الفصل 39 – قافلة الضفادع التجارية
أقبل شهر أيار ليؤذن بانقضاء الربيع وحلول بواكير الصيف.
فاح أريج الزهور ليعطر الأرجاء، واكتست الجبال الشامخة خضرة نضرة، بينما أخذت أشعة الشمس ترسل دفئها المتوهج تدريجيًا.
تحت أديم سماء لازوردية صافية، تهادت الغيوم البيضاء كقطع القطن المندوف.
على سفوح جبل تشينغ ماو، انتصبت غابات الخيزران مستقيمة كالرماح تشرئب نحو كبد السماء الزرقاء. ونمت الأعشاب البرية بكثافة في كل زاوية، وتناثرت زهور مجهولة الأسماء بين ثنايا المروج. وكلما هبت نسائم لطيفة، تمايلت الأعشاب الخضراء ذات اليمين وذات الشمال، لتغمر العابرين بعبق حبوب اللقاح وشذا المروج الزكية.
في منتصف الجبل، امتدت مدرجات زراعية فسيحة؛ طبقة فوق طبقة ودرجة تلو درجة، تزدان بشتلات القمح الخضراء الغضة، لتبدو للناظر من بعيد كبحر زمردي يموج بالحياة.
انتشر المزارعون على تلك المدرجات يكدحون بجد ونشاط؛ ففريق يطهر قنوات الري لجلب الماء وسقاية الحقول، وآخر شمر عن ساقيه وخاض في الطين ليغرس الشتلات.
هؤلاء العمال غرباء فانون بلا ريب؛ إذ يترفع أبناء عشيرة غو يوي عن ممارسة تلك المهن الشاقة والوضيعة.
رن، رن…
تردد رنين أجراس القوافل خافتًا محمولًا على أجنحة نسائم الربيع.
اعتدلت قامات المزارعين ونظروا صوب أسفل الجبل، فلمحوا قافلة تجارية تتلوى كدودة عملاقة متعددة الألوان على سفح الجبل، وتطل برأسها متمهلة.
هتف أحدهم: "إنها القافلة التجارية!"
ورد آخر بفرح: "أجل، انتصف أيار، وحان موعد قدومها السنوي!"
أدرك الكبار حقيقة الأمر في التو، بينما توقف الصغار عن اللعب بالماء والطين، وهرول الجميع بحماسة لاستقبال طلائع القافلة.
تضم الحدود الجنوبية مئة ألف جبل شاهق، وجبل تشينغ ماو واحد منها فحسب. وتنتشر القرى المعزولة فوق قمم تلك الجبال وسفوحها، متماسكة بروابط الدم وصلات القربى.
بين قمة وأخرى، تمتد غابات سحيقة موحشة، وتنتصب جروف صخرية وعرة تتربص بها الانهيارات القاتلة. وفوق ذلك، تموج تلك الأدغال المعقدة بضواري الوحوش وغرائب ديدان الغو المفترسة.
يعجز الفانون تمامًا عن اجتياز تلك الفيافي؛ بل يستحيل على سيد غو بمفرده أن يقهر تلك الأهوال ما لم يبلغ الرتبة الثالثة على أقل تقدير.
نظرًا لضعف الاقتصاد وعزلة المناطق، غدت التجارة مشقة عسيرة؛ فصارت القوافل التجارية الكبرى شريان الحياة الأوحد للتبادل. ففي إطار تلك القوافل الحاشدة فقط، يتسنى لأسياد الغو توحيد قواهم والتآزر لاجتياز مسالك الوعر والترحال من جبل إلى جبل.
هكذا، كان قدوم القافلة أشبه بصب ماء مغلي في مرجل هدوء جبل تشينغ ماو، فدبت الحياة في أوصاله.
تنفس صاحب الحانة الصعداء عند سماع الخبر وتمتم: "اعتادوا القدوم في نيسان، لكنهم تأخروا هذا العام حتى أيار. المهم أنهم وصلوا أخيرًا!" فالركود يطوق حانته في سائر الشهور، ولا يجني أرباحًا تكفيه لعام كامل إلا إبان موسم القافلة.
فوق ذلك، كدس في مخازنه كميات من نبيذ الخيزران الأخضر لبيعها لتجار القافلة.
لن يقتصر الرواج على الحانة وحدها، بل ستشهد الأسواق انتعاشًا مماثلًا.
دلفت القافلة التجارية إلى قرية غو يوي تباعًا، يتقدمها ’ضفدع النحاس الكنز’. بلغ ارتفاع هذا الضفدع مترين ونصف المتر، وجلده مائل إلى الصفرة البرتقالية، وظهره سميك مكتنز بالثآليل والعقد الناتئة التي تشبه مسامير البرونز الضخمة على بوابات المدن العتيقة.
شُدت حبال غليظة حول ظهره لتحمل أطنانًا من البضائع، حتى بدا للرائي كأنه يحمل حقيبة ظهر عملاقة.
تربع فوق رأس الضفدع رجل في منتصف العمر ذو وجه مستدير مليء بآثار الجدري. كان ممتلئ الجسد ببطن بارز، وتضيق عيناه حتى تستحيلا إلى خطين دقيقين كلما ابتسم. وراح يضم قبضتيه محييًا القرويين المحتشدين بحرارة.
هذا الرجل يُدعى جيا فو من عشيرة جيا؛ وهو سيد غو من الرتبة الرابعة، وقائد هذه القافلة التجارية.
كان الضفدع يثب وثبات خفيفة وهو يتقدم، غير أن جيا فو الجالس فوقه ظل ثابتًا في جلسته لا يتزعزع. ومع كل وثبة، تحاذي قامته نوافذ الطوابق الثانية للبيوت، وحتى عند استقراره على الأرض، ترتفع قامته عن طابق البيوت الأرضي.
ضاقت الأزقة الفسيحة فجأة أمام هذا الموكب الحاشد، وبدا ضفدع النحاس الكنز كوحش أسطوري يقتحم غابة من بيوت الخيزران.
تبع ضفدع الكنز دودة عملاقة سمينة بطول خمسة عشر مترًا، لها عينان تشبهان زجاج النوافذ الملون ببريق زاهٍ وفاتن، ويشبه شكلها دودة القز، غير أن جسدها مغطى بدروع جلدية سوداء صقيلة كالخزف. ورُبطت فوق درعها بضائع وفيرة بحبال من القنب، وجلس بين فجوات الأحمال أسياد غو متفرقون، منهم الشيوخ ومنهم الشبان.
سار بجوارهم رجال فانون من المقاتلين الأشداء مفتولي العضلات، يواكبون خنفساء سوداء ضخمة تدب على الأرض ببطء.
تبع الخنفساء نعام بشتى ألوان الريش، وعناكب جبلية كثيفة الشعر، وحيات مجنحة بزوجين من الأجنحة ذات الريش، وغيرها من المخلوقات؛ وإن ظلت الضفادع تؤلف السواد الأعظم من دواب الموكب.
تشابهت تلك الضفادع مع ضفدع النحاس الكنز، غير أنها أصغر حجمًا تضاهي الخيول والأبقار، تحمل الأحمال والركاب وبطونها منتفخة وهي تقفز قدمًا.
توغلت القافلة في عمق القرية.
تطلعت عيون الأطفال إليها بفضول وانبهار، مطلقة صيحات الفرح والتعجب.
فُتحت نوافذ الطوابق العليا تباعًا، وأطل القرويون يراقبون المشهد من كثب؛ فمنهم من لاح الخوف في عينيه، ومنهم من لوح بيده مرحبًا بالضيوف.
تقدم زعيم العشيرة غو يوي بو بنفسه لاستقبال قائد القافلة، قائلًا بترحيب دافئ: "أخي الأكبر جيا، لقد تأخرت قليلًا هذا العام، ولا شك أنكم كابدتم مشاق الطريق."
فجيا فو يحمل رتبة سيد غو من الرتبة الرابعة؛ فإن كُلف شيخ من الرتبة الثالثة باستقباله، لعُد ذلك استهانة وإهانة لمقامه الرفيع.
ضم جيا فو قبضتيه وتنهد مجيبًا: "كانت دروب هذا العام وعرة وغير مواتية؛ فصادفنا أسرابًا من خفافيش الدم المنعزلة وفقدنا عددًا من رجالنا البواسل. ثم حاصرنا ضباب كثيف فوق جبل جيويه بي، فلم نجرؤ على مواصلة السير، ما تسبب في تأخرنا كثيرًا وألزمكم بالانتظار، يا أخي غو يوي."
تبادل الطرفان عبارات المودة واللطف؛ فقرية غو يوي بحاجة ماسة إلى بضائع القافلة كل عام، وتجار القافلة يسعون للربح والتجارة.
ابتسم غو يوي بو وبسط يده مرحبًا: "المهم أنكم وصلتم سالمين! تفضل، لقد أعدت العشيرة أطايب الطعام والشراب، فاسمح لي بإقامة مأدبة ترحيب تليق بمقامك يا أخي."
شعر جيا فو بالإطراء وقال بامتنان: "زعيم العشيرة كريم ومفرط في اللطف."
وصلت القافلة إلى حدود جبل تشينغ ماو في الصباح الباكر، ومع حلول الظهيرة استقرت في باحة قرية غو يوي. وبحلول الغسق، تحولت أطراف القرية إلى سوق شاسعة تعج بالمتاجر المؤقتة؛ ونُصبت خيام شاهقة زاهية بحمرة وزرقة وصفرة وخضرة، واكتظت المساحات بينها بأكشاك الشوارع الصغيرة.
هبط الليل، بيد أن الأنوار الساطعة بددت عتمته لتغمر المكان ضياءً.
اندفعت جموع غفيرة من القرويين من القرية نحو السوق؛ فانون وأسياد غو على حد سواء. وراح الصغار يقفزون مرحًا، وعلت وجوه الكبار بهجة تشبه بهجة الأعياد.
سار فانغ يوان بمفرده في خضم ذلك الزحام.
ضجت السوق بالحركة الصاخبة؛ حشود تحلق حول الأكشاك، وأخرى تتدفق إلى داخل الخيام وخارجها بلا انقطاع.
تعالت صيحات الباعة تروج لبضائعها من كل جانب.
"هلموا وانظروا! قوالب شاي سحاب البحر الأزرق الفاخرة! شرب هذا الشاي يملأ النفس انشراحًا كعالم الخالدين! وحتى إن لم تشربه، فهو غذاء مثالي لتربية غو الشاي، وسعره زهيد مقارنة بقيمته؛ القالب بخمسة أحجار بدائية فقط!"
"غو خنفساء القرون الطويلة للقوة الغاشمة! سيد الغو الذي يستعمله يفجر قوة ثور هائج! يمكنك المضي، لكن لا تندم لاحقًا!"
"عشب الألفة! عشب الألفة عالي النقاء! انظروا إلى جودته؛ نضر كأنه قُطف للتو! الرطل بحجرين بدائيين فقط، سعر زهيد للجميع…"
تناهت الصيحة الأخيرة إلى مسمع فانغ يوان، فتمهل قليلًا، ثم اتجه نحو مصدر الصوت.
فرأى طائر نعام يجر عربة ذات عجلتين، تحوي كومة من أعشاب خضراء باهطة. يبلغ طول كل عشبة نحو متر، وهي ناعمة ملساء بعرض ظفر الإصبع، وتتوج أطرافها المدببة براعم زهرية حمراء على شكل قلوب دقيقة.
يُعد عشب الألفة غذاءً مكملًا لديدان الغو؛ وتكمن قيمته في مزجه مع أطعمة أخرى لتغذية ديدان الغو وتوفير المؤن.
فعلى سبيل المثال، يحتاج فانغ يوان إلى إطعام غو ضوء القمر بتلتين من زهرة الأوركيد في كل وجبة؛ فإن خلط معهما عودًا من عشب الألفة، شبعت الحشرة ببتلة واحدة فقط.
رطل عشب الألفة لا يكلف سوى حجرين بدائيين، بينما تباع كل عشر بتلات من أوركيد القمر بحجر بدائي واحد؛ وبحسبة بسيطة، يتبين أن خلط عشب الألفة يوفر النفقات بصورة ملحوظة.
قدّر فانغ يوان نفقاته في سره: ’قبل نصف شهر، عوقبت بغرامة قدرها ثلاثون حجرًا بدائيًا لاستخدامي غو ضوء القمر لقتل قاو وان في الأكاديمية؛ غير أن عائلة مو عوضتني بثلاثين حجرًا لاحقًا، فلم أخسر شيئًا من مالي. وخلال الأيام الماضية سلبت الطلاب مرتين، فبلغ ما جمعته مئة وثمانية عشر حجرًا. غير أنني أنفق الجوهر باستمرار لتنقية جوهر المرحلة المتوسطة وصقل جدران فتحتي، مستهلكًا ثلاثة أحجار بدائية يوميًا. وإذا أضفنا نفقات تغذية الغو، ومعيشتي اليومية، وشراء نبيذ الخيزران الأخضر تباعًا، لم يتبقَ في حوزتي الآن سوى ثمانية وتسعين حجرًا.’
منذ أن أزهق فانغ يوان روح ذلك الخادم، ترسخت صورته القاسية والمخيفة في نفوس رفاقه في الأكاديمية، ولم يعد يجرؤ أحد على منازلته؛ فأضحى سلبه للأحجار في غاية اليسر، ولم يعد يبدي المقاومة سوى قلة نادرة للغاية.
أتم فانغ يوان حساباته في ذهنه، ثم صرف نظره عن العربة وواصل سيره متغلغلًا في قلب السوق المؤقتة.
كان كشك عشب الألفة محاطًا بجمع من المشترين؛ أسياد غو وطلاب يلوحون بأحجارهم البدائية ويتدافعون للشراء بنهم.
لم يكن عزوف فانغ يوان عن الشراء لضيق ذات اليد، بل لضيق وقته.
ففكر وهو يسرع خطاه: "إن لم تخني الذاكرة، فإن ضفدع جلد الطين يقبع في ذلك المتجر تحديدًا. وفي حياتي السابقة، ظفر به سيد غو عبر قمار الأحجار في الليلة الأولى وحقق ثروة طائلة. عليّ أن أسرع؛ فلا مجال لخسارة الغنيمة الكبرى طمعًا في توفير زهيد."
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.