لم يبقَ خبر اختفاء الفني محصوراً داخل القسم الأمني طويلاً، حتى مع الأوامر الصارمة التي صدرت بمنع تداوله. فالمشاريع الضخمة تشبه المدن الصغيرة؛ كلما ازداد عدد العاملين فيها، أصبحت الأسرار أقصر عمراً. خلال أقل من يوم واحد بدأت الشائعات تنتشر بين المختبرات والممرات وغرف الاستراحة، وتعددت الروايات حتى أصبح من المستحيل معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ المبالغات.
بعضهم قال إن الرجل هرب.
وبعضهم ادعى أنه اكتشف شيئاً لا ينبغي له اكتشافه.
أما أصحاب الخيال الواسع فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير.
لكن عيسى لم يكن مهتماً بالشائعات.
كان مهتماً بالحقائق فقط.
ولهذا أمضى الساعات الست والثلاثين التالية داخل إحدى غرف التحليل المغلقة، يراجع بنفسه كل تسجيل وكل قراءة وكل تفصيل صغير يمكن أن يكون مرتبطاً بالحادثة. كان يعلم أن البشر يميلون إلى تضخيم الغموض عندما يعجزون عن فهمه، لكنه كان يعلم أيضاً أن تجاهل التفاصيل الصغيرة هو أسرع طريق نحو الكوارث.
ومع مرور الوقت بدأ يلاحظ شيئاً لم ينتبه إليه أحد.
لم يكن الأمر متعلقاً بالفني المختفي.
بل بشيء سبق اختفاءه.
بثماني دقائق.
في البداية بدا وكأنه خلل عديم الأهمية. ارتفاع طفيف في إحدى القراءات ثم عودتها إلى طبيعتها خلال جزء من الثانية. رقم صغير إلى درجة أن معظم الأنظمة تجاهلته تلقائياً، بل إن بعض البرامج صنفته ضمن هامش الخطأ المقبول.
لكن عيسى لم يفعل.
أعاد مراجعة البيانات مرة أخرى.
ثم للمرة الثالثة.
ثم للمرة الخامسة.
وكلما نظر إليها أكثر ازداد اقتناعاً بأن ما يراه ليس خطأً.
كانت إشارة.
إشارة قصيرة جداً.
لكنها موجودة.
استند إلى ظهر مقعده أخيراً وأغلق عينيه لثوانٍ طويلة. لأول مرة منذ أشهر شعر أن المشروع يتحرك في اتجاه لم يكن يتوقعه. لم يكن الأمر كافياً للحكم على شيء، لكنه كان كافياً ليجعله يعيد حساباته من البداية.
وفي الجهة الأخرى من المجمع كانت ليان تتابع تحقيقاتها الخاصة.
لم تعتمد على التقارير الرسمية.
ولم تعتمد على روايات الأمن.
بل اعتمدت على الطريقة التي اعتادت استخدامها طوال حياتها؛ مراقبة البشر.
فالتقارير يمكن تزويرها.
والأدلة يمكن إخفاؤها.
أما ردود الأفعال فغالباً ما تكشف أكثر مما ينبغي.
ولهذا بدأت تراقب الباحثين والمسؤولين وكل من كان قريباً من الحادثة. لم تكن تبحث عن إجابة مباشرة، بل عن شخص يتصرف بطريقة مختلفة عن الآخرين.
شخص يعرف شيئاً.
أو يعتقد أنه يعرف شيئاً.
وخلال يومين من المراقبة المستمرة بدأت تلاحظ أمراً غريباً.
لم يكن متعلقاً بالمختبرات.
ولا بالفني المختفي.
بل بأحد الجنرالات.
توقفت أمام تلك المعلومة طويلاً.
ثم أغلقت الملف.
ولم تخبر أحداً بما وجدته.
في مساء اليوم نفسه كان علي يقف داخل شرفة مكتبه الواسعة بينما امتدت المدينة أمامه تحت ضوء الغروب. كانت الرياح الباردة تضرب أطراف معطفه العسكري، لكنه بدا وكأنه لا يشعر بها. فمنذ أيام لم تفارق ذهنه تلك الملاحظة الصغيرة التي ظهرت داخل التقارير، والآن بعد حادثة الاختفاء بدأت الصورة تزداد تعقيداً.
لم يكن يحب المصادفات.
وخلال حياته الطويلة تعلم أن المصادفات الحقيقية نادرة أكثر مما يظن الناس.
وعندما تتكرر مرتين…
فهي لم تعد مصادفة.
أخرج سيجاراً جديداً وأشعله ببطء قبل أن تصل رسالة مشفرة إلى جهازه الشخصي.
فتحها.
وقرأ محتواها.
ثم بقي صامتاً.
لعدة ثوانٍ.
كانت الرسالة قصيرة جداً.
سطر واحد فقط.
لكن ذلك السطر كان كافياً ليجعل نظرته تتغير للمرة الأولى منذ أسابيع.
عاد فقرأ الرسالة مرة أخرى.
ثم أغلق الجهاز.
وألقى نظره نحو الأفق البعيد.
هناك…
في مكان ما خلف آلاف الكيلومترات من البحار والجبال والمدن.
كان شخص ما يراقب المشروع.
ولم يكن هذا هو الجزء المقلق.
الجزء المقلق…
هو أن ذلك الشخص كان يعرف أشياء لا يفترض بأحد معرفتها.
سبعة عشر يوماً.