التأديب بالألم
"همم… هل ندمت حقًا، أم أنك تريد إنهاء الألم فحسب؟" تساءلت الضابطة ماغ وهي تغلق كتابها.
"أ- أنا آسف… أعتذر حقًا…" توسل إندريك بصوت متقطع.
"همم، سأصفح عنك مؤقتًا،" قالت الضابطة ماغ قبل أن تنهض واقفة وتعطِّل القوة الجاذبة التي كانت تطحن جسده.
تنهّد إندريك براحة بعد أن زال عنه هذا العذاب، ثم ناولته الضابطة ماغ حبة استشفاء.
وما إن تعافى واستعاد قوته حتى نهض ببطء، تتملكه مشاعر الذل والإحراج.
"أيتها اللعينة القاسية، كيف تجرئين على فعل ذلك بي؟" صرخ في وجهها بنبرة غاضبة.
ثم استدار واتجه صوب المخرج قائلاً: "أنا راحل من هنا."
بيد أنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى هوى عليه ضغط مهول من أعلى.
إلا أنه بدا مستعدًا هذه المرة، فرفع يديه على الفور وأنشأ حاجزًا ذهنيًا فوق رأسه.
دوّي!
بدت الضربة وكأنها تصادم بين قوتين هائلتين، إذ تهشّمت ركبتا إندريك على الفور تحت ثقل الجاذبية العاتية.
تأوّه بألم بينما كانت ركبتاه تنخفضان أكثر فأكثر، في حين بذل كل ما أوتي من قوة لصدّ الضغط الكاسح.
أما الضابطة ماغ، فالتفتت إليه ببطء، والكتاب لا يزال بيدها، ملامحها لم تتغير وكأنها لم تبذل جهدًا يُذكر، بينما بدا إندريك وكأنه يخوض معركة حياة أو موت، يضغط أسنانه وكأنه يدفع صخرة جبلية عن كاهله.
"تظن نفسك شيئًا عظيمًا، أليس كذلك؟" قالت ماغ بصوت هادئ وهي تطبق الكتاب بيدها.
وفي اللحظة التي دوّى فيها صوت غلاف الكتاب وهو ينغلق، تصاعدت قوة الجاذبية فجأة حتى طقطقت ركبتا إندريك بقسوة وسقط على وجهه صارخًا بألم مبرح.
دوّي!
كان تأثير الضغط عاصفًا، إذ سحق جسده بالكامل، وحطّم الحاجز الذهني الذي أنشأه كما لو كان قشرة بيضة.
تناثر الدم في المكان، وانغرست جثته في الأرض مُخلّفة حفرة صغيرة، ثم فقد وعيه على الفور.
"أوه… يبدو أنني بالغت قليلًا هذه المرة،" تمتمت الضابطة ماغ بنبرة متأملة وهي تسحب جاذبيتها.
تقدمت نحوه، تفحصت نبضه، ثم أطلقت زفرة ارتياح بعد أن تأكدت من أنه لا يزال على قيد الحياة.
ناولته حبة استشفاء أخرى، وانتظرت حتى أفاق.
وبعد مضيّ بضع دقائق، استعاد وعيه مجددًا، وما إن حاول النهوض حتى هوى عليه الضغط الساحق من جديد، وطرح جسده أرضًا كحشرة دُعست تحت الأقدام.
"استوعب جيدًا أنك لست مميزًا بشيء… هناك الكثير ممن يتفوقون عليك بمراحل، وأستطيع أن أسحقك متى شئت،" كانت الضابطة ماغ تكرر كلماتها كل مرة يحاول فيها إندريك النهوض.
بعد ساعات من هذا العذاب، نضب ما في جعبته من طاقة، وأخذ يحدّق في الضابطة ماغ وكأنها وحش متعطش للدماء.
"هل تريد المزيد؟ يمكنني الاستمرار على هذا الحال لأسابيع، طالما أنك مغرم بالألم،" عقّبت الضابطة ماغ ببرود وهي تنظر إلى إندريك، الذي كان جالسًا على الأرض بملامحٍ منهزمة.
جلس في مكانه، لم ينبس ببنت شفة، بل اكتفى بالتحديق في الأرض.
"هذا ما ظننت،" قالت ماغ وهي تنهض من مجلسها، ثم سارت نحوه قائلة:
"والآن سنبدأ تدريبك… لن تغادر هذا المكان لمدة أسبوع كامل."
"أسبوع؟!" شهق إندريك بنبرة معترضة.
"هل لديك مشكلة مع ذلك؟" سألت وهي تحدّجه بنظرة صارمة.
"آه… لا، ولكن… ماذا عن التدريبات الأخرى؟" سأل بصوت خافت، وقد استبدت به الريبة بعد أن لمح نظرتها.
"يمكنك نسيانها تمامًا… لا أحد من المدربين يرغب في وجودك أصلًا،" أجابته وهي تستدير عنه.
"تبًا… هذا يعني أنني لن أتمكن من التواصل مع أي أحد…" زمجر إندريك من بين أسنانه، وقد ارتسمت على وجهه علامات الامتعاض.
"مهمتك الأولى…" قطعت ماغ أفكاره وهي تعطيه التعليمات، "اجلس على ركبتيك، وأنشئ حاجزًا من حولك باستخدام إرادتك. سأهاجمه كل عشر دقائق بجزء بسيط من قوتي، وإذا تحطم بضربة واحدة، فسأسحقك مجددًا بجاذبيتي وأعيد ترميمك بعد ذلك… استعدّ للكثير من الألم، أيها 'المميز'."
قالت هذه الكلمات قبل أن تعود إلى مجلسها في ركن الغرفة، مستأنفةً قراءة كتابها.
"هه! هذا سهل للغاية!" سخر إندريك وهو يستعدّ لتنفيذ التعليمات.
شكّل حاجزًا دائريًا من الطاقة الذهنية حول نفسه، ثم أخذ يترقب هجوم الضابطة ماغ.
مرّت عشر دقائق… ولم يحدث شيء.
عشرون دقيقة… ولا زال الوضع على حاله.
ثلاثون… خمسون… ستون…
"هيه، أنا لا أزال هنا منتظرًا،" بدأ إندريك ينفد صبره، فهتف بصوت متبرّم.
كانت طاقته تُستنزف بفعل المحافظة على الحاجز، وزاد من ضجره اضطراره للبقاء في وضعية ثابتة طوال هذا الوقت.
لكن الضابطة ماغ لم تكترث له البتة، وظلّت تقرأ وكأنه غير موجود.
في طرفة عين، انقضت ساعة أخرى، وكان إندريك قد بلغ ذروة السخط.
راح يحملق فيها بغضب، لكنها ظلت تتجاهله ببرود.
وحينما بدأ يشكّ في كونها تمزح معه، تحركت الضابطة ماغ فجأة، ورمت كتابها إلى الأمام بقوةٍ هائلة!
وششششش!
شقّ الهواء كالنصل، وانطلق كخطٍ حلزوني كالسهم المتسارع.
دوّي!
اخترق الحاجز دون مقاومة، ثم ارتطم بوجه إندريك مباشرة!
فووووم!
طار إندريك متدحرجًا إلى الخلف، وانزلق على الأرض قبل أن يستقرّ في وضعٍ مهين، وقد صار وجهه قانيًا من شدة الصدمة.
"هيه، هذا ظلم! قلتِ أنكِ ستهاجمين بعد عشر دقائق، والآن مضت أكثر من ساعتين!" صرخ غاضبًا.
"اخرس! أُسندت إليك مهمة واحدة، وفشلت فيها،" قاطعته بصوت صارم.
فووووم! دوّي!
انهالت عليه موجة جاذبية طاحنة مجددًا، وسحقته إلى الأرض بلا رحمة.
صرخ بألم، وتوسّل إليها أن تكف، لكن نداءاته ذهبت أدراج الرياح…