لم يكمل سيلِن جملته عن البصل.
توقف الصوت الرابع أقرب من الثلاثة التي سبقته، وارتجت الأرض تحته بشكل محسوس هذه المرة، فقفز على قدميه بينما كان دارِن قد نهض بالفعل، وأورِن ما زال يحاول فهم الاتجاه الذي جاء منه الصوت حين مرّ بجانبهم ضابط يركض، يصرخ باسم وحدة لا يعرفونها، ثم اسمًا آخر، ثم أمرًا غير مكتمل ابتلعه الضجيج المتصاعد من حولهم.
اشتعلت النار في نقطة إضاءة قريبة من مخزن السلاح، وامتلأ الهواء برائحة دخان حادة، بينما بدأ جنود يخرجون من كل اتجاه، بعضهم نصف مرتدٍ لعتاده، يركضون نحو نقاط تجمع لا يعرف أورِن مواقعها بالضبط.
«تحركوا!» صاح صوت من الخلف، ضابط آخر هذه المرة، يشير إليهم مباشرة. «أنتم الثلاثة، معي!»
لم يكن هناك وقت للسؤال عن الوجهة. ركضوا خلفه عبر الممر بين الخيام، متجاوزين عربات تُحمّل بسرعة، وصناديق ذخيرة تُفتح على عجل، حتى وصلوا إلى خط دفاعي منخفض عند طرف المعسكر، حيث كان جنود آخرون يتمركزون خلف أكياس رمل وحواجز خشبية مؤقتة.
«ستنقلون الذخيرة من هنا إلى هناك،» قال الضابط، مشيرًا إلى صناديق مكدسة على بعد أمتار قليلة، ثم إلى الخط الأمامي حيث بدأت أصوات إطلاق النار الأولى تتصاعد من الظلام المقابل. «حافظوا على انخفاض رؤوسكم.»
بدأت الموجة الأولى بصوت متقطع من الطلقات البعيدة، أقرب إلى تحذير منه إلى هجوم حقيقي. راقب أورِن الجنود أمامه وهم يستقرون خلف الحواجز، بنادقهم مسندة، عيونهم على الظلام الممتد أمامهم حيث لم يكن يُرى شيء واضح بعد سوى ومضات ضوء متفرقة.
حمل صندوق ذخيرة أول، أثقل مما توقع، وسار به منحنيًا نحو جندي طلب الإمداد بصوت حاد، وضعه بجانبه، ثم عاد أدراجه دون أن ينتظر شكرًا. كرر الأمر مرتين أخريين، بينما كان دارِن يساعد في تثبيت جزء من الحاجز الخشبي الذي بدأ يميل بفعل الاصطدامات المتكررة، يضع يده على المفصل المعدني الذي يربط لوحين، محاولًا تقويته من الداخل حتى يستقر الحاجز مرة أخرى في مكانه.
«لن يصمد طويلًا إن استمر القصف،» قال دارِن، أكثر لنفسه من أن يكون موجهًا لأحد.
لم يرد أحد. لم يكن هناك وقت.
اقترب سيلِن من جندي شاب يجلس على الأرض، يداه ترتجفان وهو يحاول إعادة تعبئة سلاحه، أصابعه تفلت الذخيرة أكثر مما تمسكها.
«ببطء،» قال سيلِن، جالسًا بجانبه للحظة، يأخذ منه الذخيرة ويساعده في تثبيتها في مكانها الصحيح. «هكذا. تنفس أولًا.».
لم يعرف اسم الجندي، ولم يسأل عنه، لكنه بقي بجانبه حتى استقرت يداه، ثم انتقل إلى الحاجز التالي.
اقترب العدو أكثر مع مرور الوقت، وبدأت الطلقات تتحول من تحذيرات متفرقة إلى تبادل حقيقي، أصوات متتالية تمزق الهواء من الجانبين، ودخان بدأ يتصاعد من نقاط متعددة، يحجب الرؤية بالتدريج حتى صار من الصعب تمييز الأشكال البعيدة عن بعضها.
سقط جندي على مقربة من أورِن، لم يعرف اسمه، صرخ اسم آخر مذعورًا، وانحنى جنديان لسحب المصاب إلى الخلف بينما استمر الآخرون في إطلاق النار دون توقف.
اضطر أورِن إلى نقل صندوق أثقل من سابقيه، محاولًا استخدام مساره لنقل جزء منه دون لمسه بينما يحمل الجزء الآخر بيديه، فشعر بذلك التوزع المألوف في التركيز، الصندوق يهتز في منتصف الطريق، يكاد ينفلت من قبضته الذهنية، حتى استقر أخيرًا بعد جهد أكبر مما بذله في التدريب.
توقف للحظة، يلهث، قبل أن يعود للخلف لإحضار المزيد.
جاءت الموجة الثالثة دون إنذار حقيقي.
اخترق العدو نقطة على الجانب الأيمن من الخط الدفاعي، واضطربت الصفوف فجأة، أصوات أوامر متضاربة تتقاطع فوق بعضها، وبدأت مجموعة من الجنود بالتراجع نحو نقطة أكثر تحصينًا بينما أخرى تتقدم لسد الفجوة.
«معي!» صاح الضابط الذي أشرف عليهم سابقًا، يشير إلى أورِن ودارِن وسيلِن بيده وهو يركض نحو الفجوة الجديدة. «هناك حاجز يحتاج إلى تثبيت، الآن!»
ركضوا خلفه عبر أرض مليئة بالدخان والحطام المتناثر، متجاوزين جسدًا ملقى على الأرض لم يتوقف أحد عنده، حتى وصلوا إلى موقع متضرر حيث كان جزء من الحاجز قد انهار بالكامل، تاركًا فجوة يمكن أن يعبرها العدو دون عائق حقيقي.
اندفع سيلِن نحو الأخشاب المتناثرة، يحاول رفع لوح كبير مع جندي آخر، بينما ثبّت جزءًا آخر من الحاجز باستخدام مساره، رابطًا حركة عمود متمايل بحركة قاعدته المثبتة في الأرض، فاستقر بشكل مؤقت، كافٍ ليعيد الجنود ترتيب صفوفهم في تلك الفجوة.
عمل دارِن على تقوية معدن حافة الحاجز المتبقي، محاولًا جعله أكثر صلابة تحت الضغط المتكرر، بينما استمر أورِن في نقل ما يستطيعه من ذخيرة وأدوات بين المواقع، جسده يتحرك الآن بإيقاع لا يتوقف كثيرًا للتفكير، فقط للتنفيذ.
في لحظة قصيرة، رأى أورِن جنديًا كان قد تحدث معه صباح ذلك اليوم، مازحه بشأن طعم الحساء، يسقط على بعد أمتار قليلة منه، صامتًا، دون صرخة واضحة.
تجمّد أورِن للحظة، عيناه على الجسد الساقط، حتى صرخ عليه صوت غير معروف: «تحرك! الذخيرة!»
تحرك.
لم يكن هناك وقت لأكثر من ذلك.
مع تقدم الليل، بدأت الأمور تستقر قليلًا في هذا الجزء من الخط، دون أن يعني ذلك انتهاء القتال، بل تحوله إلى إيقاع أبطأ من التبادل المتقطع، بينما استمرت أصوات معارك أخرى تتردد من مواقع أبعد.
تجمعت مجموعة صغيرة من الجنود، بينهم أورِن ودارِن وسيلِن، خلف حاجز متضرر لكنه صامد، يعيدون تنظيم أنفسهم بسرعة، يتفقدون ذخيرتهم المتبقية، ويلتقطون أنفاسًا قصيرة بين الطلقات المتباعدة.
جلس دارِن على ركبة واحدة، يفحص بندقيته بعد أن شعر بمقاومة غريبة في آليتها عند آخر محاولة إطلاق. حاول مرة أخرى، فلم تستجب كما ينبغي، صوت طقطقة جافة بدل الانفجار المتوقع.
«تعطلت،» قال بهدوء، وهو يفكها جزئيًا، عيناه على الآلية الداخلية المغطاة بطبقة رقيقة من الغبار المتراكم طوال المعركة.
«الغبار؟» سأل أورِن، وهو يقترب قليلًا.
«ربما. أو شيء داخلها.» واصل دارِن العمل بيديه بحركات هادئة رغم الفوضى المحيطة، محاولًا إزاحة الجزء المسدود دون أن يفقد أي مكون صغير في الظلام. مع استنزاف طاقته اليوم .
بقي منشغلًا بذلك لثوانٍ طويلة، منحنيًا فوق سلاحه، ظهره نصف مواجه للاتجاه الذي جاء منه الاختراق الأخير، بينما استمر سيلِن قريبًا منه يساعد جنديًا آخر على تثبيت ضمادة سريعة حول ذراعه وانتهى منها، وأورِن يراقب الظلام أمامهم، محاولًا تمييز أي حركة وسط الدخان المتصاعد.
جاءت الحركة من زاوية لم يتوقعها أحد.
سمع أورِن صوتًا خفيفًا، احتكاكًا غير واضح وسط الضجيج العام، ثم رأى ظلًا يتحرك بسرعة من جانب الحاجز المتضرر، حيث كانت الفجوة التي أُصلحت جزئيًا لا تزال أقل تحصينًا من بقية الخط.
بدأ يصرخ باسم دارِن.
في اللحظة نفسها، رفع دارِن رأسه وبدأ بالالتفات، وسلاحه المعطل ما زال بين يديه. اندفع الظل نحوه، رجلًا يحمل سكينًا في يده، وذراعه مرفوعة بالفعل.
تحرك أكثر من شخص في اللحظة نفسها.
خطوة، ثم أخرى، أجساد اصطدمت ببعضها قرب الحاجز، وصوت حذاء انزلق فوق التراب. لم يستطع أورِن أن يرى بوضوح وسط الدخان والضوء المتقطع. لمح كتفًا يندفع، وذراعًا ترتفع، ثم جسدًا يميل بعنف.
حاول أن يصل إليهم.
ثم سمع الصوت.
صوتًا مكتومًا وقصيرًا، اختراقًا لا يمكن الخلط بينه وبين أي شيء آخر سمعه تلك الليلة.
توقف كل شيء حوله لجزء من ثانية، وسط استمرار الضجيج البعيد، صراخ متقطع، طلقات متفرقة، واهتزاز الأرض من انفجار في مكان آخر. لكن تلك اللحظة الصغيرة أمامه بدت معزولة تمامًا عن بقية المعركة.
لم يستطع أن يميز من كان واقفًا ومن كان يسقط.