انفتح الباب الفولاذي ببطء.
دخل عيسى إلى القاعة بخطوات هادئة لا تحمل استعجالاً ولا تردداً. كان يرتدي معطفه الأبيض المعتاد، وبين ذراعيه ملف أسود نحيل لا يبدو مهماً للوهلة الأولى، لكنه أمضى سنوات من عمره في بنائه.
اتجه نحو مقدمة القاعة حيث انتصب لوح إلكتروني ضخم يملأ الجدار بأكمله.
توقفت العيون عليه.
بعضها تنظر إليه باحترام.
وبعضها تنظر إليه بريبة.
أما هو، فلم يبدُ مهتماً بأيٍ منها.
وضع الملف على الطاولة، ثم نظر إلى الحاضرين.
ساد الصمت.
أعتقد أن معظمكم يعرف سبب وجوده هنا.
ظهرت على اللوح خلفه صورة لكوكب الأرض.
لم تكن صورة حديثة.
بل صورة مليئة بالعلامات الحمراء والنقاط المضيئة والخطوط المتشابكة.
قال:
بعد شهر واحد من اليوم، سيكون المشروع جاهزاً للتشغيل.
لم يتغير صوته.
لكن كلمات قليلة كهذه كانت كافية لتغيير ملامح أكثر من وجه داخل القاعة.
تابع:
خلال السنوات الماضية بُني المشروع على فرضية واحدة فقط.
وتوقف للحظة.
أن البشرية لا تحتاج إلى فرصة ثانية.
ساد الصمت.
ثم أكمل:
بل تحتاج إلى بداية جديدة.
تحرك الرجل ذو الندبة الطويلة الممتدة من أسفل أنفه حتى ذقنه في مقعده بضيق واضح.
كان يجلس وكتفاه متقدمان إلى الأمام قليلاً، كأن جسده بأكمله مستعد للدخول في شجار في أي لحظة.
منذ بداية الاجتماع وهو يراقب عيسى بعينين لا تعرفان الثقة.
أما عيسى فواصل حديثه دون أن يلتفت إليه.
كل قارة ستنتقل مع سكانها.
ستُمنح البشرية فرصة لإعادة بناء ما فقدته.
فرصة لإصلاح الأخطاء التي تراكمت جيلاً بعد جيل.
اختفت صورة الأرض.
وحلّت مكانها خرائط متعددة للقارات.
خطوط زرقاء وحمراء تتوزع فوقها كأنها مسارات لشيء لم يولد بعد.
رفع بعض الجنرالات أنظارهم نحو اللوح.
بينما بقي الرجل الجالس في نهاية الطاولة صامتاً.
الدخان يتصاعد ببطء من سيجاره.
وعيناه تراقبان عيسى دون أن تكشفا ما يدور خلفهما.
قال عيسى:
إذا نجح المشروع فلن نكون بحاجة إلى إعادة هذا العالم.
سنبدأ من جديد.
من نقطة أبسط.
من نقطة لم تصل إليها الفوضى بعد.
خرجت ضحكة قصيرة من صاحب الندبة.
لم تكن ضحكة استهزاء كاملة.
بل ضحكة رجل استمع إلى وعود كثيرة خلال حياته حتى فقد رغبته في تصديقها.
ثم قال:
تتحدث وكأنك رأيت ذلك بعينيك.
التفتت بعض الأنظار نحوه.
لكنه لم يهتم.
وأكمل:
كل مرة أسمعك تتحدث عن المشروع أشعر أنك تعرف أكثر مما تخبرنا.
استقرت القاعة في صمت ثقيل.
لم يكن أحد يحب هذا النوع من الأسئلة.
لأنها تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
لكن عيسى لم يتراجع.
قال بهدوء:
لو كنت أعرف كل شيء لما احتجنا إلى هذا الأجتماع.
رد الرجل فوراً:
هذا ليس جواباً.
وتقدم بجسده قليلاً.
أنت تطلب منا أن نضع مصير البشرية كلها في يد مشروع لم يُختبر قط.
ثم تريد منا أن نطمئن؟
لم يجب عيسى مباشرة.
بل نظر إلى الطاولة الطويلة.
إلى الرجال والنساء الذين قضوا أعمارهم في الحروب والقرارات المستحيلة.
ثم قال:
لا.
ساد الصمت.
حتى صاحب الندبة لم يتوقع هذا الرد.
أكمل عيسى:
لا أريد منكم أن تطمئنوا.
الاطمئنان هو أول خطوة نحو الغفلة.
وكل حضارة ظنت أنها بلغت القمة بدأت بالسقوط لحظة اعتقدت أن الخطر انتهى.
ثبتت عيناه على الحاضرين.
الخوف ليس عدواً دائماً.
أحياناً يكون آخر ما يُبقي الإنسان يقظاً.
عند منتصف الطاولة جلس رجل لم ينطق بكلمة واحدة منذ بداية الاجتماع.
كان أطول من معظم الحاضرين بقليل.
عريض الكتفين.
مستقيماً في جلسته على نحو يوحي بأنه قضى نصف عمره في ساحات القتال.
شبك أصابعه أمام فمه منذ بداية الاجتماع، ولم تغادر عيناه عيسى ولو مرة واحدة.
وعندما تكلم أخيراً، لم يرفع صوته.
لكنه قطع الحديث كله.
وإذا فشل المشروع؟
اختفت الأصوات تماماً من القاعة.
حتى الرجل صاحب الندبة التزم الصمت هذه المرة.
كان هذا هو السؤال الذي يدور في أذهان الجميع.
نظر عيسى إليه.
ولم يستطع أحد قراءة ما مر بين النظرتين.
ثوانٍ قصيرة مرت بصمت.
ثم قال:
إذا فشل المشروع…
وتوقف.
فلن يكون هناك عالم ليتحدث عن الفشل.
ساد السكون في القاعة.
سكون ثقيل جعل حتى صوت أجهزة التهوية يبدو مرتفعاً.
عندها فقط تحرك الرجل الجالس في نهاية الطاولة.
أطفأ سيجاره ببطء.
ثم رفع عينيه نحو عيسى.
لم يظهر على وجهه تأييد.
ولا اعتراض.
فقط هدوء رجل اعتاد اتخاذ قرارات لا يملك رفاهية التراجع عنها.
استند إلى كرسيه قليلاً.
ثم قال:
تحدث.
ساد الصمت من جديد.
وأكمل:
ما زلت لم تخبرنا…
لماذا تؤمن بهذا المشروع إلى هذا الحد؟