مرّ اليومان التاليان بثقلٍ غريب لم يعتده العاملون داخل المجمع البحثي. لم تقع حوادث جديدة، ولم يختفِ أحد، ولم تصدر أي إنذارات طارئة، ومع ذلك كان الشعور بالقلق يزداد مع كل ساعة تمر. بدا الأمر وكأن المبنى الضخم بأقسامه ومختبراته وأجهزته التي لا تنام قد أصبح ينتظر شيئاً لا يعرفه أحد، لكنه قادم لا محالة.
أما عيسى فقد دخل في عزلة شبه كاملة.
منذ حادثة الاختفاء لم يعد يهتم بالاجتماعات الجانبية ولا بالنقاشات الإدارية التي كانت تستهلك وقت كبار المسؤولين. أغلق على نفسه أبواب المختبر المركزي، وبدأ بمراجعة كل سجل رقمي أُنشئ منذ بدء المشروع. كانت مهمة أقرب إلى المستحيل، لكن الذين عرفوه جيداً كانوا يعلمون أن أكثر صفاته خطورة ليست ذكاءه ولا نفوذه، بل إصراره. فإذا اقتنع بوجود شيء ما فلن يتوقف حتى يجده.
بعد يومين كاملين من المراجعة المتواصلة، بدأت الصورة تتشكل أخيراً.
في البداية كانت مجرد أرقام متناثرة.
ثم تحولت إلى نمط.
ثم إلى حقيقة.
حقيقة لم تعجبه أبداً.
فالقراءات الغريبة التي سبقت اختفاء الفني لم تكن حادثة منفردة كما اعتقد الجميع، بل تكررت أكثر من ثلاثين مرة خلال الأشهر الماضية. المشكلة أنها كانت قصيرة جداً وصغيرة جداً إلى درجة أن الأنظمة الآلية اعتبرتها أخطاء تقنية عابرة وحذفتها من التقارير النهائية.
لكنها لم تكن أخطاء.
كانت موجودة دائماً.
تظهر لثوانٍ معدودة.
ثم تختفي.
وكأن شيئاً ما يحاول العبور إلى النظام دون أن يترك أثراً.
وقف عيسى أمام الشاشة العملاقة بينما كانت عشرات الرسوم البيانية تمتد أمامه كشبكة معقدة من الخيوط المتشابكة. تحركت عيناه بين البيانات بسرعة قبل أن يطلب استدعاء عدد من كبار الباحثين بشكل فوري.
وخلال أقل من ساعة امتلأت القاعة بأهم العقول المشاركة في المشروع.
ساد الصمت بينما كانت الأنظار تتجه نحوه.
لم يكن من عادته جمع هذا العدد من الباحثين إلا عند الضرورة القصوى.
ولهذا أدرك الجميع أن الأمر خطير.
بدأ الاجتماع دون مقدمات طويلة. عرض البيانات أمامهم واحدة تلو الأخرى، ثم أوضح أوجه التشابه بينها، وبعدها عرض آخر تسجيل سبق حادثة الاختفاء مباشرة. ومع كل دقيقة كانت الوجوه تزداد جدية.
لم يجد أحد تفسيراً.
ولم يمتلك أحد إجابة.
لكن الجميع اتفق على شيء واحد.
هناك أمر مجهول يتكرر داخل المشروع منذ أشهر.
ولم يلاحظه أحد.
اقترب أحد الباحثين من الشاشة وهو يحدق بالأرقام قبل أن يقول إنهم يحتاجون إلى اختبار مباشر للتحقق من النظرية.
وافق عيسى فوراً.
فهذا ما كان يريده منذ البداية.
وبعد ساعات قليلة بدأت التجربة.
امتلأت القاعة بالأجهزة والمراقبين والمهندسين، بينما كانت مئات الشاشات تعرض البيانات لحظة بلحظة. لم يكن الاختبار ضخماً، لكنه كان كافياً لمحاولة استدراج ذلك الخلل الغامض وإجباره على الظهور مجدداً.
مرت الدقائق الأولى بهدوء.
ثم عشر دقائق أخرى.
ثم عشرون.
وبدأ التوتر يتسلل إلى القاعة.
وفجأة…
انطفأت جميع الشاشات.
في اللحظة نفسها.
دون استثناء.
تجمد الجميع في أماكنهم.
لم تستغرق الحادثة سوى ثوانٍ قليلة، لكنها بدت أطول بكثير داخل تلك القاعة الصامتة.
ثم عادت الكهرباء.
وعادت الأجهزة.
وعادت الشاشات للعمل.
لكن شيئاً واحداً لم يعد كما كان.
فبدلاً من البيانات المعتادة ظهر على كل شاشة داخل القاعة سطر واحد فقط.
سطر قصير.
بسيط.
ومرعب.
تجمدت العيون عليه في اللحظة نفسها.
حتى الذين لم يؤمنوا بالخرافات طوال حياتهم شعروا بقشعريرة باردة تسري في أجسادهم.
أما عيسى فبقي واقفاً دون أن يتحرك.
كانت عيناه مثبتتين على الشاشة أمامه.
وعلى الكلمات التي ظهرت فوقها.
كلمات لم يكتبها أحد من الحاضرين.
ولم يكن من المفترض أن يستطيع أحد كتابتها.
فالنظام معزول بالكامل عن أي شبكة خارجية منذ سنوات.
ومع ذلك كانت الجملة هناك.
واضحة.
وحقيقية.
وكأن شخصاً ما يقف خلف الشاشة وينظر إليهم.
لم تقل الجملة الكثير.
لكنها كانت كافية.
كافية لتغيير كل شيء.
ظهرت الكلمات بهدوء فوق الخلفية السوداء:
لقد بدأ الأمر منذ زمن.
ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
صمت لم يجرؤ أحد على كسره.
وللمرة الأولى منذ انطلاق المشروع، شعر بعض الحاضرين أن ما يواجهونه قد يكون أكبر من قدرتهم على الفهم.
أما عيسى…
فلم ينظر إلى الجملة.
بل إلى الوقت الذي ظهرت فيه.
لأنه أدرك شيئاً أخطر.
شيئاً لم يلاحظه أحد غيره.
هذه الرسالة لم تُرسل إلى النظام.
بل خرجت منه.
أربعة عشر يوماً.