الفصل 5 – الإنسان الأول والغو الثلاثة، إيقاظ الأمل
سكن المكان في تلك اللحظة، وتعلقت به عيون لا حصر لها.
الأمور تزداد إثارة، هكذا حدث فانغ يوان نفسه بابتسامة خافتة، وتحت أنظار الجموع خاض النهر حتى بلغ الضفة المقابلة.
شعر بوطأة ضغط يثقل كاهله، منبعث من الينبوع الروحي في أعماق حقل الزهور؛ فالينبوع يفيض بتشي بدائي شديد الكثافة، وهو ما ولد هذا الضغط.
سرعان ما انطلقت من بين الزهور تحت قدمي فانغ يوان نقاط ضوء صغيرة تسابقت نحوه، وغمرت سائر بدنه قبل أن تلج فيه.
إنه غو الأمل، كما أدرك فانغ يوان بيقين؛ فالشيخ المشرف لم يخبرهم، لكن الأمر جلي في ذهنه: كل نقطة ضوء هي دودة غو تُعرف بغو الأمل.
تتحدث أقدم الأساطير عن غو الأمل؛ ففي سالف الدهر وحين تشكل العالم أرضًا قفارًا موحشة تجوبها الضواري، ظهر أول إنسان وعُرف باسم "رن زو،" يقتات على اللحم النيئ ويشرب الدم، ويكابد قسوة العيش.
كانت ثمة طائفة من الوحوش الضارية تُدعى "المآزق،" تستطيب لحم رن زو وتشتهي التهامه.
لم يملك رن زو جسدًا صلبًا كصخور الجبال، ولا أنيابًا ومخالب حادة كالوحوش، فكيف له أن يقارع المآزق؟ ظل طعامه شحيحًا، وتوارى طوال نهاره، قابعًا في أدنى درجات السلسلة الغذائية يصارع لأجل البقاء.
في تلك الأثناء، قصدته ثلاثة من ديدان الغو وقالت: "ما دمت تبذل لنا حياتك طعامًا، فسنعينك على تجاوز هذا البلاء." ولم يجد رن زو مهربًا سوى النزول على حكمها.
فوهب أولًا شبابه لأكبر الغو الثلاثة حجمًا، فمنحه غو القوة بأسًا عظيمًا.
مع نيل القوة، تبدلت حياة رن زو؛ فغدا طعامه موفورًا، وبات قادرًا على حماية نفسه. وقاتل بشجاعة وضراوة، فصرع مآزق كثيرة. غير أنه سرعان ما ذاق الأمرين وفطن إلى أن القوة وحدها ليست كل شيء؛ فهي تحتاج إلى التعهد والترميم ولا تُبذر هباءً، فضلًا عن أن قواه المنفردة تضؤل أمام جحافل المآزق.
استوعب رن زو الدرس بمرارة، وعزم على وهب ريعان كهولته لأجمل الغو الثلاثة؛ فمنحه الغو الثاني الحكمة.
بفضل الحكمة، تعلم رن زو كيف يفكر ويتأمل، وراح يراكم الخبرات؛ ووجد أن الاحتكام إلى الحكمة أجدى نفعًا في مواقف شتى من الركون إلى القوة وحدها. وبالجمع بين الحكمة والقوة، بلغ غاياته التي عجز عنها سابقًا، وقتل مآزق لا حصر لها، فأكل لحومها وشرب دماءها، وتشبث بالحياة في صمود.
لكن دوام الحال من المحال، وشاخ رن زو وبات يزداد هرمًا يومًا بعد يوم؛ ذلك أنه بذل شبابه وكهولته لغو القوة والحكمة. وحين يهرم المرء، تخور قواه العضلية ويتباطأ ذهنه.
"أيها الإنسي، ما عساك تعطينا بعد؟ لم يبقَ لديك ما تطعمنا إياه،" هكذا أدرك غو القوة والحكمة الأمر، وتخليا عنه.
بفقدان الحكمة والقوة، حاصرت المآزق رن زو من جديد؛ كان شيخًا عاجزًا عن الركض، سقطت أسنانه فما استطاع مضغ الثمار والنباتات البرية.
سقط على الأرض خائر القوى وسط المآزق واليأس يملأ فؤاده، وحينها هاتفَه الغو الثالث قائلًا: "أيها الإنسي، احملني، وسأعينك على النجاة من المأزق."
فأجابه رن زو بدموع تنهمر: "أيها الغو، لم يبقَ لدي شيء؛ انظر، لقد تخلت عني القوة والحكمة، ولم يتبقَ لي سوى شيخوختي! ومع أنها لا تضاهي شبابي ولا كهولتي، إلا أن بذلها لك يعني فناء حياتي فورًا. ورغم حصار المآزق لي الآن، فلن أهلك في التو، وأنا أرغب في العيش ولو لبرهة وجيزة أخرى. فارحل إذن، فلست أملك ما أطعمك إياه."
غير أن الغو رد قائلًا: "أنا أقل الثلاثة حاجةً؛ فلو منحتني قلبك أيها الإنسي، لكفاني ذلك."
"سأمنحك قلبي إذن،" قالها رن زو، "لكن ما الذي ستعطينيه في المقابل؟ فبحالي هذه، حتى لو رجعت القوة والحكمة إلى جانبي، فلن يتبدل من أمري شيء."
مقارنةً بغو القوة، بدا هذا الغو ضئيلًا لا يتعدى كرة نور دقيقة؛ ومقارنةً بغو الحكمة، لم يشع منه سوى ضياء أبيض خافت يخلو من أي جمال.
لكن ما إن أسلمه رن زو قلبه، حتى انبعث من هذا الغو فجأة نور لا ينفد؛ وتحت وطأة ذلك الضياء، صرخت المآزق في رعب: "هذا غو الأمل، تراجعوا! فنحن المآزق أشد ما نخشى الأمل!"
انقشعت المآزق هاربةً على عجل، ووقف رن زو مذهولًا؛ ومنذ ذلك اليوم، كلما أحدق به مأزق، أسلم قلبه للأمل.
في هذه اللحظة، تدفقت حشرات غو الأمل كشلال ضوء وولجت جسد فانغ يوان، وتحت وطأة الضغط الخارجي تجمعت سريعًا في أسفل بطنه، محتشدةً تلقائيًا على بعد ثلاثة قراريط دون سرته.
شعر فانغ يوان فجأة بانحسار الضغط، فشرع يتقدم للأمام. ومع كل خطوة يخطوها، يطير غو الأمل تباعًا من بحر الزهور ويدخل بدنه ليلتحق بكرة الضوء. وازدادت كرة النور سطوعًا، بينما قطب الشيخ المشرف حاجبيه على الضفة المقابلة.
"حبات غو الأمل هذه دون المتوقع،" هذا ما هجس في صدور شيوخ كثر يرصدون فانغ يوان في العتمة، وعقد زعيم العشيرة حاجبيه هو الآخر؛ فتلك قطعًا ليست أمارات موهبة من الفئة A!
قاوم فانغ يوان الضغط وواصل مسيره: "ما دون عشر خطوات يعني انعدام موهبة الزراعة؛ ومن عشرين إلى ثلاثين فئة C؛ ومن ثلاثين إلى أربعين فئة B؛ أما ما بين أربعين وخمسين خطوة فموهبة من الفئة A. وحتى اللحظة قطعت ثلاثًا وعشرين خطوة."
أربع وعشرون، خمس وعشرون، ست وعشرون… سبع وعشرون.
عدّ فانغ يوان في سره؛ وعند الخطوة السابعة والعشرين، دوى انفجار مكتوم، وبلغت كرة الضوء بين كليتيه أقصى مداها وانفجرت فجأة.
وقع هذا التفجر الطاقي في جوف بدنه دون أن يبصره أحد من الحاضرين. ووحده فانغ يوان استشعر في تلك اللحظة زلزالًا يهز كيانه: وقفت شعيرات بدنه فجأة، وانطبقت مسامه بإحكام، وتوتر عقله إلى أقصى حد.
سرعان ما خوى ذهنه، وخارت قواه كأنه يهوي فوق بساط من السحاب؛ فاسترخى فؤاده، وسكنت شعيراته، وانفتحت مسامه من جديد.
في لحظات وجيزة، غمر العرق سائر بدنه.
بدت العملية برمتها طويلة، لكنها انقضت في لمح البصر، وزال ذلك الشعور بسرعة مجيئه.
غاب فانغ يوان عن وعيه برهةً قصيرة ثم استرد رشده، وتفحص جوف بدنه خلسةً، فوجد تحت سرته وبين كليتيه فتحةً قد تشكلت من العدم.
لقد تكللت مراسم الإيقاظ بالنجاح!
ها هو ذا الأمل نحو الخلود!
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.