

ثم مشى نحو ساحة التدريب، ودارِن يمشي بجانبه بخطى صامتة.