لم تكن القاعدة العسكرية تشبه المدن التي اعتاد الناس رؤيتها. هنا لم تكن هناك شاشات إعلانية عملاقة، ولا أبراج زجاجية تلامس السماء، ولا ضجيج لا ينتهي. كان كل شيء بسيطاً وخشناً ومبنياً لغرض واحد فقط؛ أن يبقى الجميع مستعدين للحرب.
امتدت ساحات التدريب على مسافات واسعة، بينما دوّى صوت الطلقات الحية بين الحين والآخر في أنحاء القاعدة. انتشر مئات الجنود في مختلف الأماكن، بعضهم يتدرب، وبعضهم ينقل المعدات، وآخرون يركضون تحت أشعة الشمس الحارقة وكأن التعب لم يعد شيئاً يستحق الشكوى.
ومع ذلك، كان هناك توتر غريب يسري بينهم بصمت.
لم يكن بسبب تدريب جديد.
ولم يكن بسبب هجوم محتمل.
بل لأن حميد كان موجوداً.
كان اسمه وحده كافياً لجعل الكثيرين يعدّلون وقفتهم، ويعيدون التفكير في كلماتهم قبل أن ينطقوا بها.
على أطراف ساحة التدريب وقف جندي شاب لا يتجاوز العشرين من عمره، يحدق في الأرض بصمت بينما كان العرق يتجمع على جبينه. أمامه وقف ضابط برتبة عالية يحاول إخفاء توتره، لكن عينيه كانتا تكشفان القلق الذي بداخله.
قال الضابط بصوت منخفض:
لقد أضاع السلاح أثناء النقل.
ارتجفت شفتا الجندي قليلاً، فهو يعرف تماماً ماذا يعني هذا الخطأ. في الظروف الطبيعية ربما كانت العقوبة بسيطة، لكن سوء حظه جعله يرتكبها في اليوم الذي كان فيه حميد داخل القاعدة.
ساد الصمت لعدة لحظات، ثم تحرك رجل بين الجنود بخطوات هادئة. كان متوسط الطول وعريض المنكبين، وشعره الأسود القصير بدا وكأنه قُصّ بعناية قاسية، بينما امتدت ندبة طويلة من أسفل أنفه حتى ذقنه، تاركة أثراً لا يمكن تجاهله.
لم تكن ملامحه غاضبة، وهذا بالذات جعل المشهد أكثر توتراً.
اقترب من الجندي حتى أصبح أمامه مباشرة، ثم انحنى قليلاً والتقط بطاقة التعريف العسكرية المعلقة على صدره. قرأ الاسم بهدوء، وبعدها أعادها إلى مكانها.
رفع الجندي رأسه بصعوبة.
كان ينتظر الصراخ أو العقاب القاسي أو أي رد فعل آخر، لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.
سأله حميد بهدوء:
كم سنة خدمت؟
تردد الجندي للحظة قبل أن يجيب:
سنتان يا سيدي.
أومأ حميد برأسه قليلاً وقال:
وخلال سنتين لم تتعلم أن السلاح أهم من حياتك؟
انخفض رأس الجندي من جديد.
لم يصرخ حميد ولم يظهر غضبه، بل بقي هادئاً بطريقة جعلت الجميع أكثر توتراً.
استدار نحو الضابط وسأله:
كم ساعة احتاجوا للعثور عليه؟
أجاب الضابط فوراً:
أربع ساعات.
أعاد حميد نظره إلى الجندي وقال:
أربع ساعات. أربع ساعات كان يمكن أن يموت فيها رجال بسبب خطأ واحد.
عاد الصمت إلى المكان، ولم يعرف أحد ما الذي سيفعله بعد ذلك. حتى الجندي نفسه أغلق عينيه للحظة وكأنه يستعد لأسوأ احتمال.
لكن حميد قال:
حرمان من الإجازات لشهرين، وتكليف إضافي في المخازن العسكرية. ارفعه من التدريب القتالي حتى يتعلم قيمة ما يحمله.
اتسعت عينا الجندي، وحتى الضابط نفسه بدا متفاجئاً.
انتهى الأمر بهذه البساطة.
استدار حميد وغادر المكان دون أن يضيف كلمة أخرى. وبعد ابتعاده بعدة أمتار فقط، أطلق بعض الجنود الأنفاس التي كانوا يحبسونها.
همس أحدهم:
ظننت أنه سيقتله.
رد الآخر بسرعة:
لو كان غاضباً لفعل ذلك، أما اليوم فهو هادئ… وهذا أفضل لنا جميعاً.
تابع حميد سيره عبر القاعدة دون أن يلتفت خلفه. كان يسمع تلك الهمسات منذ سنوات، ويعرف جيداً ماذا يقول الناس عنه، لكنه لم يهتم يوماً.
فهو لم يُخلق ليكون محبوباً.
بل ليؤدي ما يجب عليه فعله.
عند نهاية الساحة ظهر رجل طويل القامة يقترب منه بخطوات ثابتة. وبمجرد أن رآه حميد، اختفى جزء بسيط من القسوة التي كانت تملأ ملامحه.
توقف الرجل أمامه وقال:
أخفتهم مجدداً.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه حميد، ابتسامة نادرة لم تستمر طويلاً.
وقال:
هذا أفضل من أن يتراخوا.
وقف الاثنان للحظات ينظران إلى الجنود المنتشرين في الساحة، ثم قال الرجل الطويل:
ما زلت تفكر في المشروع؟
اختفت الابتسامة، وعادت ملامح حميد إلى هدوئها المعتاد.
قال:
كيف لا أفكر فيه؟
أجابه الرجل:
لأن القرار اتُّخذ.
نظر حميد إلى الأفق البعيد خلف أسوار القاعدة، وبقي صامتاً لبعض الوقت قبل أن يقول:
أكثر ما يخيفني ليس المشروع.
التفت إليه الرجل، فأكمل حميد:
بل الشخص الذي صنعه.
مرت رياح خفيفة عبر الساحة، وتحركت أعلام القاعدة العسكرية فوق الأبراج العالية، بينما كان العد التنازلي مستمراً في مكان بعيد عن الجميع.
ثمانية وعشرون يوماً.