القس المجنون الفصل 443 — تحدي قبيلة مان

اقرأ القس المجنون الفصل 443 — تحدي قبيلة مان باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 443 – تحدي قبيلة مان

بعد مرور شهر كامل، تيقن الجميع أخيرًا من نبأ هلاك غي ياو.

سرى الخبر الحزين في أرجاء المخيم، ففاضت مآقي أفراد قبيلة غي بالدموع؛ ورغم ما اتصفت به غي ياو من حدة الطبع، إلا أنها حملت قلبًا نقيًا وغدت درة حسناوات القبيلة ومحط إعجاب فرسانها، وحظيت بخطاب كثر تمنوا وصالها.

ناح زعيم قبيلة غي العجوز في حسرة تمزق نياط القلوب: "يا بنيتي الحبيبة، والدكِ هو من جلب عليكِ الهلاك…"، ثم سقط طريح فراش المرض من فرط الحزن والكمد.

تولى غي غوانغ منصب زعيم القبيلة بالنيابة، يعاونه شيوخ العشيرة؛ وخيمت على أرجاء قبيلة غي سحائب من الحزن والكآبة، وساد المخيم وجوم ثقيل.

لم تقف تداعيات موت غي ياو عند هذا الحد؛ إذ وقع مان دو، النجل الثالث لزعيم قبيلة مان، في غرامها من النظرة الأولى، وظل يطالب بالظفر بها بإلحاح مستمر، فكيف عساهم اليوم أن يأتوه بفتاة غيبها الثرى؟!

قبيلة مان عشيرة كبرى توسعت رقعتها في السنوات الأخيرة على نحو جارف، وابتلعت في طريقها قبائل صغيرة شتى؛ وعقب سلسلة من الانتصارات الظافرة، ارتفعت معنويات رجالها، وزاد استعلاؤهم وتجبرهم على قبيلة غي الكسيرة. وفي كل محادثة، أمطروا غي غوانغ بضغوط قاسية ومطالب جائرة.

فقبيلة غي وافدة جديدة لم يمضِ على نزولها وقت طويل، ولا طاقة لها بمضاهاة جبروت قبيلة مان؛ وبعد أن فقدت ديارها السابقة، باتت تعيش في فناء غيرها، وتتطلع إلى وادي هونغ يان للاحتماء به من صقيع العاصفة الثلجية المقبلة. لذا، وجد غي غوانغ نفسه في موقف دفاعي حرج للغاية، وتملكته حيرة واضطراب شديدان.

…

في حجرته، جلس فانغ يوان متربعًا على فراشه وفتح عينيه بهدوء.

استقرت على راحة يده اليمنى دودة غو روح الذئب.

كانت تلك الدودة بحجم الإبهام تقريبًا، تشبه جرو ذئب رمادي صغيرًا، وتنبعث منها زرقة شبحية خافتة.

تمتم فانغ يوان في سره: "هذه الحبة التاسعة من غو روح الذئب." ثم ضخ جوهره البدائي فيها؛ فتمددت الدودة، وتحولت في غضون بضعة أنفاس إلى طيف ذئب أشيب رمادي.

فاغرًا فاه بعواء صامت، اندفع طيف الذئب واخترق جسد فانغ يوان.

جاء هذا الاصطدام دون جلبة، غير أن فانغ يوان استشعر ارتعادًا عميقًا في روحه، وغامت عيناه للحظة وجيزة.

إذ التحم طيف الذئب بروحه مباشرة؛ فتفاعلت روح مئة رجل ذات الهيئة الآدمية معه، وفقدت ملامحها البشرية لتندمج مع طيف الذئب مستحيلة إلى ضباب روحي هادر.

لم يتلاشَ ذلك الضباب، بل تموج واضطرب في جوف جسد فانغ يوان، فبرز منه حينًا رأس ذئب، وتارة ذيل، ومرة أخرى تراءت ملامح فانغ يوان نفسه.

عقب انقضاء خمس دقائق، تجمع الضباب الروحي وتكثف ليعيد تشكيل روح بشرية جديدة.

بيد أن هذه الروح البشرية بدت مغايرة لسابق عهدها.

ففي السابق، طابقت روح مئة رجل هيئة فانغ يوان بدقة، في العينين والأنف والأذنين؛ أما الآن، وعقب تهذيبها بتسع حبات من غو روح الذئب، فرغم احتفاظها بالقوام البشري العام، فقد نبت على هامتها زوج من آذان الذئاب، واسترسل شعرها حتى بلغ الخصر، واستحالت عيناها إلى عيني ذئب حادتين، ونحل قوامها واستدق أنفها.

فقد تميزت روح مئة رجل في الماضي بضخامة كادت تفيض عن حدود جسده المادي، أما عقب هذا التهذيب، فقد غدت أشد تراصًا وتكثفًا، وتبدل لونها من الأبيض الشاحب إلى لون رمادي أشيب خفيف.

حسب فانغ يوان الأمر؛ فحين يستنفد كامل مخزونه من غو روح الذئب، ستبلغ روح مئة رجل أقصى درجات تنقيتها.

حينئذ، ستتحول روحه برمتها إلى هيئة تجمع بين الإنسان والذئب، وهي ما يُعرف بـ 'روح الرجل الذئب'.

روح الرجل الذئب تفوق روح مئة رجل العادية أضعافًا مضاعفة في المنعة والقوة.

بحيازته لروح الرجل الذئب، يتسنى لفانغ يوان مواصلة تقوية روحه ليرتقي بها من مئة رجل إلى روح ألف رجل، بل إلى روح عشرة آلاف رجل.

بطبيعة الحال، لا تشكل روح عشرة آلاف رجل المنتهى؛ فهناك روح مئة مليون رجل!

تأمل فانغ يوان: "من الناحية النظرية، يمكن للروح أن تتعاظم بلا سقف يحدها. وفي غابر الأزمان، تجاوز الموقر الشيطاني الروح الطيفية، مؤسس مسار الروح، عتبة روح مئة مليون رجل بأشواط سحيقة! إذ امتلكت روح الموقر الشيطاني ألف ذراع وراحة يد، وثلاثة رؤوس عظيمة: الرأس الأمامي يزدان بقرون تنين وعرف أسد وعيني ثعبان وأنياب فيل؛ والرأس الأيسر يتميز بجبهة دراقة وشعر عشب وثلاث أعين كالأزهار؛ والرأس الأيمن يتشح بغرة سحاب وعيني صاعقة وأذني لهب وفم ذهبي. وتفرعن في القوة بجبروت خارق يعجز الوصف عن الإحاطة به. وحتى يومنا هذا، لا يزال كثير من الفانين في الحدود الجنوبية يشيدون مجسمات من طين لصورته تلك، يقدمون لها القرابين ويضرعون إليها بالصلوات."

يتربع الموقر الشيطاني الروح الطيفية على عرش أسياد مسار الروح عبر التاريخ قاطبة؛ وما روح الرجل الذئب التي يحوزها فانغ يوان اليوم أمام جبروته إلا كنملة تتضاءل أمام عملاق شاهق، ولا تزال أمامه مسافات شاسعة ليتعاظم شأنه.

عقب استراحة وجيزة، أخرج فانغ يوان غو قوة عشرة أجون.

اتخذ هذا الغو هيئة ثقل حديدي، اتسم بوزن ثقيل في اليد.

ابتاع فانغ يوان خمس حبات من غو قوة عشرة أجون، وهو الآن بصدد استهلاك الحبة الثالثة، لترتفع قوة جسده إلى عشرين جونًا، أي ما يعادل ستمئة جين.

غو قوة عشرة أجون التابع للرتبة الرابعة أضعف أثرًا من غو قوة الوحوش التابع للرتبة ذاتها، غير أن ميزته الكبرى تكمن في قابلية تراكم القوة وتراكبها.

ففي السابق، حين استخدم فانغ يوان غو قوة ثور كونلون وظفر بطيف الثور، انتفت الجدوى من استخدام غو ثانٍ من الصنف ذاته، وما منحه ذلك طيف وحش إضافيًا.

أما غو قوة الجون، فيتحرر من هذا القيد؛ إذ يتراكب أثره تباعًا حتى يبلغ الجسد طاقته الاستيعابية القصوى.

بطبيعة الحال، فرغم امتلاك فانغ يوان لقوة ستمئة جين، إلا أنه يعجز عن تفجيرها دفعة واحدة في الأحوال العادية.

فالقصور الملازم لمسار القوة لا يزال حاضرًا في غو قوة الجون؛ ولولا ذلك، لما نعت اللاحقون الخالد المهيمن تشو دو بـ 'شفق مسار القوة'، بل لسموه 'فجر انبعاث مسار القوة'.

صحيح أن قوى الوحوش المتشابهة يمكن مراكمتها، بيد أن ذلك يتطلب الاستعانة بغو جنين الوحش.

قد تواترت وصفات شتى لغو جنين الوحش، إلا أن ندرة خاماته وارتفاع كلفة صقله وتدني نسبة نجاحه مقارنة بغو قوة الجون حكمت عليه بالاندثار في مضمار المنافسة.

حرك فانغ يوان جوهره البدائي، وضخه في غو قوة الجون؛ فارتفع الغو محلقًا فوق رأسه باثًا ضياءً فريدًا؛ وغمر ذلك النور جسد فانغ يوان ليعدل بنيته ويزيد من كثافة عضلاته وقوة عظامه على نحو مطرد.

في تلك الأثناء، تناهت نقرات خفيفة على باب حجرته.

عقبها مباشرة، علا صوت متهدج: "العم تشانغ شان يين، يرجو الصغير غي غوانغ الإذن بالمثول بين يديك."

أذن له فانغ يوان بالدخول، فإذا بغي غوانغ في حالة يرثى لها؛ وقد استقر سهم من العظام البيضاء في كتفه، وجرت الدماء على ثيابه في مشهد مزرٍ.

ما إن وقع بصر غي غوانغ على فانغ يوان، حتى خر جاثيًا على ركبتيه، واحمرت عيناه باكيًا: "أيها العم، أغثني بحق سماء الخلود!"

التمعت عينا فانغ يوان ببريق حاد، وقد لاحت له حقيقة الأمر في سريرته، فسأله: "ما الخطب؟ أشنّت قبيلة مان هجومًا كاسحًا واقتحمت مخيم قبيلة غي؟"

أجاب غي غوانغ بأنفاس لاهثة: "أصبتَ نصف الحقيقة يا عمي؛ فالبلاء كله من قبيلة مان. لقد نما إلى علم مان دو، النجل الثالث لزعيمهم، أن والدي طريح الفراش فاقد للوعي؛ فسارع باقتياد نخبة من فرسان قبيلة مان ليتحدا قبيلتنا في النزال، مطالبين بتسليم أختي غي ياو! وأختي قضت نحبها، فكيف نسلمها له؟! ومهما بسطتُ له الأعذار، أبى ذلك الفتى إلا التكذيب. وعملا بأعراف المروج، أُلزمت قبيلتنا بقبول التحدي. وقد أجهزوا حتى اللحظة على شيخنا الثالث، وأثخنوا ثلاثة آخرين بالجراح، حتى أنا تجرعت الهزيمة على أيديهم!"

جاءت خوالج فانغ يوان في محلها؛ فقد زادت قبيلة مان غطرسة كلما أمعنت قبيلة غي في التراجع وكظم الغيظ.

رغم عكوف فانغ يوان على التدريب طوال هذه المدة، إلا أنه لم ينقطع عن متابعة مجريات الأحداث، وظل مطلعًا على تقلبات الموقف في الخارج.

فكر في سره: "على أية حال، تتطلب عودة تشانغ شان يين إلى سهول الشمال محفلًا مهيبًا يثير الدوي؛ وهذه المناسبة فرصة مواتية لإعلان رجوع البطل السالف."

وعند هذا الخاطر، مد يده وأنهض غي غوانغ قائلًا: "طوال هذه الأيام، حللتُ ضيفًا عزيزًا على قبيلتكم، ولا يسعني الوقوف مكتوف اليدين إزاء مصابكم؛ قدني إليهم."

تهللت أسارير غي غوانغ وغمرته فرحة غامرة: "يا عمي، باسم قبيلتي قاطبة، أعجز عن شكر كرمك!"

خطا الاثنان صوب الخارج، وقبل أن يبلغا مدخل المخيم، اخترقت مسامعهما صيحات التحدي والسباب.

زعق صوت فتى مغرور: "قبيلة غي حثالة من الجبناء والفئران! اخرجوا لتلقوا حتفكم!"

رد شيخ من قبيلة غي بصوت يخنقه الغيظ: "مان دو، لقد جاوزتَ الحد وطغيت!"

تعالت قهقهة مان دو الشامتة: "ههههه، وما ضيري إن بطشتُ بكم؟! النمور والذئاب تفترس الطرائد، والصقور تعصف بالعصافير الضعيفة، وتلك شريعة الغاب ونواميس الوجود! سلموا غي ياو فورًا، وإلا واصلتُ التحدي حتى أبيد سائر رجال قبيلة غي عن بكرة أبيهم!"

زجره شيخ قبيلة غي: "يا للوقاحة والغدر! أكنتَ تجرؤ على هذا الهراء لو كان زعيمنا القديم معافى؟!"

استشاط مان دو غضبًا: "خسئتم! أنتم أهل الغدر والخيانة؛ وافقتم على المصاهرة ثم نكثتم العهد ورفضتم تسليم العروس! وتزعمون أنكم شرفاء؟! أعلم يقينًا أنكم تخفونها للمماطلة؛ زعمتم أولًا فرارها، واليوم تدعون موتها! أتحسبونني مغفلًا؟! إن تجرأ أرنب حقير على التلاعب بذئب كاسر، فعليه أن يدفع ثمن ذلك من دمه! يا شي وو، تابع النزال واسحقهم! وأنتِ يا قبيلة غي، سارعي بتقديم ضحيتكِ التالية إلى الميدان! ههههه!"

شحبت وجوه شيوخ قبيلة غي، وتبادلوا نظرات وجلة، ولم يجرؤ أحد منهم على التقدم.

وتقدم شي وو بقامته الفارعة ورأسه الأصلع وعضلاته المفتولة، معتليًا ساحة النزال بابتسامة قاسية تقطر غدرًا.

وهو في ذروة الرتبة الثالثة، ويحوز بأسًا هائلًا، والشيخ الثالث لقبيلة غي لقي مصرعه على يده في ساحة القتال تحت وطأة ضرباته الغاشمة.

وقف شي وو في وسط الساحة، ورمق مخيم قبيلة غي بنظرات احتقار: "ما بالكم تراجعتم؟ ألا يوجد فيكم رجل، أم تراكم ارتعدتم فزعًا؟!"

اشتعل الغضب والخزي في نفوس أهل غي، وتطاير الشرر من أعينهم وهم يحدقون في شي وو.

تابع شي وو سخريته: "أيتها الدجاجات الرعديدة، سأمنحكم بعض الجرأة؛ أضع هنا مئة ألف حجر بدائي، فمن تجرأ على منازلتي وقهرني، فله هذه الأحجار حلالًا زلالًا!"

وساد الصمت، ولم يجبه أحد.

انفجر شي وو بضحكات هستيرية: "قبيلة غي، قبيلة غي، لستم سوى قطيع من الأرانب والخراف الذليلة!"

"أفرغتَ من ضحكك، أم بقي منه شيء؟"

وبينما تقدم غي غوانغ مفسحًا الطريق، خرج فانغ يوان بخطى راسخة من بين الصفوف، وعلى وجهه سيماء الهدوء والسكينة.

انقطعت ضحكات شي وو فجأة، وتقلص بؤبؤا عينيه في ذعر وهو يحدق في فانغ يوان بذهول.

"سيد غو من الرتبة الرابعة! من يكون هذا القادم؟!" ولم ينحصر هذا التساؤل الصاعق في صدر شي وو وحده، بل سرى كالصاعقة بين صفوف رجال قبيلة مان جميعًا.

توجس مان دو في نفسه: "أكانت قبيلة غي تخفي خبيرًا آخر من الرتبة الرابعة في جعبتها؟!"

فقد بادر بالهجوم لعلمه بمرض الزعيم العجوز وعجزه عن القتال، لكنه لم يحسب قط وجود قوة قتالية ثانية من الرتبة الرابعة داخل هذا المخيم!

"لقد تحريتُ الأمر بدقة بالغة قبل مجيئي، فمن أين هبط هذا الخبير المباغت؟!"

ولما خالطت الريبة فؤاده، ترجل مان دو عن صهوة جواده سريعًا، وبدل لهجته واضعًا كفه اليمنى فوق صدره تحية على أعراف الشمال، وخاطب فانغ يوان بتودد: "مرحبًا بك أيها الأخ الكريم؛ لستَ من أبناء قبيلة غي، فلمَ تقحم نفسك في خصومة لا شأن لك بها؟"

رمق فانغ يوان الفتى بنظرة عابرة، وداخله شيء من التسلية تجاه هذا الشاب.

فأول عهده باسم مان دو جاء عبر حديث غي ياو وحكاياتها.

ورغم كون مان دو النجل الثالث لزعيم قبيلة مان، إلا أنه نشأ عليل الجسد ضعيف البنية، واقتصرت موهبته الفطرية على الدرجة الثالثة (ج)، ورغم تجاوزه العشرين من عمره، لم تتعدَّ رتبته المرحلة الثانية؛ وهو أسمر ضامر كأنه قرد هزيل.

بيد أنه لم يبدُ قط بالضعف والسذاجة اللذين صورتهما غي ياو؛ بل التمعت في محجريه عينان ماكرتان تقدحان خبثًا، وتتأجج في أعماقهما نيران طموح جارف لا يعرف الهوادة.

أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!

آمين.

إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.