الفصل 434 – تشانغ شان يين، كن زوجي!
أرخى الليل سدوله فوق مرج السموم المترامي الأطراف، فزاد ظلمته حلكة ووحشة.
صفرت الرياح عند أطراف الآذان، وتناهى معها عواء الذئاب البعيد يحاكي بكاء الأرواح التائهة في الفلوات.
سط ذلك السكون، اشتعلت نيران مخيم وضاءة فوق أرض المرج.
دنت غي ياو من ألسنة اللهب تلتمس الدفء، وتطرد قشعريرة البرد التي سرت في أوصالها.
فوق الجمر المتقد، استقر قدر نحاسي يغلي فيه حساء لحم مجفف، ففاحت منه رائحة شهية تأخذ بالألباب.
ابتلعت غي ياو ريقها مع تزايد وطأة الجوع في أحشائها، حتى ضاقت ذرعًا بالانتظار فتوجهت بسؤالها إلى فانغ يوان: "أيها السلف تشانغ شان يين، ألم ينضج هذا الحساء بعد؟"
جلس فانغ يوان في الجانب المقابل للفتاة، تفصل بينهما ألسنة النيران الراقصة.
أخرج فانغ يوان غو كأس المنظور المتحرك وقال بنبرة هادئة غير مكترثة: "لا تعجلي؛ فاللحم المجفف أُلقي في القدر للتو، ويلزمه الغليان حتى ينضج. تريثي قليلًا؛ فحين يلين قوامه وتتدفق عصارته، سيغدو شهيًا سائغًا للآكلين."
برطمت غي ياو شفتيها بضيق طفولي وقالت: "أوه، ألا زال علينا الانتظار كل هذا الوقت؟" وتلألأت تقاسيم وجهها الفاتن تحت وهج النيران، وانسجمت مع ردائها الشمالي الفضفاض وحليّها البديعة لتضفي عليها سحرًا فريدًا.
لم يكن هذا السكون البديع كافيًا ليسترعي التفاتة ثانية من فانغ يوان.
بل تركزت أنظاره بالكامل فوق غو كأس المنظور المتحرك المستقر في كفه.
إذ كان غو كأس المنظور المتحرك دودة غو من الرتبة الخامسة؛ وحين حل بأرض السهول الشمالية، خضع لقيود قمع السماء والأرض فهبطت رتبته إلى الرتبة الرابعة. وبالنظر إلى سعته التخزينية، فإنه يقل عن سائر ديدان الرتبة الرابعة؛ كما يتصف بكلفة إطعام باهظة تُعد من بين الأعلى كلفة بين ديدان الرتبة الخامسة، علاوة على استنزافه الهائل للجوهر البدائي عند تفعيله. فلِمَ اختاره فانغ يوان بعينه، وبذل في سبيله الجهد والموارد لصقله؟
العلة في ذلك تعود إلى منشئه الأصلي؛ فقد ابتكره الموقر الشيطاني سارق السماء، الذي نهب السماء وسلب الأرض، وتفرّد بصفته أثرى الموقرين في التاريخ قاطبة.
قد كرس سارق السماء مساعي حياته للبحث عن كهف الفضاء الأسطوري.
رد ذكر كهف الفضاء لأول مرة في سفر أساطير رين زو، ويُعد أرضًا محرمة تقف على قدم المساواة مع نهر الزمن؛ فكما يزخر نهر الزمن بأعداد لا حصر لها من ديدان مسار الزمن، يحوي كهف الفضاء في جوفه ديدان مسار الفضاء بلا عدد.
يربط هذا الكهف بين المناطق الخمس قاطبة، ويتوارى في موضع خفي يعجز الخلائق عن معرفته. ولو دلف المرء إلى جوف كهف الفضاء ودفع أحد أبوابه، لاستطاع البلوغ إلى أي بقعة في أرجاء الوجود. وتُعرف الأبواب المتصلة بكهف الفضاء باسم أبواب الفضاء؛ وهي مبثوثة في كل مكان، قد تستقر في صدع صخري ضيق، أو في كبد السماء الفسيحة؛ فحيثما وُجد الفضاء، وُجد باب يفضي إلى الكهف.
بيد أن القادرين على العثور على كهف الفضاء، ناهيك عن ولوجه، ندروا عبر العصور؛ وطوال تاريخ البشرية، لم يظفر بالدخول إليه والخروج منه سوى شخص واحد فقط.
استنبط الموقر الشيطاني سارق السماء وصفة غو كأس المنظور المتحرك بغية إرسال هذا الغو إلى كهف الفضاء، لينهب من جوفه قطعان ديدان الغو البرية ويستخرجها إلى عالم الأحياء.
غير أن مسعاه ذاك أخفق في غايته، لكنه حقق نصرًا من وجه آخر.
بعد أربعمائة عام، اكتُشفت أرضه المباركة وتنازع خوالد الغو كنوزها؛ فانتشرت وصفة غو كأس المنظور المتحرك إثر ذلك، ونالت استحسان خوالد الغو لبراعة أثرها، وطبق صيتها الآفاق في سائر المناطق.
استخرج فانغ يوان غو التنين الذهبي من فتحته.
قد خضع هذا الغو ذو الرتبة الرابعة للقمع فهبط إلى الرتبة الثالثة؛ وما إن انطلق محلقًا حتى استقر داخل جوف غو كأس المنظور المتحرك.
ضخ فانغ يوان مقادير وفيرة من جوهره البدائي في كأس المنظور المتحرك.
تألق الكأس ذو القمة الذهبية والقاعدة الفضية ببريق وهاج يجمع بين بريق الذهب وبياض الفضة، وطفا سابحًا في الهواء.
سحب فانغ يوان كفه قليلًا، ثم دفع الكأس برفق نحو الأمام.
تحرك غو كأس المنظور المتحرك قدمًا في الأثير حتى بدأ يتلاشى تدريجيًا؛ فغابت حوافه أولًا، ثم توارى نصفه، حتى اختفى برمتها في قلب الفضاء الخالي.
انتفضت غي ياو واقفة، واتسعت حدقتاها ذهولًا أمام هذا المشهد الخارق.
في اللحظة ذاتها، وبعيدًا في القارة الوسطى داخل أرض هو الخالدة المباركة…
طاف بخلد هو الخالدة الصغيرة شعور مباغت، فانتقلت فورًا إلى الغرفة السرية في قصر دانغ هون.
داخل الغرفة السرية، فاض غو كأس المنظور المتحرك بنور متلألئ وسبح في الفضاء؛ وكأن يدًا خفية تجذبه، تحرك إلى الأمام ببطء ثم تلاشى في الهواء.
عندما توارى الكأس تمامًا، بسط فانغ يوان كفيه بمحاذاة الأرض، وأطلق جوهره البدائي من جديد.
فجأة، انبثق وهج ذهبي وفضي ساطع بين راحتيه.
في التو واللحظة، رأت غي ياو حافة كأس تنبثق من العدم، ثم اتسعت لتكشف عن نصف الكأس، حتى استوى الكأس كاملًا فوق كف فانغ يوان.
خبا النور، ليستقر الغو الشبيه بالكأس بين راحتي فانغ يوان.
تمتم فانغ يوان بارتياح: "تم الأمر." فبظهور هذا الكأس، أيقن أن خططه تسير وفق ما رُسم لها دون شطط.
اقتربت غي ياو منه خطوات وسألته بفضول جارف: "أيها السلف تشانغ شان يين، ما الذي فعلته للتو؟ مهلًا، يبدو أن هذا الكأس اختلف عن سابقه!"
ضحك فانغ يوان بهدوء واستخرج حجرًا بدائيًا ليعوض ما فقده من طاقة: "وما وجه الاختلاف في نظركِ؟"
أمعنت غي ياو النظر في الغو، وفجأة التمعت عيناها وصاحت: "إنه مختلف حقًا! فالكأس الأول تميز بقمة ذهبية وقاعدة فضية، أما هذا فقاعدته ذهبية وقمته فضية!"
ابتسم فانغ يوان دون أن يعقب.
أجل، صدق حدسها!
فغو كأس المنظور المتحرك لا يوجد فرادى، بل يتكون من زوج متطابق.
أحدهما بقمة ذهبية وقاعدة فضية، والآخر بقمة فضية وقاعدة ذهبية؛ واجتماعهما معًا يشكل القوة التامة لغو كأس المنظور المتحرك. وقبل مغادرته، حمل فانغ يوان أحدهما معه، وأودع الآخر في أرض هو الخالدة المباركة.
حين يضخ جوهره البدائي، يلج الكأسان إلى كهف الفضاء، ويتبادلان موقعيهما في جوفه؛ فيصل الكأس القابع في الأرض المباركة إلى فانغ يوان، بينما يعود الكأس المحمّل بغو التنين الذهبي إلى أرض هو الخالدة المباركة.
قديماً، أراد سارق السماء الاعتماد على هذا الغو لسرقة ديدان الغو من كهف الفضاء، وأخفق في بلوغ مأربه؛ غير أن الغو حقق إنجازًا عظيمًا من زاوية أخرى.
فعبر كهف الفضاء المبثوث في كل مكان، يستطيع زوج الكؤوس تبادل المواقع ونقل الموارد والعتاد بين أبعد الأصقاع دون اكتراث للمسافات.
الأهم من ذلك أنه دودة غو من الرتبة الخامسة، وليس غو خالدًا فريدًا يستحيل تكراره.
في حياة فانغ يوان السابقة، إبان الفوضى المستعرة بين المناطق الخمس، غدا غو كأس المنظور المتحرك غنيمة لا يستغني عنها أي فصيل، وتنافس خوالد الغو بضراوة لحيازته.
أخرج فانغ يوان رسالة مطوية من جوف الكأس الجديد.
كتبت الرسالة هو الخالدة الصغيرة، تسرد فيها مجريات الأحوال في الأرض المباركة.
لم يمكث فانغ يوان في مرج السموم سوى خمسة أيام أو ستة، بيد أن شهرًا كاملًا قد انقضى في أرض هو الخالدة المباركة لفارق تدفق الزمن.
أفادت الرسالة بأن الأمور تسير على خير ما يُرام باستثناء وضع جبل دانغ هون؛ وعرضت طائفة الكركي الخالد إجراء صفقة جديدة، لكن هو الخالدة الصغيرة رفضت العرض امتثالًا لتعليمات فانغ يوان الصارمة.
فكثرة التعاملات قد تفتح أعين طائفة الكركي الخالد وتكشف غياب فانغ يوان عن الأرض المباركة. ورغم وجوده في السهول الشمالية، ظل قلبه معلقًا بأرضه المباركة؛ وعبر تبادل الرسائل بواسطة غو كأس المنظور المتحرك، بات يمسك بزمام الأمور خلف الستار، محبطًا كل مكيدة قد تُحاك في غيبته.
أعد فانغ يوان رسالة جوابية بعد قراءة التقرير بعناية.
قفت غي ياو حائرة لا تفقه مما ترى شيئًا؛ إذ عجزت عن قراءة حروف لغة القارة الوسطى.
أرفق فانغ يوان بالرسالة ثلاثة ديدان غو من الرتبة الرابعة: غو المعطف الذهبي، وغو الصدمة الهجومية، وغو أجنحة العظام.
كلما زاد العتاد المحمول في جوف الكأس، تعاظم استنزاف الجوهر البدائي؛ في حين لا تؤثر المسافة الفاصلة بين الكأسين في مقدار الاستهلاك قط.
ذلك لأن الغو يسلك الممر المحرم الغامض في كهف الفضاء.
جاءت محاولة فانغ يوان السابقة تجربة لاختبار كفاءة النقل؛ وبعد أن تيقن من سلامة عمل الغو، شرع في إرسال سائر ديدان الغو القادمة من الحدود الجنوبية إلى الأرض المباركة، لتتولى هو الخالدة الصغيرة رعايتها وتغذيتها.
في الأرض المباركة، اتكأت هو الخالدة الصغيرة فوق الطاولة، ترمق الفضاء بعينيها الواسعتين اللامعتين.
قد استخرجت غو التنين الذهبي من الكأس مسبقًا.
فجأة، طفا الكأس مجددًا وغاص في كهف الفضاء؛ وعقب ذلك ظهر الكأس الآخر واستقر بهدوء فوق سطح الطاولة.
سحبت هو الخالدة الصغيرة محتويات الكأس، وأبصرت رد فانغ يوان، فتهلل وجهها وطفرت فرحًا وصاحت: "رد سيدي ومولاي!"
عقب دورة واحدة من التبادل، نضب معظم الجوهر البدائي في فتحة فانغ يوان.
فأمسك بحجر بدائي يستمد منه الطاقة لترميم مخزونه من جديد.
قفت غي ياو ترقب المشهد، وبدأت تفهم بعض خيوط الأمر؛ وغلبها الفضول فطرحت بضعة أسئلة، إلا أن فانغ يوان اكتفى بابتسامة غامضة وأعرض عن جوابه.
زمجرت الفتاة وزمّت شفتيها بامتعاض: "تشه، تتظاهر بالغموض والتكتم، وما الأمر بذي بال!" وعادت لتجلس في موضعها الأول ساخطة.
جلست تعقد حاجبيها وترمقه بنظرات غاضبة مشتعلة.
وتجاهلها فانغ يوان كأنها هباء منثور، مما زاد غيظها واشتعال صدرها.
فقد نشأت مدللة في حجر والدها زعيم القبيلة، وعُدت حسناء قومها التي لم يجرؤ أحد على الاستخفاف بها قط؛ لكن هذا الرجل أهمل شأنها طوال الرحلة ولم يُلقِ لها بالًا.
وتنافس فتيان المروج وشبانها في التودد إليها، مما رسخ في نفسها كبرياء واعتدادًا بالغين.
حدقت غي ياو فيه مليًا؛ وبعد أن استعاد جوهره البدائي، عاد ليفعل غو كأس المنظور المتحرك، متناسيًا وجودها بالكلية.
على أن حنق الفتاة تبدد في تلك اللحظة وحل محله شعور آخر.
"إنه تشانغ شان يين في نهاية المطاف؛ وليس رجلًا يقاس بأولئك الفتية الغرارين السذج. فما تراني أكون في عينيه؟ مجرد فتاة صغيرة لا وزن لها."
وغمر الأسى صدر غي ياو إثر هذا الخاطر، وتاهت نظراتها وهي تتأمل تقاسيم وجهه.
فقد استعار فانغ يوان ملامح تشانغ شان يين عبر غو الجلد البشري، فصارت قسماته قسمات رجل من أبناء السهول الشمالية تحاكي مقاييس الجمال في ناظريها.
وحين كان تشانغ شان يين فتى يافعًا، عُدّ من أوسم فتيان قبيلته.
تقاسيمه متناسقة، وأنفه مستقيم حاد، وعيناه العسليتان تغوران في عمق وجلال، وشفتياه الغليظتان تنطقان بالعزم والصرامة.
وخط الشيب فوديه، فمنحه وقار النضج وهيبة التجارب؛ وتلك سمات تأسر قلوب الفتيات وتخلب ألبابهن.
ومع ترنح ألسنة اللهب، تراقصت الظلال فوق قسمات فانغ يوان، فبرزت ملامحه الرجولية الصارمة بأبهى حلة.
سبحت أفكار غي ياو بعيدًا، وراحت تتساءل في سرها: أي طراز من الرجال هذا الفارس؟
الدهشة في لقائهما الأول، ودفء ابتسامته، وحكمته في توجيهها، وبسالته في خوض الوغى، ورباطة جأشه الخارقة حين سلخ جلده بيده دون أن يرتجف له جفن…
تزاحمت تلك المشاهد في وجدان الفتاة، وتجذرت في ذاكرتها كأنها نُقشت بأزاميل من حديد!
"وماذا عن ماضيه الغابر؟" جال الخاطر في ذهنها من جديد.
إن سيرة تشانغ شان يين ملحمة بطولية تناقلها الركبان في سهول الشمال.
أحبه الجميع، وأجلوه، ورفعوا مقامه عاليًا.
وفي مقتبل عمره، سطع نجمه كأمل وضاء لقبيلته.
ذاع صيته باكرًا، وأذهل سادة الغو ببراعته الفذة في مسار الاستعباد.
والأجلّ من ذلك نقاء سريرته وبره بأمه وإعانته للملهوف وذوده عن الضعفاء؛ وحين واجه الغدر من صديق صباه وخانه رفيق دربه، أبت عليه فروسيته إلا أن يثأر للشرف. ولعبت به صروف الدهر، ففقد أمه، وأخاه بالعهد، وزوجته الحسناء، بل كاد يفقد حياته ذاتها.
لكنه قهر الردى وظفر بالبقاء في نهاية المطاف!
وبجهده وعزيمته، انبعث من مهاوي الهلاك ليرسم أسطورة تعجز عنها خيالات العامة.
"يحمل هذا البطل في صدره جراحًا لا تندمل، وآلامًا وأحزانًا تنوء بحملها الجبال." واشتعلت في صدر غي ياو رغبة جارفة في احتضانه، وبث الدفء في روحه لتضمد جراح هذا الذئب الجريح المفرد، ملك الذئاب الأسطوري.
طقطق الحطب تحت وطأة النيران المتقدة.
وغامت نظرات غي ياو بفيض من الهيام والافتتان، وعجزت عن لجم مشاعرها المتدفقة.
فتحت وهج النار الدافئة، تفتقت براعم العاطفة في قلب الفتاة ونمت كشجرة باسقة.
وحين فرغ فانغ يوان من جولة تبادل جديدة وتناول حجرًا بدائيًا، اتخذت غي ياو أخطر قرار في حياتها.
نهضت فجأة وانتصبت في قامتها، وهتفت بصوت رجّ أرجاء المرج الهادئ: "تشانغ شان يين! كن زوجي!"
تردد صدى صوتها في الفلاة الساكنة.
عقد فانغ يوان حاجبيه بدهشة؛ فرغم تجاربه التي امتدت خمسمائة عام، لم يتوقع هذا التحول المباغت في مشاعر الفتاة.
ثم استعاد هدوءه وعلت شفتيه ابتسامة: "كفاكِ مزاحًا يا فتاة؛ فأنا في مقام أجدادك أو آبائك، وأكبركِ بأكثر من عشرين عامًا؛ فإن كان الأمر هكذا، فابني ندّ مكافئ لكِ."
صاحت الفتاة بإصرار عنيد: "كلا يا تشانغ شان يين، بل أريدك أنت!"
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.