يقول كثيرون إن الأخبار تنتشر سريعًا في البلدة الصغيرة. والحقيقة أنها تنتشر سريعًا في كل مكان، ما دامت مثيرة بما يكفي.
— الليدي أربيسا، في خطابها بمناسبة تأسيس مجلة براتل
وبما أنه لم يشتعل بالنيران أو تلتهمه هذه المرة، ثبّت سولومون زوايا الرقّ بحجارة مكعبة تامة، كأنما خُصّصت لهذا الغرض. كانت التعويذة محرّمة لأنها من سحر الدم، وهذا يعني أنها على الأرجح تصلح قربانًا للأركانا. لم تكن المشكلة إلا أنه، على حد علمه، لا يملك وسيلة يأخذ بها الرقّ معه من المستودع. وهذا يعني أنه مضطر إلى حفظه عن ظهر قلب وهو في المستودع.
حوّل انتباهه إلى الرقّ. فألقى عليه نظرة عامة أولًا، محاولًا فكّ بعض تهجئاته القديمة واستيضاح المعلومات المطموسة؛ ولعل ذلك حدث لأن الحبر الممزوج بالدم والجلد لم يكونا بالضرورة أفضل وسيط لحفظ المعلومات. بدت التعويذة بسيطة على نحو مفاجئ، أو هكذا خُيّل إليه. كان على المرء أن يشحن الدم بالمانا ويشبعه بها. وبعد ذلك، ثمة عدد من الإشارات البسيطة التي يمكن استخدامها لحمله على التفاعل بطرائق مختلفة، ومعظمها مخصّص للاستعمال حين يكون الدم خارج الجسد. وذكر النص أيضًا أن التعويذة تستطيع التحكم بدم الآخرين، حتى وهو داخل أجسادهم، لكنه لم يورد تفاصيل عن كيفية شحن دم شخص آخر بمانا المرء نفسه، وكأن الأمر معرفة مفروغًا منها ينبغي للمرء أن يملكها سلفًا. لم يتضمن كتاب «أساسيات السحر والتعاويذ الأولية» أي معرفة عن كيفية التأثير في أجساد الآخرين، لكن ذلك بدا منطقيًا بالنظر إلى قائمة التعاويذ المحرّمة.
راجع التعويذة مرارًا، وتمرّن على الإشارات بأصابعه الخشبية ليتأكد من إتقانه لها. وبعدما أمضى في مراجعتها ما قدّره بساعة، قرر مغادرة المستودع. جلس للحظات قبل أن ينتبه إلى أنه لم يحدد طريقة للخروج لا تنتهي بأن يمضغه كتاب حتى يصير شظايا. وبالنظر إلى قلة الدمى التي يملكها وعجزه عن صنع المزيد، رأى أن هذه ليست أفضل وسيلة للعودة. فعاد إلى حيث كانت الدمى، ولاحظ أن جميعها محكم الإغلاق في توابيتها. ثم اتجه إلى التابوت الذي خرج منه، وعاد إلى داخله برفق. انتظر هناك للحظة فحسب، ثم وجد نفسه في القصر، ويداه على بُعد بوصة واحدة من الكرة البلورية.
شهق وزفر. كانت ذراعاه وساقاه تؤلمانه من بقائهما في الوضع نفسه طوال تلك المدة. قدّر أنه مكث هناك نحو ساعتين. ثنى ساقيه والتقط عصاه من حيث وضعها، فشعر بثبات أكبر حين استقرت في يده. خرج وأغلق الحجرة الفرعية بعناية، ثم غادر المكتبة وعاد إلى غرفته.
كانت ميليسا في الردهة حين مرّ بها.
"سيدي، أحضرت بريدك ووضعته على مكتبك. وتركت هناك أيضًا آخر عددين من جريدة إتلينغ."
"شكرًا يا ميليسا. كيف تسير الأمور الأخرى؟"
"يقول بوث إن العمل في الحدائق يحرز تقدمًا جيدًا. وتشعر الفتيات عمومًا بأمان أكبر بوجود 'الحرس'، وإن كانت فيليسيتي تتجنبهم. أما برنابوس وبارت، فيتصادمان قليلًا مع البنّاء والنجّار، لكن يبدو أنهما يتعلمان الكثير."
أومأ سولومون. "جيد. أرجو أن تطلبي من كلير إرسال الشاي والغداء إلى غرفتي."
أومأت واتجهت نحو المطبخ، بينما مضى سولومون إلى غرفته. أراد أن يجرّب تعويذته الجديدة فورًا، لكنه أدرك أن عليه أن يأكل ويستعيد هدوءه أولًا. بقد اصبحت المانا لديه أكثر استقرارا، لكنه لم يشأ أن يغامر بدمه قبل أن يستعد بأفضل ما يستطيع. لم يكن يرغب في أن يعثر عليه أحد مغطى بدمه وميتًا، بعدما أطلق من وخزة صغيرة في إصبعه سيلًا جارفًا عن طريق الخطأ.
وبينما كان ينتظر الطعام، تناول إحدى الصحيفتين، الأقدم منهما، وألقى نظرة على صفحتها الأولى.
سولومون مورّو، الابن الرابع ليوثر مورّو، يتعرض لهجوم في قصره!
رمش بهدوء. لا شك أن الخبر يستحق الصفحة الأولى. فقد اجتمع فيه نبيل وفساد وقتل، إلى جانب تفاصيل أخرى كثيرة مثيرة للفضائح.
قرر أن يقرأ بقية المقال.
في ليلة السابع عشر، تعرّض سولومون مورّو، الابن الرابع للدوق يوثر مورّو الراحل حديثًا وشقيق الدوق تشورد مورّو، للاعتداء في قصره على أيدي حرس بلدة مونفالو، حيث لم يمضِ على إقامته فيها سوى وقت قصير. وعلى الرغم من أن رجالًا مسلحين باغتوهم، تمكن أهل القصر من قتل جميع المهاجمين، ويُعتقد أن اللورد مورّو نفسه قتل معظمهم. لقد كان الحارس الأول للبلدة هو المعتدي الرئيسي، وقد قُتل. أما شقيقه، عمدة مونفالو، فقد فرّ، ولا يُعرف مكانه حاليًا. وقد وصلت حامية إتلينغ الشجاعة إلى البلدة لإعادة الاستقرار إليها ريثما تُسوّى الأمور.
'مُطرٍ. ومزعج في الوقت نفسه.' فكّر سولومون. كان يستطيع تخيّل الأسئلة التي ستتبادر إلى أذهان الناس: كيف تصدى لهذا العدد الكبير من المهاجمين؟ وكيف لم يُصب أحد من رجاله؟ لحسن الحظ، كان بوسعه الاحتماء بما اعتادت الصحف أن تضفيه من مبالغات على إنجازات النبلاء. وإذا ألحّ عليه أحد، أمكنه الاعتراف بأن طاقمه الكفؤ تولّى معظم المشكلة. لم يكن ذلك كذبًا؛ فلولا تدخلهم الحاسم في النهاية لكان قد مات بالتأكيد. لقد تساءل عن مصدر المقال، لكنه خمّن، بالنظر إلى طول المدة التي غاب فيها عن الوعي بعد المواجهة، أن أحد حراس حامية إتلينغ هو من زوّدهم بالخبر، لا أحد من رجاله.
قرأ بقية الصحيفة، فاطّلع على افتتاح جسر جديد، ورصد تنين في المنطقة، وتطورات الحرب مع الأورك. بينما كان ينهي قراءته، وصلت كلير بنفسها لتناوله الغداء. شكرها وأخذ وقته في تناول الطعام وهو يقرأ الصحيفة الأحدث. لم يرد ذكره فيها، وهذا حسن، ولم يجد فيها خبرًا آخر لافتًا.
حين انتهى، وضع أطباقه خارج الباب، إذ لم يرد أن يقاطعه أحد، ثم أغلق الباب. ارتشف رشفة أخرى من الشاي ووضع الفنجان جانبًا بحذر. ثم تناول فتّاحة الرسائل من زاوية المكتب، أمسكها بعناية، ووخز طرف إبهامه الأيسر برفق. راقب الدم وهو يتجمع، فبدأ يدفع المانا فيه. بدا له الأمر بديهيًا، كأن الدم مادة طبيعية يُفترض أن تُودَع فيها المانا. وما إن انتهى حتى أشار بيده اليمنى: مدّ إبهامه وسبابته، وثنى إصبعه الأوسط إلى أسفل بمقدار الثلثين، وأبقى بقية أصابعه مثنية إلى منتصفها. ثم رفع يده فجأة وبسرعة.
امتدّ من إبهامه نصل رفيع من الدم، وانغرس في الجدار المقابل له، أسفل النافذة مباشرة. نقر النصل فوجده صلبًا. وما إن أوقف الإشارة حتى سقط على المكتب كخيط صغير من الدم. بسط كف يده اليمنى وحرّكها في نصف دائرة فوق إبهامه المشكوك، فتكوّنت قشرة على الجرح فورًا أوقفت النزفيف. ثم عاد بنظره إلى خيط الدم على المكتب. صنع الإشارة نفسها التي استخدمها لتشكيل النصل، لكنه حرّك يده إلى أعلى برفق هذه المرة. ارتفع الدم عن المكتب بهدوء، فأخرج منديله من سترته وأمسكه بيده اليسرى، بينما كان يوجّه الدم إليه برفق. بعد أن نظّف المكان، ترك المانا تخبو فيه تدريجيًا.
قطّب حاجبيه وهو ينظر إلى القشرة على إبهامه. كان الأمر سهلًا، وسولومون لا يثق بما يأتي بسهولة. لم يحتج إلا إلى محاولة واحدة كي يلقي التعويذة بنجاح، وظلت ماناه هادئة ومستقرة طوال الوقت. صحيح أنه نجح من المحاولة الأولى أيضًا في إلقاء التعاويذ الأساسية الأخرى التي استخدمها، لكنه كان قد تمرّن على إشاراتها لمدة من الزمن على انفراد، أما من ناحية التحكم فلم يكن يفعل سوى أن يفرغ كل ما لديه في كل واحدة منها.
وليمتحن نفسه، أخذ شمعة ووضعها أمامه. قبض يده، ثم فتحها بسرعة وباعد بين أصابعه قبل أن يوجّه إصبعين فقط مباشرة نحو الفتيل. اندفعت من طرف إصبعه دفعة هائلة من الشرر، فأشعلت الفتيل وأحرقت طلاء الجدران أيضًا. لحس إبهامه بهدوء وأطفأ عدة شرارات ظلت تتطاير، ثم أطفأ الشمعة نفسها. بعد ذلك وخز إبهامه من جديد وكرر ما فعله من قبل. ومثل المرة الأولى، لم يواجه أي صعوبة.
أغلق الجرح من جديد. أتُرى سهولة الأمر نابعة من أن التعامل مع الدم وسيطًا يثبّت التعويذة، أم أن ثمة سببًا آخر؟ كان بحاجة إلى مزيد من المعلومات ليتيقن. أما الآن، فقد سرّه امتلاكه تعويذة يستطيع تقديمها إلى الأركانا، لئلا يطرق الموت بابه.