الفصل 439 – مخيم قبيلة غي
سار فانغ يوان بصحبة غي غوانغ ورفاقه صوب جهة الغرب.
بفضل ركوبهم على ظهور ذئاب السنام، مضت رحلتهم بإيقاع سريع وحثيث.
سادت أجواء الوفاق والبهجة صفوف القافلة طوال الطريق.
فمن جهة، مضى فانغ يوان يتقرب إليهم عن قصد وتدبير مسبق لغاية في نفسه؛ ومن جهة أخرى، استمات غي غوانغ في توطيد أواصر الود مع هذا الخبير الفذ، وقد وقر في صدره إجلال عظيم لمقامه.
فأبناء السهول الشمالية فُطروا على الشجاعة والضراوة، وتجلت في طباعهم الشهامة والصراحة المطلقة.
فإن افتقرت إلى البأس، ازدرتك أعينهم واستعصى عليك كسب ودهم؛ أما إن حزت قبضة حديدية قاهرة، أذعنوا لهيبتك؛ وإذا تآلفت روحك مع طباعهم، أغدقوا عليك من الحفاوة ما يجعلك تتمنى لو جمعتك بهم الأيام منذ أمد بعيد.
في غضون يومين فحسب، توثقت عرى الصحبة بين فانغ يوان وغي غوانغ.
عزم فانغ يوان على اتخاذ قبيلة غي جسر عبور للاندماج في نسيج السهول الشمالية؛ فقد كان تشانغ شان يين قد غاب عن الأنظار عشرين عامًا، وعودته المباغتة تتطلب تمهيدًا ليتقبلها الناس دون ريبة.
فضلًا عن ذلك، نضبت أحجاره البدائية وافتقر إلى دودة غو دفاعية، وبات بحاجة ملحة إلى عقد صفقات تجارية تسد هذا النقص.
فلم يعثر في جثة تشانغ شان يين على أي غو دفاعي، والأرجح أنه تحطم إبان نزاله الدامي مع ها تو غو.
لم يكن لغي غوانغ أن ينسى فضل إنقاذ حياته، فامتزج امتنانه بتقدير بالغ وفضول متقد نحو شخصية فانغ يوان.
امتنان لإنقاذه من براثن الهلاك.
تقدير لبراعته الاستثنائية في مسار الاستعباد؛ فبضع إرشادات عابرة أسداها له فانغ يوان كفلت لغي غوانغ كسر عنق الزجاجة وتجاوز عثراته، في سمات تنبئ عن هيبة الشيوخ الأعلام وسادة الخبرة الفذة.
فضول نابع من حديث فانغ يوان عن ذكريات الماضي؛ إذ طغى على نبرته استرجاع شجي ونظرات تفيض بالحكمة والكهولة، تليق بفارس يحمل في جوفه أسرارًا غائرة. تاقت نفس غي ياو لسبر تلك الأغوار، غير أنه أحجم عن الإلحاح مهابة وتوقيرًا.
بعد مسيرة خمسة أيام، بلغت القافلة أخيرًا المخيم الرئيس لقبيلة غي.
امتد المخيم على رقعة فسيحة؛ وأحاطت به أسوار حصينة منيعة ناهز ارتفاعها ستة أمتار، اصطبغت بخضرة يانعة لكثافة ما تشابك فوقها من كروم ونباتات متسلقة، وتدلت من بين أوراقها عناقيد ثمار تحاكي حبات العنب.
كانت تلك الثمار الشبيهة بالعناقيد في حقيقتها ديدان غو إرباك العقل التابعة لمسار الخشب؛ وحين تنقض الوحوش الكاسرة على الأسوار، تنفجر تلك العناقيد وتتناثر عصارتها فوق أجساد الغزاة، فتشل إدراكهم وتفقدهم التوازن والقدرة على مواصلة القتال.
خلف السور العظيم، ارتفعت أبراج مراقبة شاهقة؛ رابط فوق كل برج منها ثلاثة من سادة الغو: أحدهم دفاعي واثنان للاستطلاع يتناوبون على رصد الأرجاء.
فور انفراج بوابات المخيم، تقاطرت جموع غفيرة من سادة الغو لاستقبال القادمين بحفاوة بالغة.
"عاد الزعيم الشاب! لقد عاد زعيمنا الشاب بخير!"
"ألم يمضِ على خروجه سوى بضعة أيام؟ كيف عاد بهذه السرعة؟"
"سمعتُ أنهم وقعوا في كمين لقطيع من ذئاب الريح وأشرفوا على الهلاك، لولا تدخل خبير فذ في مسار الاستعباد أنقذ رقابهم!"
"أتقصد ذلك الرجل الكهل؟ انظروا إلى تلك الذئاب السائرة في ركابه، إنه هصور بحق! ترى من أي قبائل الشمال ينحدر هذا الفارس؟"
قبل وصول فانغ يوان ورفاقه، صادفتهم فرق الاستطلاع المرابطة في التخوم، فسبقت أنباؤهم ركابهم إلى المخيم.
مع ذيوع الخبر، تعلقت أعين الفضوليين بفانغ يوان، وراحت الأصابع تشير إليه بإعجاب واندهاش.
راح الصبية يتقافزون ويهتفون، يهرولون في إثارة خلف القافلة.
استقر فانغ يوان فوق ظهر ذئب السنام، يراقب غي غوانغ وهو يلوّح بيده لأبناء قبيلته؛ وكلما لوّح بكفه، تعالت هتافات الحماسة في صفوف الحشود، مما يبرهن على المكانة الأثيرة التي يحظى بها هذا الفتى في قلوب قومه.
من واقع أحاديثهما طوال الرحلة، أحاط فانغ يوان بشخصية غي غوانغ إحاطة تامة؛ فهو شقيق غي ياو، ونموذج خالص لفرسان السهول الشمالية: صريح وشهم، يقدم الشرف والكرامة على الحياة، يجمع بين الفطنة والشجاعة، وتتجذر في عقيدته النظرة الذكورية الصارمة لتقاليد الشمال؛ وقد استبد به السخط والاشمئزاز لفرار أخته من زفافها.
غير أن غضبه ذاك لا يعني فتور عاطفة الأخوة في صدره.
لو بلغه أن فانغ يوان هو من أزهق روح أخته، لاندفع حتى لو نضب جوهره البدائي لينازله بأسنانه وأظافره ثأرًا لدمها.
فقد عاش فانغ يوان دهرًا في السهول الشمالية في حياته السابقة، ووعى دخائل نفوس أهلها وطبائعهم عن ظهر قلب.
مضت القافلة عبر الممر الرئيس تخترق قلب المخيم.
انتشرت الخيام الصوفية المزدانة من حولهم تحاكي خيام اليورت في كوكب الأرض؛ وتلكم مساكن العوام من الفانين.
رفع الكثيرون ستائر نوافذهم لاستطلاع الجلبة، واصطبغت وجوههم بالدهشة والوجل حين أبصروا قطيع الذئاب الزاحف خلف فانغ يوان؛ وحين وقعت أبصارهم على الزعيم الشاب، وضعوا أيديهم اليمنى فوق صدورهم وحيوا غي غوانغ بهتافات التوقير والترحيب.
ففي الحدود الجنوبية، يخر الفانون سجدًا وركوعًا عند لقاء سادة الغو؛ أما في السهول الشمالية، فلا ينحني الفرسان الأحرار إلا للسماء، ولأسلافهم، وشيوخ عشائرهم؛ ولا يركعون في المعتاد حتى لزعيم القبيلة أو كبرائها.
كان الرداء الصوفي لباس العامة من هؤلاء الفانين؛ وتزينت بعض النسوة من ذوات اليسار بحلي بسيطة، بينما توشحت قمصان الرجال بخيوط ذهبية أو أرجوانية؛ أما الفقراء فارتدوا أسمالًا بالية رقعتها قطع القماش المتناثرة.
بيد أن حالهم يفوق حال العبيد بمراحل.
فمن رآهم فانغ يوان جاثين على ركبهم طوال دربه لم يكونوا سوى عبيد مسلوبي الكرامة.
تكاد تجرد أجسادهم من الثياب، شاحبو الوجوه بارزو العظام؛ وتتدنى مكانة العبيد في السهول الشمالية إلى درك سحيق، فيحيون عيشة بائسة تجلب الشفقة.
ففي وجدان أبناء السهول الشمالية، اقتناء العبيد لا يختلف عن تربية الماشية والأغنام؛ وتجارة النخاسة هي الرابحة الرائجة في هذه الديار.
يسكن الفانون في الخيام المنصوبة عند الأطراف الخارجية للمخيم، بينما ينفرد سادة الغو بالمنطقة الداخلية الحصينة.
فإذا داهمت الوحوش الكاسرة المخيم، كان الفانون أول من يتلقى الصدمة ويذوق الهلاك.
تجاوز فانغ يوان ورفاقه نطاق الخيام ليدلفوا إلى حي سادة الغو.
لا يسكن سادة الغو في الخيام الصوفية، بل يستقرون داخل بيوت الغو الحصينة.
بيوت الغو أبنية تتشكل من ديدان الغو؛ فالبسيط منها يقوم على دودة غو واحدة، والمركب ينشأ من تضافر ديدان شتى.
في الحدود الجنوبية، تسلحت القوافل التجارية الكبرى بمثل تلك البيوت في ترحالها عبر الجبال والغابات.
حين ارتحلت قافلة قبيلة جيا فوق جبل تشينغ ماو سابقًا، استخدمت بيت غو من مسار الخشب يُدعى كهف النجوم الثلاثة.
شجرة عملاقة ناهز ارتفاعها ثمانية عشر مترًا، ضربت جذورها الثخينة كالأفاعي في أعماق التربة، وتألفت ساقها من ثلاث طبقات تتخللها النوافذ، لتقدم دفاعًا لا يقارن بالخيام الواهية.
عند التخييم، يغرس سيد الغو المساعد البذرة ويضخ جوهره لتنمو شجرة باسقة، ثم يستردها لتنكمش إلى بذرة عند الرحيل.
بيد أن سادة الغو في السهول الشمالية يعزفون عن اتخاذ الأشجار الشاهقة كبيوت غو؛ فالأشجار الفارعة تستجلب الصواعق الرعدية إبان العواصف الهوجاء.
من ثم، كان أول طراز طالعه فانغ يوان هو غو سحلية البيت الأكثر شيوعًا.
دودة غو من الرتبة الثانية، تتخذ هيئة سحلية متعددة الألوان، ويغلب عليها الأخضر الداكن أو الأزرق السماوي أو الأبيض اللبني. تضاهي في ضخامتها حافلات النقل في كوكب الأرض؛ وعيناها نافذتان، وتنتشر النوافذ على جانبي بدنها.
تربض السحلية فوق التراب، وتفتح فاها الواسع ليغدو بابًا للدلوف.
فإذا ولج المرء، استقبله ممر طويل تصطف الغرف على جانبيه؛ وتستقر في نهاية الممر حجرة لقضاء الحاجة وتجميع الفضلات.
حين ترتحل القبيلة، تنهض السحلية وتمضي بقوائمها الأربع القوية.
إذا امتلأت حجرة الفضلات، رفعت السحلية ذيلها لتفرغ ما في جوفها من فضلات فوق الأرض.
لا تسكن هذا البيت إلا أسرة تضم بين أفرادها سيد غو واحد على الأقل.
تلك معيشة تعلو بدرجات عن بؤس الخيام الخارجية.
عند أبواب تلك السحالي، ترابط خيول البطون الضخمة مقيدة بحبال إلى أنياب السحلية، وتحوز قلة من الأسر ذئاب سنام خاصة.
تجاوز الركب بيوت السحالي، ليقع بصرهم على بيوت غابة الفطر.
تنشأ تلك المساكن عبر غرس أعداد وافرة من غو غرفة الفطر؛ فيستحيل كل مسكن إلى فطر عملاق ذي قبة رمادية دائرية تسيل عنها مياه الأمطار، وتتحدى الصواعق وتثبت في وجه الرياح العاتية.
جذع الفطر دائري متين، وجدرانه الداخلية بيضاء تتخللها النوافذ.
تتجمع بضع ديدان من غو الفطر لتشكل مسكنًا متميزًا؛ فإذا اجتمعت العشرات منها، غدت غابة فطر بديعة.
ولا ينعم بسكنى غابات الفطر سوى شيوخ القبيلة وسادة الغو المياسير.
ومع اقتراب القافلة، انفرجت نوافذ الفطر عن وجوه نساء وأطفال؛ وهرع صبية بواسل يداعبون فراء ذئاب الريح وذئاب اللحية السامة دون وجل، في جسارة تفوق أقرانهم من أبناء العوام.
قال غي غوانغ: "أيها المحسن تشانغ شان يين، ها هي خيمة الزعامة الكبرى لقبيلتنا تلوح في الأفق."
بلغ الجمع مركز المخيم، حيث انتصبت غابة تضم ما يربو على مائة مسكن من غو الفطر.
وأقبل رجل مسن، دمث الأخلاق وقور الهيئة، يقود حشدًا من سادة الغو لاستقبالهم.
فطن فانغ يوان إلى أنه زعيم قبيلة غي؛ وإكرامًا لمقامه، ترجل عن ظهر ذئب السنام.
دنا الزعيم العجوز من فانغ يوان، ووضع يده اليمنى فوق فؤاده وانحنى انحناءة إجلال عميقة: "أيها الخبير المبجل، لقد أنقذتَ ولدي، وحفظتَ مستقبل قبيلتنا من الضياع! تفضل بالدخول إلى رحابنا؛ فقد أعددنا لك أطايب نبيذ حليب الفرس، ولحم الضأن والبقر يُشوى على الجمر في هذه اللحظة؛ وسآمر رجالي بإطعام قطيع ذئابك ورعايته على أكمل وجه."
أومأ فانغ يوان برأسه: "حبًا وكرامة." وتبع زعيم القبيلة إلى كبرى غرف الفطر في الغابة.
داخل تلك القاعة الفسيحة المزدانة بأفخر جلود الذئاب والفهود، جلس شيوخ القبيلة ووجهاؤها وفق مراتبهم ومنازلهم العشائرية في وقار ومهابة.
وحملت فتيات حسناوات أكياس نبيذ حليب الفرس الفواح والخمور المعتقة ليصببنها في كؤوس الضيوف وأوانيهم الخزفية، فعبق الأريج الزكي في أرجاء المكان.
وتراصت صنوف الطعام الشهي وأطايب المروج الخضراء فوق الموائد الخشبية العريضة في كرم حاتمي لافت.
وسرعان ما أُحضرت خراف سمينة وعجول مشوية على الجمر تتصاعد منها ألسنة الدخان الزكي لتستقر في صدر القاعة الاحتفالية.
ونهض زعيم قبيلة غي العجوز بنفسه تكريمًا لمقامه، واستل خنجرًا فضيًا بتارًا ليقتطع أعين الذبائح ولحم الصدر وأطيب أجزاء السنام والظهر، ورصها بعناية فوق طبق ذهبي برّاق وقدمها لفانغ يوان بكلتا يديه تبجيلًا وإعظامًا.
رفع الزعيم العجوز قدحه عاليًا وقال بنبرة تفيض إجلالًا: "تفضل أيها المحسن الكريم البطل، أنعم بصحتك وعزك!"
فأبناء السهول الشمالية يعظمون الفرسان الشجعان الأوفياء فوق كل شيء، ويتصفون بكرم الضيافة الفياض؛ وإن رفع المضيف كأسه مرحبًا، فواجب الضيف الأصيل أن يفرغ وعاءه عن آخره إكرامًا لصاحب الدار واعترافًا بمودته؛ والامتناع عن الشرب في أعرافهم يُعد إهانة فجة وازدراءً لا يُغتفر.
تجرع فانغ يوان وعاء النبيذ الدسم دفعة واحدة حتى قاعه دون أن يطرف له جفن، فضجت جنبات القاعة بهتافات الاستبشار وصيحات الإعجاب بفروسيته.
وتلا الزعيمَ نجلُه الشاب غي غوانغ حاملًا قدحًا ممتلئًا، فأفرغ فانغ يوان قدحه معه دفعة واحدة؛ ثم توالت نخب شيوخ القبيلة وكبرائها واحدًا تلو الآخر، فشرب معهم فانغ يوان جميعًا دون أدنى تردد أو تلعثم، ليكسب بجسارته وشهامته قلوب الحاضرين عن بكرة أبيهم.
وعقب انتهاء مراسم النخب المتتالية، بلغت حرارة الحفل ذروتها، واشتعلت أجواء الألفة والمودة في أرجاء المجلس.
وضع الزعيم العجوز قدحه، والتمعت عيناه في وجهه المورد: "أيها المحسن تشانغ شان يين، اسمك يقرع الآذان بألفة غريبة؛ أتنتمي إلى قبيلة تشانغ الكريمة؟ لي في قبيلة تشانغ خلان كرام، وابنتي الثانية متزوجة في ديارهم، فلربما جمعتنا وشائج نسب ومصاهرة."
تنهد فانغ يوان ونكّس بصره بوقار وحزن مصطنعين: "يا زعيم قبيلة غي، أعلم ما يجول بخاطرك؛ أنا من أبناء فصيل يوان فنغ في قبيلة تشانغ، سليل جيل شان والابن الوحيد لأبويّ؛ والدي هو تشانغ شنغ دون، ووالدتي تشانغ تسوي."
اتسعت عينا الزعيم العجوز ذهولًا، وتسمرت نظراته فوق فانغ يوان: "أنت… أأنت حقًا الفارس ملك الذئاب تشانغ شان يين؟!"
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.