– جريمة مسرح الأوبرا (4) –
لكن كلاهما لم يبدُ كقاتل مجنون.
‘بالطبع، ليس وكأن القاتل يتجول وهو يضع لافتة على جبينه تقول أنا المجرم… لكن ذلك العجوز المتصلب الجالس في الصف الأمامي يبدو ساحرًا رفيع المستوى، والآخر فارس شاب يقف في مقاعد الستول. يبدو أنه جاء مع حبيبته. لنضعهما في الحسبان أولًا.’
م.م: مقاعد الستول هي الكراسي المرتفعة التي لا تحتوي غالباً على مساند للظهر أو الذراعين🧐
مال كليو برأسه نحو إيسييل. رغم ضجيج المسرح قبل بدء العرض، خفض صوته احتياطًا.
"هل كان هناك شخص مريب؟ ما رأيكِ؟"
"لا يبدو أن هناك سوى أشخاص عاديين لديهم حساسية للأثير. لكن قد يصل أشخاص متأخرون بين الفصول، لذا من الأفضل ألا نُخفف الحذر."
"برأيي، فقط العجوز ذو الشعر الأبيض في الأمام وذلك الشاب الطويل الواقف في مقاعد الستول يبدوان بمستوى أعلى قليلًا."
"مقاعد الستول؟"
يبدو أن إيسييل لاحظت العجوز في الأمام، لكنها لم ترَ الشاب في الخلف، فوجهت نظرها إلى الوراء.
"لقد رأيت ذلك الشخص من قبل. إنه عضو في فرسان حرس العاصمة. أحسنت العثور عليه."
"ماذا."
تساءل كليو إن كان بيهيموث قد وجد شيئًا أيضًا، فراح يضغط على جانبه.
تثاءب بيهيموث مطولًا وهز رأسه الممتلئ.
"مياااااو (لا يوجد في المسرح سوى هذين اللذين رأيتهما)."
بينما كان كليو وإيسييل يركزان على هدفهما الأساسي، وصل خادم يحمل على صينية فضية شامبانيا روزيه من إيكارلات ووعاء توت خريفي.
وبما أن ديون تعلم مسبقًا أن بيهيموث محب للشراب، نقلت التوت إلى الصينية وسكبت قليلًا من الشامبانيا في الوعاء.
قفز بيهيموث من فوق فخذ كليو ووضع فمه في الوعاء.
لحس لحس
لكن لسبب ما، بعد أن لعق رشفتين فقط، دفع الوعاء بمخلبه.
"مياو، مياو ميااو (ما هذا؟ يقولون إنه شراب مشهور، لكن طعمه سيئ. رائحته ضعيفة وطعمه النهائي لزج)."
"موث، هل لم يعجبك الشراب؟"
"مياو! مياو! (على أي حال، الكثير من الروزيات حتى الغالية منها لا تستحق ثمنها)."
جرعة، بلع
"أفهم يا موث. يبدو أنه لا يناسب ذوقك. حسنًا، ماذا قد يعرف مستشار قانوني ملكي لا يشرب الكحول عن الخمر أصلًا~."
رغم أن كلام القط المدمن على الكحول بدا كمواء عادي، استطاعت ديون أن تفهم معناه بدقة مذهلة.
وضعت الكأس، وتناولت بعض التوت، ثم وضعت حبة في فم بيهيموث.
"هل انتهيتما من التفقد؟"
"نعم."
"صحيح."
"رغم أن الطعم ليس مميزًا، لكنه مجرد مزاج، هل تشربان كأسًا من الشامبانيا؟"
كما هو معتاد، رفضت إيسييل الشراب.
تردد كليو قليلًا، لكن بيهيموث هز رأسه بشدة وكأنه يمنعه حتى من التذوق.
‘ليس بالضرورة أنه سيئ الطعم….’
"سأعتذر اليوم، لدي أمر عليّ القيام به."
"يا للعجب! كم أنت متطلب. تدقق كثيرًا في طعم الشراب."
شربت ديون كأسها بالكامل، ثم فكّت الكاميو الذي يثبت الفراء عندما شعرت بارتفاع حرارتها.
انسدل فرو السمور الأبيض، كاشفًا عن فستان سهرة بلون كريمي.
كانت أقراطها من اللؤلؤ، وقلادتها المكونة من ثلاث طبقات من اللؤلؤ تتدلى منها قطعة ماسية مربعة بأناقة.
بشرتها فوق فتحة العنق الجريئة كانت أكثر إشراقًا من اللؤلؤ نفسه. ومع خصرها النحيل جدًا، بدا شكلها ممتلئًا كزهرة متفتحة، في غاية الجاذبية.
كاد كليو أن يحمر خجلاً دون قصد. فحافظ على نظره مثبتًا على المسرح التزامًا بآداب الإنسان المتحضر تجاه ديون.
ولحسن الحظ، بدأ العرض سريعًا.
في حفرة الأوركسترا أسفل المسرح، التي لا تُرى من المقاعد، شق صوت الأوبوا بنغمة A الضجيج العام.
وسرعان ما انتهت الآلات من الضبط الصاخب، وبدأت المقدمة ذات الطابع الحزين تكشف عن لحنها المشؤوم.
أُعجب كليو.
‘واو، حتى من لا يفهم في الموسيقى يمكنه ملاحظة هذا. الأمر مختلف تمامًا عما كنت أسمعه من الطابق الثالث في مسرح سيجونغ.’
م.م: مسرح سيجونغ او مركز سيجونغ للفنون الاستعراضية بأنه أكبر مجمع ثقافي وفني في مدينة سيول، في كوريا الجنوبية. ويحمل المركز اسم الملك سيجونغ العظيم، رابع ملوك أسرة جوسون ومبتكر الأبجدية الكورية 🧐
كانت تجربة كليو مع عروض الأوبرا طوال حياته لا تتجاوز مرتين، وكلتاهما عبر دعوات مجانية.
ومع ذلك، حتى مع تغيّر العالم، ظلّ محتوى الأوبرا متشابهًا إلى حد كبير.
لم يفتح كليو حتى الظرف الذي اشترته له ديوني لـ <سيد المرتفعات>، ومع ذلك لم يواجه أي صعوبة في فهم محتوى الأوبرا.
مرتفعات الشمال حيث يستمر الشتاء القاسي فقط، وقصر أبيض بارد كأنه مصنوع من الجليد يظهر كخلفية للمسرح.
تنشأ قصة حب بين لورد مصاص دماء عاش ألف عام وفتاة شابة أُرسلت كقربان. بعد سوء فهم وصراعات، يحصل اللورد آرسينييه في النهاية على حب لومينيتا الصادق.
لكن عندما يحاول اتخاذها زوجة له، يأتي شقيق لومينيتا إلى القصر لإنقاذ أخته.
تحاول هي مقاومة الأمر بحجة أنه يجب عليه الوفاء بوعده، لكنهما يفترقان بسبب سوء فهم، وعندما يعود اللورد من الغابة بعد أن ذهب لإحضار هدية الزواج، يعتقد أن الفتاة قد خانته.
انتهى الفصل الثاني وأُضيئت القاعة.
إيسييل الجالسة إلى يسار كليو كانت تراقب إن كان هناك جمهور جديد قد ملأ المقاعد، بوجهها نفسه دون تغيير.
أما ديون على يمينه، فكانت تمسح دموعها التي بللت خديها بمنديل.
حسنًا، الأوبرا في ذلك العصر كانت أشبه بالدراما المبالغ فيها.
وبما أنها من المعجبين المتحمسين للعمل الأصلي، كان من المفهوم رد فعل ديون.
"كيف وجدته يا ليدي ديون؟ يبدو أنكِ استمتعتِ به؟"
"كيف وجدته؟ كيف وجدته؟! إنه يفوق الخيال! يفوق التوقعات! هل ترى ذاك الرجل في نهاية المقاعد على اليمين في الطابق الأول، مرتديًا بدلة رمادية؟ إنه جولز تيرنر، ناقد <لونداين ستاندرد>. انظر إليه الآن، يتظاهر بأنه لم يبكِ بينما يمسح عينيه."
"حتى أنا الذي لا أفهم كثيرًا، بدا لي رائعًا… فهمت."
"نص السيدة مورغان عبقري في تجسيد العمل الأصلي، لكن الأهم أن الممثل الذي أدى دور آرسينييه رفع العمل إلى مستوى آخر. إن لم يكن قلبك من حجر، فلا بد أن تتأثر. هل تتذكر عندما غنّى آريا الخيانة؟ شعرت أن قلبي يتمزق!"
وبالفعل، كان البطل هو البطل؛ فعندما يبدأ بالغناء، يبدو وكأنه يجتاح المسرح بعاصفة. حتى البطلة نفسها بدت باهتة أمامه.
قلب كليو كتيب العرض ليتحقق من اسم المغني.
<دور اللورد آرسينييه: غيهايم زينغر>
<دور لومينيتا: ليلي روز>
"لكن لماذا يرتدي قناعًا نصفيًّا؟ لومينيتا ولا حتى الكورال يرتدون شيئًا كهذا."
في البداية بدا الأمر غريبًا. بطل العمل ظهر مرتديًا قبعة وقناعًا.
‘لكن بمجرد أن بدأ أول مقطع غنائي، لم يعد القناع مهمًا… ومع ذلك، يظل الأمر غريبًا بالنسبة لمؤدٍ.’
أغلقت ديون مروحتها وأمسكتها بكلتا يديها، ثم ابتسمت تلك الابتسامة الماكرة التي تظهر عند الحديث عن الشائعات.
"سمعت أنه يعاني من حروق شديدة في جبينه وحول عينيه. يقال إنه رجل من عامة الشعب أغوى سيدة نبيلة محترمة وأقام معها علاقة غير شرعية، وعندما اكتشف زوجها ذلك، أشعل النار فيه."
"آه… نعم."
‘ما هذا؟ كأنه شبح الأوبرا، حروق وقناع.’
لأنه شخصية وحادثة لم يُذكر عنها شيء في النص الأصلي، كان هذا الأمر يثير قلقه بشكل خاص لأنه يجعل مجرى الأحداث غير متوقع.
"غيهايم اسم مستعار، واسمه الحقيقي غيهايمنيس. يستخدم لهجة شمالية نادرًا ما تُسمع في العاصمة. أظن أنه وُلد في أرض باردة."
"تظنين؟ يبدو أن هناك أشخاصًا حتى أنتِ لا تعرفين حقيقتهم يا ليدي ديون."
"الأمر أن الصحفيين وعشاق الشائعات بحثوا في ماضيه بإصرار، لكن لم يظهر أي سجل له. إنه رجل غامض ظهر فجأة في العاصمة قبل بضعة أشهر، وباع خلال موسم واحد تذاكر بمبالغ فلكية."
في تلك اللحظة، نبهت إيسييل وكليو بخفة.
كانت بعض السيدات النبيلات في مقصورة الطابق الثاني، اللواتي كنّ يرتدين مجوهرات ثقيلة، يغادرن مقاعدهن على عجل. تجمعن عند الدرج المؤدي خلف المسرح بدلًا من التوجه إلى غرفة التجميل.
"هل تعرف لماذا يغادرن بهذه العجلة؟"
"آنسة كيسيون، إنهن ذاهبات إلى غرفة الانتظار لتحية الممثل الرئيسي. يقدمن الهدايا، وإذا كنّ محظوظات، قد يحصلن على ما هو أكثر من مجرد كلمات شكر."
ثم أغمضت ديون إحدى عينيها بخبث.
لم تفهم إيسييل المعنى، فاكتفت برمش عينيها مرتين وكأنها تطلب تفسيرًا إضافيًا.
"ليدي، أرجوكِ اعتدلي في كلامكِ…."
‘لا، كيف يمكن أن تُلقي موضوع رعاية المشاهير فجأة على مفتشة تبلغ سبعة عشر عامًا وتعيش وفق القواعد حرفيًا!’
"لقد أخبرتك فقط لأنكِ تساءلتِ عما يحدث، هاهاها. سيعود الجميع إلى مقاعدهم قبل بدء الفصل الثالث، فلا داعي للقلق."
"إذا كان لديهم هدف واضح لتحركهم، فهذا مفهوم."
عادت إيسييل إلى مهمتها في المراقبة دون أي اضطراب. كان من حسن الحظ أنها تفتقر تمامًا إلى الحس في مثل هذه الأمور.
"لكن الأمر غريب حقًا. عادةً، سيدات بمثل مكانتهن لا يتحركن بأنفسهن، أليس كذلك؟ وفوق ذلك، يتجمعن بهذا العدد في غرفة انتظار ضيقة ويتزاحمن، أليس هذا يضر بمكانتهن؟"
"هذا يعني أن المغني المسمى غيهايم يتمتع بجاذبية خاصة."
"يا لها من ملاحظة سريعة، يا سيدي الشاب. آخر من نهضت قبل قليل كانت كونتيسة كروفت، وهي في الأصل لا ترعى المغنين أبدًا. لكنها هذه المرة كسرت مبدأها."
"من المدهش أن رجلًا نصف وجهه مشوه بالحروق استطاع أن يأسر جميع سيدات العاصمة."
"لكن، يا سيدي، لقد سمعت بنفسك. حتى لهجته الشمالية المتقطعة، عندما يغني بها، تبدو كرياح الشتاء في البحر الشمالي، باردة وساحرة في آنٍ واحد. ومع أدائه دور اللورد آرسينييه هذه المرة، كم سيزداد شعبيته!"
بالنسبة لكليو، لم يكن هذا الحديث واضحًا تمامًا، لكنه فهم أن هذا المغني ودور اللورد مصاص الدماء يتناسبان جدًا من حيث الأجواء.
دَنغ، دَنغ
كان الخدم يتجولون وهم يقرعون الأجراس معلنين انتهاء الاستراحة.
وهكذا دخل العرض الفصل الثالث.
تغيرت خلفية المسرح إلى غابة سوداء.
في الغابة الباردة المغطاة بالثلج، تعود لومينيتا حافية القدمين، وتسمع صرخة اللورد الذي يلعن حبيبته الخائنة.
ورغم ارتجافها خوفًا، تخطو خطوة بعد خطوة نحو الرجل الغارق في اليأس.
اللورد الغاضب، وقد كسر قسمه، يحاول أن يعض عنق لومينيتا التي تعانقه…
"[امنحني الخلود. امنحني أبدية أكون فيها معك.]"
تميل لومينيتا بعنقها الأبيض نحو شفتي حبيبها. يحاول اللورد، غارقًا في الندم، أن يتركها.
"[الخلود لعنة، أما الفناء فهو النعمة. الأبدية تبهت اللحظات وتحول الحب المشتعل إلى رماد.]"
"[إن كنت معك، فحتى البهتان سيكون متألقًا، وحتى الرماد سيكون عذبًا.]"
اللورد، الذي يعرف أن الخلود لعنة، يحاول أن يترك الفتاة، لكن ذراعيها تجذبانه إليها.
في تلك اللحظة، تحولت السوبرانو متوسطة العمر ذات الجسد الممتلئ إلى لومينيتا الرقيقة ذات السبعة عشر عامًا، وأصبح التينور الشاب لوردًا حكم الظلام لألف عام.
م.م: السوبرانو هي مصطلح موسيقي يعبر عن أعلى طبقة صوتية في الغناء🧐
بعد أن تعرّضت لومينيتا للعض، سقطت مترهلة، ثم سرعان ما نهضت مفعمة بالحياة.
احتضنت اللورد الذي حوّلها إلى مصاصة دماء، وغنّت آريا مفعمة بالنشوة.
كان الدويتو بين اللورد والفتاة التي أصبحت من عشيرته ذروة العرض.
م.م: الدويتو هو عمل فني غنائي أو موسيقي يؤديه شخصان (مغنيان أو عازفان) معاً🧐
حتى كليو، الذي كان من المفترض أن يراقب ما حوله، نسي واجبه وانغمس في العرض.
في تلك اللحظة،
وكأنها توبخه على نسيان مهمته، ظهرت رسالة 'الوعد'.
[— المهارة المشتركة: "افتتان"]
[— يمنح المستخدم جاذبية قوية ?□∞◈‡…]
‘ما هذا؟ الرسالة مشوشة؟!’
تحت الرسالة المشوهة، رفع المغني رأسه بعنف.
أطلق المغني آخر مقطع من الآريا بصوت هائل، ثم وقف مستقيمًا دون أن يلهث، وحدق مباشرة في كليو.
تجمد الجمهور تمامًا أمام هذا الأداء المذهل، ثم بعد لحظة، انفجروا بالتصفيق.
"وااااه!"
"برافو!"
"وووو!"
انحنى المغني بتواضع للجمهور الذي صفق له. وفي تلك الأثناء، اختفت الرسالة الغريبة وكذلك ذلك الإحساس بالعداء.
لكن كليو، الذي كان قد فعّل 「الأدراك」، رأى بوضوح.
‘ذلك المغني! ولو للحظة، عينيه أضاءتا باللون الأحمر!’
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.